عن لذة الكتابة المتمهلة!

(شترستوك)
(شترستوك)

الكتابة السردية كما أفهمها هي قرينة التمهّل، سواء أكان ذلك في مرحلة التقاط الأفكار وفحصها أم حتى لحظة تنفيذها على الورق، بل لعلّي أذهب أبعد لأقول إنّ التمهّل سيلج من بوابة الكتابة إلى حياة الكاتب نفسها وإلى الطريقة التي ينظر بها إلى العالم من حوله و يتعاطى معه.

تمهّل في التوصل إلى الفكرة الملائمة، وتمهّل آخر في طريقة تنفيذها والتدرج في حقن عناصرها على الورق شيئًا فشيئًا. وكم يحدث أن تكون الفكرة لامعة غير أنّ تعجّلًا ما يفقدها قيمتها لحظة التنفيذ فيهوي بها لتصبح عادية فاترة.

يهتم الكاتب بما يجري حوله من دون أن ينغمس فيه، يتابع تدفق الأحداث من دون أن ينجرف في إيقاعه الصاخب المتسارع، فداخله إيقاع آخر أكثر بطئًا وتمهلًا، ذلك لأنه ليس مدفوعا، أو هكذا ينبغي، بمطاردة الأفعال وارتداداتها بحثًا عن إشباع لا يتحقق، كما هو الحال في مواقع التواصل الاجتماعي مثلًا، حيث الغلبة للرائج والضاج، وإنما ينظر إليها بعين المتأمل الفاحص لسياقاتها.

لهذا فهو غالبًا لا يتورط في إطلاق أحكام متعجلة، بل ربما ليس معنيًا بذلك من الأساس بقدر رغبته في رؤية الصورة الأكبر لكل القطع المتشظية من حوله.

قد لا يرى القارئ أو يتاح له أن يرصد الطريقة التي ينظر بها الكاتب إلى العالم ويتفاعل معه، لكنّ شكل كتابته تعكس ذلك الأمر بجلاء؛ فالأفكار أنضجها التأمل، والتنفيذ يشي بحجم التمهل والصبر اللذين يقفان خلفه. ذلك لأنّ الكاتب يعي أو ينبغي له ذلك، أنه في سباق مع القارئ، لا يدع الأمور تفلت من بين يديه من تلقاء نفسها، بل يُفلتها في الوقت المناسب وقد استنفد طاقتها حتى الصفحة الأخيرة، وهي الصفحة نفسها التي يجب أن يصل إليها القارئ خفيفًا مبتهجًا برحلته.

هذا كله يصعب تحقيقه من دون تمهل واشتغال صبورين؛ تمهّل في التوصل إلى الفكرة الملائمة، وتمهّل آخر في طريقة تنفيذها والتدرج في حقن عناصرها على الورق شيئًا فشيئًا. وكم يحدث أن تكون الفكرة لامعة غير أنّ تعجّلًا ما يفقدها قيمتها لحظة التنفيذ فيهوي بها لتصبح عادية فاترة.

خطرت ببالي هذه الأفكار حين انتهيت من قراءة المجموعة القصصية "سقف مستعار"، للقاص محمد الراشدي الصادرة في نحو 90 صفحة عن دار "إي كتب" (E-Kutub) في لندن هذا العام. أحببتُ الكتاب فقصصه تقوم على المفارقة الناعمة لكن العميقة في الآن نفسه، والكاتب على قصر نصوصه يفعل ذلك بتمهل حصيف، وهو ما يحفظ للقصة إيقاعها المتصاعد حتى الذرى المدهشة. تبدأ الحكايات لدى الراشدي بهدوء مخاتل حتى يكاد الواحد يسأل: ثم ماذا؟

قبل أن يجد نفسه متورطا في حكاية منسوجة بإتقان أقرب إلى الفخ. لهذا ما إن يتقدم القارئ في الكتاب بحيله المتعددة حتى يتغيّر السؤال ليصبح: ماذا تخبئ لي هنا أيضًا؟ هذه التؤدة في الانتقال من العادي المقصود إلى الشاهق المقصود أيضًا ليست أمرًا يسيرًا، فالقارئ أمام وفرة الفخاخ سيشعر بالاستفزاز ليدخل في سباق مع الكاتب حتى يصل إلى تفكيك الحيلة قبل موعدها وهو ما يعني سقوط القصة في هذه الحالة، بيد أن الراشدي في ظني حافظ على طزاجة حيله أغلب الوقت. لكن المثير حقًّا أنّ هذا التحفّز من قبل الكاتب لإنجاز حبكته لم يفقد نصوصه متعتها بل ظلّت وفيّة لذلك في ظني.

أحببتُ كيف تصبح الأشياء العادية من حولنا مفتتحًا لحكايات جميلة، كزرّ النجمة في هواتفنا، والباركود، ومكيف الهواء، إلى آخر تلك الالتقاطات النابهة لصنع سرد لذيذ وذكي. يحكي الراشدي مثلا عن بطاقة الهوية وكيف أن بطله انتبه لطرفها الصقيل اللامع حين أدمى إصبعه، ومنذ ذلك الوقت وهو يستخدمها كسلاح يُشهره أمام الجميع جادًّا كان أم هازلًا. هذا التصوير البديع للشوفينية حين تغدو وهمًا نجابه به كل الخيبات الكبرى فنشعر أمامها بالرضا فقط لأن انتماء ما يضمن لنا علوًّا وفوقية متوهمة ومجانية على غيرنا. ولعل هذا المثال يوضح كيف أنّ قوة الحيلة لم تكن فقط في استخدام الأدوات السردية بل تعدّتها إلى المضامين، حين يبدو أنها منشغلة بحدث صغير لكنها تنفتح على موضوعات وهموم إنسانية كبرى. ولم يكن لكل ذلك أن يكتمل من دون لغة رشيقة سيلمحها القارئ حتمًا بجلاء ما إن يشرع في قراءة نصوص محمد الراشدي.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة