الحكَّاء (27) | الحرية تمرُّ أحيانًا.. بكعكة فراولة

إيمون دي فاليرا زعيم أيرلندا الذي كافح من أجل نيل الاستقلال ثم أصبح رئيسا لجمهوريتها (مواقع التواصل الإجتماعي)

(1)

عندما تهاجر لمن يكون ولاؤك: للبلد الذي ولدتَ فيه، أم للبلد الذي هاجرت إليه ورعاك؟ لمن يعود الفضل الذي عليك أن ترده: مسقط رأسك، أم موطن رعايتك ومستقبلك؟

(2)

لأب إسباني وأم أيرلندية يولد بطل حكايتنا "إيمون دي فاليريا" في نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1882، لكن سرعان ما يُتوفى والده، وتتعثر حياة والدته وتجد نفسها عاجزة عن تأدية ما عليها تجاه طفلها، فتضطر إلى إرساله إلى بلدها أيرلندا ليكون برعاية والدتها.

هناك يكبر إيمون ويقضي أحلى سنوات حياته مع جدته، التي تدفعه إلى ممارسة الرياضة في سنٍّ مبكرة، وتخلق بداخله حبًّا نحو أيرلندا، وبمرور السنوات يتشبع إيمون بهذا الحب تمامًا، ويصبح مواطنًا أيرلنديًّا، متخلِّيًا عن جنسيَّة مولده وجنسيَّة أبيه.

(3)

يعمل مُعلِّمًا، وينشط مع مُعَلِّمين آخرين يرغبون في إحياء اللغة الأيرلندية والحفاظ عليها ضد رغبة الاحتلال البريطاني الساعي إلى طمسها. يستمرُّون في فعل ذلك سواء بتدريسها للطلاب أو تشجيع المحيطين بهم على الاحتفاظ بها كلغة للحديث.

يتطوَّر مساره المهني، ويُعين في عام 1903 أستاذًا للرياضيات في كلية روكويل، وبعد أن يفوز بدرجته العلمية يصبح أستاذًا في الجامعة الملكية بأيرلندا.

في مشهد حزين، يبدؤون تسليم أنفسهم تباعًا إلى القوات البريطانية، إيمون هو آخرهم، تقتاده القوات البريطانيَّة و15 من رفاقه إلى سجن في بريطانيا، تمهيدًا لتنفيذ أحكام الإعدام بحقهم

(4)

يَمضي عقدٌ كامل، ثم يُقرِّر إيمون الانضمام إلى "المُتطوِّعين الأيرلنديين"، وهي مجموعة من السياسيِّين المطالبين بالاستقلال عن الإمبراطوريَّة البريطانيَّة، إلى أن يدرك أنَّ السياسة وحدها ليست كافية لتتحرَّر البلاد.

وهكذا يُقرِّر صاحبنا في عام 1916 الانضمام إلى الثورة الأيرلندية، ويلتحق بقواتها المقاتلة ضد الجيش البريطاني، تساعده بنيته الرياضية التي عمل على تكوينها طويلًا.

تقرر القيادة شن عملية للسيطرة على مبنى "بولند ميل"، وهو بمثابة إدارة ماليَّة لتسيير الشؤون الماليَّة والاقتصادية لعدة مدن وقطاعات داخل العاصمة دبلن، بما فيها المشروعات الحكومية والخدمية.

تُسند إليه مهمة قيادة إحدى المجموعات القتالية، لكن بعد أسبوع من المواجهة، تتمكن القوات البريطانية من حصار المبني بالكامل، ويجد صاحبنا نفسه ومن معه في مأزق حقيقي، بعد أن أوشكت الذخيرة على النفاد.

في مشهد حزين، يبدؤون في تسليم أنفسهم تباعًا إلى القوات البريطانية، إيمون هو آخرهم، تقتاده القوات البريطانيَّة و15 من رفاقه إلى سجن في بريطانيا، تمهيدًا لتنفيذ أحكام الإعدام بحقهم.

لقد انتهى أمر إيمون إذن، لكن ثَمَّة مفاجأة في الأمر، تنفذ الأحكام تباعًا في المقبوض عليهم، وعندما يحين دوره تتذكر السلطات أنه ولد في الولايات المتحدة الأميركيَّة، يُنقذه مهبط رأسه من براثن حكم الإعدام، لكنَّه يبقى في السجن عامًا كاملًا ويُطلق سراحه في يونيو/حزيران 1917.

(5)

هول ما وقع له لا يغير من موقفه، يقرر مواصلة النضال، وما إن تمر 3 أشهر حتى يختاره "المتطوعون الأيرلنديون" رئيسًا لحزب "شين فين"، ويُنتخب حاكمًا لمدينة كلير في شمال أيرلندا.

تستشعر بريطانيا الخطر من ترأُّسه لحزب سياسيٍّ يمتلك جناحًا عسكريًّا، فتلقي القبض عليه رفقة 72 سياسيًّا بعد حوالي عام من الإفراج عنه، ويُزَجُّ به في سجن لينكولن.

لم يكن اختيار هذا السجن صدفة، فهو قد شُيِّد قبل أن يدخله إيمون بـ46 عامًا، ولم ينجح أيٌّ من نزلائه في الهرب منه، ممَّا جعل الجميع يعتبره قلعة مُحَصَّنة لا يمكن الفرار منها.

(6)

يمرُّ عام آخر، يبدأ الحزب في اختيار مُرَشَّحيه الذين سيشاركون في مؤتمر باريس الذي نُظِّم من قبل الدول المنتصرة في الحرب العالميَّة الأولى، سعيًا للحصول على حق تقرير المصير.

إيمون من بينهم، لكن كيف يمكن ذلك وهو قيد الاعتقال؟

لا مفرَّ إذن من وضع خطة لتنفيذ أوَّل عملية هروب من تلك القلعة البريطانية المُحَصَّنة منذ إنشائها.

ولأن إيمون نشأ في عائلة كاثوليكيَّة، فقد بدأ في التردد على الكنيسة الموجودة في السجن، ليكتشف لاحقًا وجود كومة من المفاتيح مخبَّأة داخل أحد أركان الكنيسة.

أظهر إيمون ولاءً كبيرًا للقس، واستغلَّ ما عرف عنه من إهمال ليحصل على المفاتيح. يُفَكِّر ورفاقه في طبعها على قطعة من الشمع وإرسالها لرفاقهم في الخارج لصنع نسخة منها، لكن السؤال كيف سيخرج الشمع من السجن مع رسالة تُوَضِّح المطلوب، فالحُرَّاس يقرؤون كل الرسائل الواردة والصادرة عبر بوابات السجن.

(7)

يحل عيد الميلاد ووقت تبادل الهدايا وبطاقات المعايدة، يفكر إيمون في وضع قطعة الشمع داخل جورب صوف -وهو هدية معتادة في عيد الميلاد- ومعها بطاقة معايدة مرسوم عليها صورتان: أولاهما صورة لرجل يجلس داخل زنزانة، والثانية لرجل مخمور يمسك بمفتاح كبير شكله غريب، ويفشل في وضعه في الباب ومكتوب تحتها عيد ميلاد سعيد.

أثارت الرسالة شك وريبة الحراس، لكنهم لم يفهموا شيئًا من مضمونها، فعبرت بالفعل إلى حيث المكان المقرر لها، ولحسن الحظ أدرك رفاقه في الخارج ما يريده، وصنعوا مفتاحًا بالفعل، وأرسلوه داخل كعكة فراولة، لكن من قال: إن الحظ السعيد يُحالفك مرتين؟

المفتاح أصغر من المطلوب، هكذا يكتشف إيمون، فيرسل رسالة بكلام احتفالي مبهم ليشرح فيها أن المفتاح ليس مناسبًا وأنه يريد واحدًا أكبر.

يعاود رفاقه التجربة مجددًا، لكنهم هذه المرة يرسلون المفتاح ومعه أدوات تعديل صغيرة ليناسب المفتاح الحقيقي، وذلك داخل كعكة فراولة أخرى، ولحسن الحظ يفلح الأمر أخيرًا.

(8)

كان ذلك في 3 فبراير/شباط 1919، حين يخرج إيمون ورفيقان له ليجدوا الجنود مشغولين بممازحة بعض الفتيات عند مشفى قريب من بوابة السجن، فيتحركون بهدوء ودون أن يُحدثوا أي جلبة، وبعد مسافة ليست ببعيدة ستُقلُّهم سيارة أجرة كانت في انتظارهم، ويهربون من المقاطعة بأكملها، قبل أن تقلهم سيارة أخرى إلى بيت آمن في مدينة مانشستر البريطانية، ولاحقًا يعودون إلى أيرلندا.

وهكذا ينجحون في الهرب من أعتى السجون البريطانية وأشدها تحصينًا. يمر شهران، وينتخبه الأيرلنديون رئيسًا للمجلس التشريعي الحاكم في أبريل/نيسان 1919.

يواصل نضاله حتى تنال أيرلندا حريتها في عام 1922، ويصبح لمرتين رئيسًا للجمهورية، ولـ3 مرات رئيسًا للوزراء، ليُعَدَّ واحدًا من أهم السياسيين في تاريخ أيرلندا.

في عام 1975، يتوفى إيمون ويخرج في جنازته أكثر من 200 ألف مواطن، مودعين بطلًا من أبطال تحريرهم من الحكم البريطاني.

الشعوب لا تنسى أبدًا مناضليها.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة