المساواة والتمكين للمرأة.. نتائج مبهرة أم مقدمات مرعبة؟ (4)

ميدان - الرجل والمرأة والشطرنج
الرجل والمرأة ولعبة التمكين (الجزيرة)

عرضنا في المقال السابق من هذه السلسلة المنهجية التي تسير عليها الأمم المتحدة في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، ومن بينها هدف المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، والتي تتطلب من الدول الأعضاء العمل بها، وتعديل ما لديها من قوانين وأنظمة وسياسات للتوافق مع متطلبات تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة والقضاء على جميع أشكال التمييز ضدها.

وفي هذا المقال -الذي عُرفت سابقاته بعبارة "موت جيمس بوند"- نلقي نظرة على الإنجازات التي حققتها الأمم المتحدة في هذا المجال حتى الآن.

26 رئيسة دولة وحكومة، و21% من وزراء العالم، و25% من أعضاء البرلمانات الوطنية، و36% من أعضاء المجالس الحكومية، و49% مشاركة في أولمبياد طوكيو 2020م، و31 دولة تشرّع زواج المثليين

تقدّم ملحوظ ولكنه لا يكفي!

بمناسبة دخول العام الميلادي الجديد غردت منظمة الأمم المتحدة للمرأة في صفحتها على تويتر بقولها: بدأ عام 2022 ولم تحقق أي دولة المساواة بين الجنسين، بل ليس قريبة منها.

وخاطبت المنظمة العالم قائلة "دعونا نضع حقوق المرأة على جدول الأعمال، ونطلب من قادة العالم النهوض بها لصالح النساء والفتيات".

هذه التغريدة لا تعني فشل الجهود السابقة في تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، بل تأتي ضمن إطار تسريع الخطوات للتوصل إلى هدف المساواة الكاملة قبل عام 2030، فجهود المنظمة من أجل المساواة والتمكين للمرأة حققت تقدما ملحوظا على مستوى العالم وفي شتى المجالات، وعلى سبيل المثال بلغت مشاركاتها على مستوى القيادة والمشاركة السياسية حتى سبتمبر/أيلول الماضي:

  • 26 امرأة في 24 دولة يشغلن منصب رئيسة دولة و/ أو رئيسة حكومة، منها 10 دول لديها رئيسة دولة، و13 دولة لديها رئيسة حكومة.
  • %21 يشغلن منصب وزيرة في دول العالم، وبلغت النسبة 50% أو أكثر في 14 دولة، مع زيادة سنوية قدرها 0.52%.
  • في البرلمانات الوطنية على مستوى العالم 25%، وبلغت النسبة 50% أو أكثر في 4 دول حتى الآن، وتجاوزت 40% في 19 دولة أخرى، مقارنة بـ11% عام 1995.
  • %36 من الأعضاء المنتخبين في المجالس والحكومات المحلية، وبلغت النسبة 50% في دولتين اثنتين حتى الآن، كما بلغت 40% أو أكثر في 18 دولة أخرى.

وفي تقرير منظمة الأمم المتحدة للمرأة الصادر في 27 ديسمبر/كانون الأول الماضي بعنوان "16 لحظة حاسمة للمساواة بين الجنسين في عام 2021" عرضت منظمة الأمم المتحدة للمرأة أهم الإنجازات التي تحققت في مجال المساواة والتمكين في هذا العام، وفي ما يلي أبرز ما جاء فيها:

  1. مجال السلطة والسياسة

  • انتخاب أو تعيين المرأة في 8 بلدان لرئاسة الدولة أو الحكومة، من بينهن نجلاء رمضان رئيسة الحكومة التونسية، كأول سابقة من نوعها في الدول العربية.
  • ارتفاع نسبة المشاركة في الحكومة، حيث وصلت في ألبانيا إلى 70%، وفي ألمانيا 50%، وتولت منصب نائبة رئيس الجمهورية لأول مرة في الولايات المتحدة.
  • تولت منصب رئيسة منظمة التجارة العالمية لأول مرة في عمر المنظمة البالغ 26 عاما، إضافة إلى منصب نائبة رئيس المنظمة.
  • تولت منصب وزيرة المالية ووزيرة الخارجية في نيجيريا لأول مرة.

2. القوانين والسياسات

  • إسبانيا تعزز قوانين الاغتصاب وتوافق على مشروع قانون يعرّف جميع أنواع الجنس غير الرضائي بأنه اغتصاب، في خطوة تهدف إلى معالجة الناجيات وتشديد العقوبات على الجناة، لتنضم بذلك إلى 11 دولة أوروبية أخرى قامت بتوسيع تعريفها القانوني للاغتصاب، ويعيد مشروع القانون تصنيف التحرش الجنسي في الشوارع وختان الإناث كجريمة عقوبتها السجن.
  • لبنان يحرز تقدما نحو إنهاء زواج الأطفال، ويصدر تشريعا جديدا يحظر زواج الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما، مع التوصية بضمان ألا يقل العمر عن 18 عاما.

وحسب الأمم المتحدة، فإن الإنسان يعد طفلا دون سن 18 عاما، وتسعى إلى إنهاء زواج الأطفال (على أي شكل كان) كجزء من أهداف التنمية المستدامة.

  • سويسرا تعلن أن الأزواج من الجنس نفسه سيكونون قادرين على الزواج أو تحويل شراكاتهم المسجلة إلى زواج في الدولة، بعد إجراء تصويت شعبي أيد فيه 64.1% زواج المثليين، ولحقتها في ذلك دولة تشيلي في ديسمبر/كانون الأول، لتصبح الدولة الـ31 التي تعتبر زواج المثليين قانونيا، في حين لا تزال هناك 69 دولة لديها قوانين تجرم المثلية الجنسية، وتعمل الأمم المتحدة على تغيير موقف هذه الدول.
  • تحركات واعدة عديدة لإلغاء تجريم الشراكات بين الجنس نفسه، حيث وقّعت أنغولا قانون عقوبات معدلا للسماح بعلاقات مثلية الجنس وحظر التمييز على أساس التوجه الجنسي، كما أصدرت محكمة يابانية قرارا في مارس/آذار يقضي بأن الحظر الذي تفرضه الحكومة على زواج المثليين غير دستوري.

3. العلوم والتكنولوجيا

  • كانت النساء والفتيات في الخطوط الأمامية للاستجابة في مواجهة جائحة كورونا، وكن رائدات في البحث والابتكار، وزادت عمليات نشر اللقاحات في جميع أنحاء العالم بفضل العديد من العالمات والخبيرات، حسب تقرير المنظمة.
  • بورصة ناسداك الإلكترونية تضع سياسة جديدة تفرض على مجالس إدارة الشركات التي يتم تداولها فيها – والتي تقارب 3 آلاف شركة- أن تضم واحدة على الأقل من النساء ومن (المنحرفين) جنسيا ممن يعرفون بـ (LGBTIQ).
  • منظمة الصحة العالمية تكرم هنريتا لاكس، وهي امرأة أميركية سوداء ماتت بسبب سرطان عنق الرحم عام 1951، ولكن الخلايا المأخوذة منها تم تسويقها وتوزيعها في جميع أنحاء العالم، وأسهمت في ما يقارب 75 ألف دراسة.

4. الرياضة

  • بلغت نسبة النساء المشاركات في أولمبياد طوكيو 2020 ما يقارب 49% من الرياضيين المشاركين، مما جعلها أكثر الألعاب توازنا بين الجنسين في التاريخ، حسب التقرير.

5. الفنون والترفيه

  • فوز كلوي تشاو كأول امرأة ملونة وأول امرأة من أصل آسيوي بجائزة أوسكار لأفضل إخراج، كما كرمت "غولدن غلوب" أيضا إنجازات 3 سيدات تم ترشيحهن في فئة أفضل مخرج.
  • متحف ريجيكس الهولندي (Rijksmusem) في أمستردام يعلن لأول مرة في تاريخه -البالغ 200 عام- ضم 3 لوحات لفنانات من القرن الـ17 لتُعرض فيه بشكل دائم.
  • إعلان شركة ليغو (LEGO) الدانماركية إنهاء التحيز على أساس النوع الجنسي في ألعابها، بما في ذلك وقف استخدام ملصقات الألعاب للفتيات أو للأولاد.

6. قيادة المرأة للعمل

  • "منتدى جيل المساواة -الذي انطلق في مارس/آذار الماضي في المكسيك، واختتم أعماله في منتدى باريس في يوليو/تموز بين نشطاء الحكومة والمجتمع المدني والعمل الخيري والقطاع الخاص والشباب- يطلق رحلة عمل مدتها 5 سنوات لدفع التقدم نحو المساواة بين الجنسين، مع 40 مليار دولار من الاستثمارات، فضلا عن الالتزامات والسياسات والبرامج الطموحة.
  • حصول ماريا ريسا -جنبا إلى جنب مع دميتري موراتوف- على جائزة نوبل للسلام لعام 2021، لعملها في حماية حرية التعبير، وإسهامها كصحفية وكاتبة في فضح انتهاكات السلطة في الفلبين، وتعد ريسا المرأة رقم 18 التي تفوز بجائزة نوبل للسلام منذ إنشائها عام 1901، وأول امرأة من الفلبين.

يذكر أن عدد النساء الحاصلات على جائزة نوبل في المجالات المختلفة بلغ حتى الآن 58 امرأة مقابل 876 رجلا.

  • خروج العديد من الأفغانيات إلى الشوارع في أغسطس/آب الماضي، للاحتجاج على إجراءات حركة طالبان ضد المرأة، وسفر أحد الوفود إلى نيويورك للمشاركة في سلسلة من الأحداث والاجتماعات رفيعة المستوى في مقر الأمم المتحدة على هامش المناقشة المفتوحة لمجلس الأمن بشأن المرأة والسلام والأمن، حيث دعا الوفد -الذي يضم برلمانيين ومدافعين عن حقوق المرأة وصحفيين وقادة من المجتمع المدني والباحثين- إلى مشاركة المرأة الكاملة والمتساوية في المساعدة الإنسانية وجهود السلام والحكم في أفغانستان.

لا يقف التقدم الملحوظ في مجال المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة عند ذلك، فهناك الكثير من التغييرات والفعاليات والأنشطة اليومية التي لم ترصدها التقارير، ونشهد انعكاساتها في حياتنا اليومية في الدول العربية والإسلامية، بفعل الجهود والضغوط الكبيرة التي تمت على مستوى العالم في العقود الثلاثة الماضية على وجه الخصوص، ومع ذلك فإن الأمم المتحدة ومن معها تسعى إلى إزالة الفروق الكاملة بين الجنسين، والتمكين الكامل للمرأة مناصفة مع الرجل في كافة المجالات والميادين، بل تسعى إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى إنهاء الازدواجية الجنسية من الأصل كما عبرت عن ذلك في أحد شعاراتها بقولها "دعونا نزيل أدوار الجنسين من الأساس"، مطلقة العديد من الشعارات الخطابية الرنانة التي تدغدغ العواطف وتلهب المشاعر، مثل "المساواة بين الجنسين لتحقيق الاستقرار الدولي في المستقبل"، و"تمكين المرأة تمكين للإنسانية".

فهل نصفق لهذا التقدم وهذه الإنجازات المتحققة، ونستعجل التحقيق الكامل للهدف من دون تفكير في الدوافع التي وراء ذلك والآثار المترتبة عليه؟ أم هي مقدمات مرعبة لواقع مأزوم يوشك أن ينفجر؟

يتبع.. (الأسس الفكرية ودوافعها)