كيف سيفتح أردوغان الطرق التي أغلقها الاتحاد الأوروبي في جزيرة قبرص؟

(وكالة الأناضول)
(وكالة الأناضول)

أحدثت زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى جمهورية شمال قبرص التركية في الشهر الماضي نتائج وردود أفعال هائلة، إذ إن القضية القبرصية لم يتم حلها إلى حد الآن، وهي تمثل نقطة خلاف جوهرية بين تركيا من جهة، واليونان التي يقف خلفها الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

ضمن هذه القضية المعقدة، هناك مشكل فرعي يتمثل في منطقة مرعش، التي تم غلقها منذ 37 عاما. تخضع مرعش لسيطرة الجانب التركي، إلا أن القبارصة الأتراك لم يتمكنوا من إعمارها في انتظار التوصل لاتفاق بشأنها، على اعتبار أن منطقة فاروشا بأكملها تحتاج لدراسة دقيقة قبل الوصول إلى اتفاق نهائي بشأنها.

ويرى الرئيس أردوغان أن الاتحاد الأوروبي هو المسؤول الأول عن حالة الجمود المستمرة منذ 37 عاما في القضية القبرصية. في حقيقة الأمر، فإن الجانب اليوناني في قبرص تم قبوله عضوا في الاتحاد الأوروبي، على الرغم من الخلاف القائم منذ مدة طويلة.

ولم تتردد حكومة هذا الجزء من الجزيرة، إلى جانب دولة اليونان، في استغلال علاقتهما مع الاتحاد الأوروبي لحشد الدعم في الصراع ضد تركيا. نتيجة لذلك، لم يعد الاتحاد وسيطا أو حكما بين الأطراف المتنازعة، بل أصبح يقف مع الجانب اليوناني ضد تركيا، وهو يحاول فرض حجج ومطالب القبارصة اليونانيين.

رغم انضمام الجزء اليوناني من قبرص إلى الاتحاد الأوروبي، واعتقاده بأنه كسب حليفا قويا وأصبح في غنى عن التفاوض، فإن تركيا لم تستسلم لهذا الوضع

هذا هو السبب الأساسي الذي جعل هذه المشكلة غير قابلة للحل إلى الآن، حيث إن الجانب اليوناني من قبرص يرفض الاتفاق على حل يضمن التعايش بين جانبي الجزيرة في كنف السلام والعدالة، بل يصر على اعتماد سياسة إنكار وجود الجانب التركي.

يشار إلى أن القبارصة الأتراك كانوا يواجهون قبل عام 1974 خطرا محدقا، ولا يمتلكون أي أسلحة للدفاع عن أنفسهم. وبعد تعرضهم لكافة أشكال الاضطهاد والتمييز والمجازر، قرر الجيش التركي الدخول للجزيرة من أجل حمايتهم من الإبادة الجماعية بشكل يشبه إلى حد كبير ما تعرض له شعب البوسنة وسكان قطاع غزة.

بعد هذه الحرب، بات واضحا أن التعايش بين المجموعتين العرقيتين لم يعد ممكنا، ورغم ذلك فإن الجانب التركي لم يغلق باب المصالحة والتفاوض داخل إطار الاتحاد الأوروبي وتحت رعاية الأمم المتحدة.

وقد وافق الطرفان على خطة السلام التي عرضها كوفي عنان ليتم الاستفتاء بشأنها عام 2004، وجاءت النتائج لتظهر موافقة الجانب التركي على هذا المقترح بنسبة 65%، في حين رفضه الجانب اليوناني بالنسبة ذاتها، وهذا يكشف بوضوح الجانب الذي يعرقل تسوية هذه القضية.

ورغم انضمام الجزء اليوناني من قبرص إلى الاتحاد الأوروبي، واعتقاده بأنه كسب حليفا قويا وأصبح في غنى عن التفاوض، فإن تركيا لم تستسلم لهذا الوضع. إذ إن الجزيرة يوجد فيها مسلمون أتراك لا يمكن تركهم بمفردهم كما كانت الحال قبل 1974. وقد دخلت هذه القضية في حالة جمود لمدة 17 عاما، أي منذ استفتاء 2004، إلا أن زيارة أردوغان الأخيرة للجزيرة مثلت نموذجا جديدا يعكس أسلوبه في إدارة الملفات السياسية الشائكة.

يتميز أردوغان بأخذ خطوات جريئة لإجبار الجميع على التعبير عن مواقفهم، عندما يرى أن المشاكل المزمنة لم يعد من الممكن حلها، وأن الجمود يضر ببلاده. هذا الأسلوب نفسه اعتمده أردوغان في حرب أذربيجان، وأثناء حصار قطر، وفي ليبيا والصومال.

هذه القرارات دائما ما تعرّض الرئيس التركي لانتقادات لاذعة، إلا أنه يدرك هذه المخاطر جيدا. فقد زار الجانب التركي من جزيرة قبرص خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، وذهب إلى منطقة مرعش خلال هطول أمطار كثيفة. وخلال العام الجاري، أعلن أنه سيزور مرعش، وأنه على استعداد لفتحها أمام جهود الإعمار.

ويبدو أن هذا الإعلان أجبر الجميع على تغيير مواقفهم، وإنهاء حالة الجمود في هذه القضية.

توالت ردود أفعال الاتحاد الأوروبي على زيارة الرئيس أردوغان لمنطقة مرعش، حيث عبّر مسؤول السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل عن قلقه الشديد من تصريحات أردوغان، ورئيس جمهورية شمال قبرص التركية إرسين تتار، واصفا الخطوة بأنها قرار أحادي الجانب وغير مقبول، يؤدي لتغيير وضع منطقة مرعش.

من جانبه، قال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب إن "المملكة المتحدة تشعر بقلق عميق من تصريحات أردوغان بشأن إعادة فتح وإعمار منطقة مرعش التي تشكل جزءا من منطقة فاروشا المغلقة".

كما ندد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بتغيير صبغة منطقة فاروشا في جزيرة قبرص، معتبرا أن هذه المبادرة تخالف القرارين الأمميين 550 و789، اللذين ينصان على أن الأمم المتحدة هي التي تشرف على منطقة فاروشا. في حين اعتبر وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس القرار التركي محاولة للإجهاز على كل الآمال في توحيد شطري الجزيرة.

كما أدلت الحكومة المصرية بدلوها في هذه القضية، وهو أمر مستغرب، إذ إنه من الطبيعي أن تعلّق اليونان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على هذه التطورات، ولكن من الصعب فهم سبب تدخل الجانب المصري، الذي عبّر عن قلقه تجاه الفتح الجزئي لمنطقة فاروشا وتغيير صبغتها، معتبرا أن ذلك يخالف قرارات مجلس الأمن الدولي.

هنا، تُطرح عدة أسئلة منها: لماذا تهتم مصر بهذه القضية؟ وما مصلحتها؟ والسؤال الثاني، كم من الوقت يجب أن نترك المشاكل معلّقة في انتظار الشرعية الدولية؟ في أذربيجان وسوريا والصومال، وبالطبع في فلسطين، يمكن أن نرى أن انتظار تدخل الأمم المتحدة يمثل إلى حد كبير انتظارا بلا نهاية، لذلك فإن تركيا كلما وجدت حلا لا تتردد في اتخاذ خطوات لتنفيذه.

إضافة إلى ذلك، فإن أردوغان واصل التعبير عن حسن نواياه من خلال تأكيد أن خطوة فتح منطقة مرعش للإعمار سوف تراعي قوانين كلا الجانبين، وستساهم في إيجاد حل للقضية وكسر الجمود المستمر منذ فترة طويلة. كخطوة ملموسة للتعبير عن حسن النوايا، أكدت أنقرة أنها سوف تتقاسم مع الشطر الجنوبي المياه التي تأتي من تركيا إلى شمال قبرص عبر البحر، للمساهمة في ترسيخ السلام وإيجاد حل في الجزيرة. وبكل تأكيد، لا فائدة من الجلوس وانتظار الأمم المتحدة إلى الأبد.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة