علامة استفهام (32) | لماذا يخون المناضلون؟

(1)

على غير عادتي، أتابع روايتين في آنٍ واحد. يا لها من صدفة، روايتان تاريخيتان وثائقيتان، من عالمَيْن مختلفين، لكنهما يحملان نفس الداء. أعترف أني أحبُّ ذلك النوع من الروايات الذي يوجّه لي اللكمة تلو اللكمة، لا يتركني أستريح، يثير الأسئلة، والسؤال الأهم هنا صعبٌ ومؤلم، ولا أظن أنَّ هناك إجابة وافية.

(2)

قلت لنفسي: يا للهول، 700 صفحة، هذا عمل مرهق، أن تقرأ رواية طويلة إلى هذا الحد، لكن عندما باشرت القراءة عدلتُ عن رأيي، فكيف يمكن بالله لرواية أن تختصر تاريخ الاتحاد السوفياتي وتاريخ أوروبا وتاريخ كوبا، وتاريخ الحروب والمعاهدات والاتفاقات والتوافقات والصفقات والخيانات في أقل من ذلك؟

ثمَّ إنِّي اكتشفتُ أنَّ الرواية التي بيدي -وعنوانها "الرجل الذي كان يحب الكلاب"- عبارة عن 3 روايات، متوازية متداخلة، لكن بتواريخ مختلفة. فهي قصَّة من اغتيل وهو "لييف دافيدوفيتش تروتسكي"، وتبدأ من العام 1929، حين نُفِيَ من بلده، وقصَّة من اغتاله وهو "رامون ميركادير دل ريو"، وتبدأ من العام 1938، حين عُرضت عليه فكرة القيام بعمل يدخله التاريخ، وقصة الراوي وهو "إيبان كارديناس ماتويل"، التي بدأت حين التقى بالقاتل عام 1977 في أحد شواطئ كوبا صدفة ليستودعه سرَّه وقصته.

السؤال المهم، كيف يُعقل للذين يغامرون بحياتهم من أجل مُثُل عليا أن يخونوا بعضهم بعضا، بل يخونوا شعوبهم؟!

ومثل كل الروايات الوثائقية أو التاريخية -سمِّها ما شئت- هي مزيج من الحقيقة والخيال، من الأسماء والأحداث الحقيقية، المُغَلَّفة بالمعالجة الدراميَّة، لزوم أي عمل فني، وبما يُعَوِّض غياب المشهد والوثيقة، كما ذكر ذلك المؤلِّف نفسه.

إذن صدرت الرواية عام 2009، مبنيَّة بشكل أساسي على قصة اغتيال تروتسكي مؤسس الجيش الأحمر الروسي ومفوض الشعب الروسي للشؤون الخارجية، تلك الجريمة التي وقعت في المكسيك بتاريخ 20 أغسطس/آب 1940 على يد من أوفده نظام ستالين لذلك.

والمقصود بالرجل الذي كان يحب الكلاب هو القاتل: رامون ميركادير، وإن أوحت صورة تروتسكي مع كلابه المتصدرة غلاف الرواية بنسختها الإسبانيَّة، بأنَّه هو المقصود بالعنوان.

الحقيقة -وبعيدًا عن السياسة- فإن الحدث مثير للغاية، قاتل ينجح في اختراق الدائرة المحيطة بـالمجني عليه في منزله بمدينة مكسيكو سيتي، ويفاجئه بطعنة بملقط ثلج في رأسه، يحدث به ثقبًا عميقًا في جمجمة تروتسكي، حتى إنها تخترق مخه حتى منتصفه، إلا أن المجني عليه يتمكن من الإطاحة بمهاجمه أرضًا والسيطرة عليه ونزع ملقط الثلج من يده، ثم يسقط منهارًا.

وقد قضى الجاني 20 عاما في سجن مكسيكي، وفي الخمسينيات اكتشفت الشرطة المكسيكية هويته الحقيقية، واسمه الحقيقي، وما يفيد بأنه تلقى تدريبات على أيدي جهاز الأمن السوفياتي "كي جي بي".

وبعد قضائه عقوبة السجن يعود ليُستقبل استقبال الأبطال في موسكو، وهناك يتزوج من امرأة مكسيكية ستالينية الهوى، وهي التي كانت حلقة الوصل بينه وبين جهاز الأمن السوفياتي خلال فترة حبسه، ويعيش حتى أوائل السبعينيات من عمره في بناية فخمة تُطل على متنزه غوركي الشهير بموسكو، لكنه يقضى سنواته الأخيرة في كوبا التي مات فيها في العام 1978.

(3)

أنت لا تقرأ رواية بقدر ما تشاهد فيلمًا سينمائيًّا، ترى فيه الوقائع تتداعى أمام عينيك، وكأنها تفسر لك كيف تنهار القيم الرفيعة المُعلَنة لصالح انتقامات شخصيَّة، كيف تُخدع الشعوب برافعي الشعارات، وكيف تعلو سلطة الفرد، القائد الضرورة، الزعيم الأوحد، الحاكم المنتظر فوق كل السلطات، لكن الحقيقة ليس هذا ما أثارني فقط في هذه الرواية.

لقد اختلف الرفيقان لينين وتروتسكي، لكن اختلاف الأخير مع ستالين كان له مذاق الخيانة. من ناحية، فإن تروتسكي كان يرى ستالين مفتقرًا للذكاء السياسي والكاريزما، وستالين كان يرى تروتسكي مثالًا للمثقف المغرور، الذي لا يحد طموحاته سقف، لكن أهذا سبب كافٍ لأن يفعل الرفيق برفيقه ما فعل؟!

3 إذن من الزعماء الذين حاربوا الاستبداد القيصري، اختلفوا فيما بينهم، مات أحدهم، وأطاح الآخر برفيقه، طمعًا في السلطة، وضيقًا بالمعارضة، فهل نتعاطف مع تروتسكي ضد ستالين؛ لأن الأخير نفاه ثم قتله ثم مد انتقامه إلى عائلته نفيًا وسجنًا واغتيالًا، ونحن لا نعلم لو كانت السلطة قد وقعت في يد تروتسكي ماذا كان سيفعل بستالين.

السؤال المهم: كيف يُعقل للذين يغامرون بحياتهم من أجل مُثُل عليا أن يخونوا بعضهم بعضا، بل يخونوا شعوبهم؟!

(4)

ما زلنا في روسيا، ولكن مع الرواية الأخرى، والمتخاصمون هذه المرة ليسوا رفاقًا، ولكن إخوة.

"الحاج مراد"، هي آخر روايات تولستوي، وقد كُتبت عام 1904 ونُشرت بعد وفاته عام 1912، ويقال: إن هناك 10 مسودات قبل النسخة الأخيرة، هذا الروائي العظيم احتاج أن ينقح روايته 10 مرات قبل أن تُطل علينا، ويقال أيضا: إنه أمضى 8 سنوات من 1896 حتى 1904 في هذا الأمر على الرغم من أن وضعه الصحي كان متدهورًا، ويقال كذلك: إن هذا العمل أمدَّه بالحيوية في الفترة الأخيرة من حياته.

في مقدمة روايته يقول تولستوي: "خطرت لي قصة قوقازية قديمة كنتُ شاهدًا على جزء منها وسمعتُ جزءًا من شهود عيان، وتصوَّرت ما تبقى".

فهو -بحسب بعض المصادر- قد التقى بالحاج مراد في الواقع عام 1851 في أثناء تأدية تولستوي لخدمته العسكرية في القوقاز، وأورد ذلك في رسالة إلى شقيقه سيرغي كتب فيها أن مراد "كان أكثر القادة شجاعة وجرأة".

كانت الحرب مفروضة على الحاج مراد، كما كانت مفروضة على كل منطقة القوقاز كمقاومة ضرورية ضد روسيا القيصريَّة الساعية لاحتلال المنطقة في بدايات القرن التاسع عشر.

كان الإمام شامل من الشيشان هو أكثر القيادات شهرة، وكان الحاج مراد من داغستان نائبه، واستمرَّت المقاومة حوالي ربع قرن.

بعد شراكةٍ دامت طويلًا، وقع خلافٌ بين الإمام شامل والحاج مراد، غير معروف بالضبط أسباب هذا الخلاف، ربما أنَّ نجاحات الحاج مراد أثارت بعض الغَيْرة لدى قادة حول الإمام شامل، وربما قرار الأخير بتعيين ابنه خليفة له، أزعج الحاج مراد الذي كان يرى أنه أحق بذلك.

على كل حالٍ فقد تصاعد الخلاف بينهما، إلى الحد الذي دعا الإمام شامل إلى أن يصدر قرارًا يُجرِّد الحاج مراد من رتبته، واعتقال أسرته، ووضع ابنه في حفرة يزيد عمقها على 7 أقدام مع 4 مجرمين، وتوعَّد بتوزيع نسائه على القرى سبايا وبقتل ابنه أو بفقء عينيه إن لم يُسلِّم الحاج مراد نفسه طوعًا له.

لكنَّ الحاجَّ مراد اتخذ خطوة غاية في الغرابة، لقد قرر اللجوء إلى عدوهما أملًا في أن يمده هذا العدو بقوة يردع بها الإمام شامل وينقذ أسرته.

لكنَّ الروس لم يمنحوه ما أراد، واكتفوا بوضعه تحت أعينهم، فقرَّر الهرب، وتتبَّعه الجنود الروس الذين تمكنوا من قتله بطريقة بشعة، فبعد أن تمكنوا من إصابته بعدَّة رصاصات، قام "هاجي آغا" بقطع رأسه بيديه، وهو الذي كان قد انتقل إلى صف الروس بعد أن كان يومًا أخًا للحاج مراد في العهد وعاش معه في الجبال.

(5)

تحت راية الجهاد لمحاربة "روسيا الكافرة" قضيا حوالي ربع قرن، ثم دبت الخلافات بينهما، وكأنها كانت حول سلطة ونفوذ لم يتحقق، سلطة واهية.

أيهما خان الآخر: الإمام شامل حين استبعد الحاج مراد، وفضَّل ابنه عليه، أم الحاج مراد الذي انقلب على شامل وعلى الجهاد ولجأ إلى عدوهما "الكافر"، نكاية في خصمه وأملًا في إنقاذ أسرته؟ أي بشاعة تلك في التصورات والمفاهيم؟!

يُقتل الحاج مراد على يد من لجأ إليهم، ويستسلم الإمام شامل أو يقع في أسر عدوه، الاثنان خسرا المعركة.

كنت أتخيَّل أن نهاية أخرى كانا الاثنان أحق بها، أن ينتصرا مثلًا أو حتى يستشهدا.

(6)

"الكراهية واحدة من أعصى الأمراض على الشفاء".

"الجيل القديم الذي بدأنا معه طريق الثورة أزيل من المشهد. ما لم يفعله النفي وسجون القيصر، وما لم تفعله المنافي والحروب والأمراض، تمكَّن من فعله ستالين، السوط الأسوأ من بين سياط الثورة".

هذا ما ورد في الرواية الأولى.

سحقًا للخيانة.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة