عن قائمة كتبنا المخبأة

(الجزيرة)

لا تكتمل لذة القراءة بظني إلا حين يخلص الواحد إلى قائمة من الكتب يعتبرها أجمل ما قرأ، فيخصّص لها رفًّا بارزا متباهيا في مكتبته، أو قد يساوره خوف فيدفع بها إلى رفّ داخلي مستتر، أو يذهب أبعد فيحفظها خارج مكتبته كلها إذا أراد حمايتها من الأيدي الفضولية والمتلصصة، وهي كثيرة بالطبع!

قد يحدث أن يسعى الواحد على خلاف المتوقع لأن يؤجل قراءة عمل آخر للكاتب نفسه، رغم توقه لذلك، فهو من جهة ما يزال تحت وقع الشعور الطاغي للكتاب الذي قرأه، ومن جهة أخرى يخشى ألا يكون الكتاب الجديد بالتأثير نفسه، فيشوّش عليه الحالة التي يعيشها مع كتابه الحالي.

وبقدر ما يحيط الواحد هذه المجموعة بكريم العناية وكأنها كنز مخبأ، بقدر ما يطيب له الحديث عنها كلما استطاع إلى ذلك سبيلا. إنها المتعة الخالصة حين يصدف ذكر أحد تلك العناوين أمامه، وقد تلمع عينه كالعشّاق، سواء أكان مستمعا أو متحدثا. وأذكر كيف أن صديقا وضع يده على جانب صدره الأيسر حين مرّ به ذكر أعمال الروائية المجرية أغوتا كريستوف، ولا ألومه بالطبع! ولعلّ القارئ من هؤلاء يذهب إلى كلّ كتاب جديد وفي داخله أمل بأن يحوي المقروء ما قد يرفعه ليكون عضوا جديدا في قائمة الكتب الأثيرة، ولكنه غالبا ما يعالج أيّ خيبة قرائية بالعودة إلى تلك القائمة ومعاودة قراءة أحد عناوينها بمتعة متجددة.

من شخص لآخر تتنوع الأسباب التي تحدّد شكل القائمة وطبيعتها، لكنها بالضرورة وفي آخر المطاف بالغة الذاتية، أيّ أنها لامست في الواحد شيئا ما يخصّه هو أكثر مما يخص الكتاب، كأن تكون أولى قراءاته، أو جاءت في وقت بعينه، أو أجابت عن سؤال ملحّ، أو بدّدت حيرة أو شعورا قاتما، أو خلّفتْ لذة لا تنسى. وقد يحدث الأمران معا، فيقع التعلّق بكتاب على جودته ما يشبه الإجماع، إضافة للجانب الذاتي فيه. ولا أعلم ما إذا كان ممكنا أن يطرأ تعديل على تلك القائمة، كأن يغادرها عنوان مع مرور الزمن ونضج الفرد أو تبدّل مزاجه ونظرته لنفسه وللحياة. تبدو الفكرة منطقية وواردة، لكنها من جهة أخرى تخدش علاقة الفرد بذاكرته، أو بنفسه التي يحنّ إليها في زمن مختلف.

وقد يحدث أن يسعى الواحد على خلاف المتوقع لأن يؤجل قراءة عمل آخر للكاتب نفسه، رغم توقه لذلك، فهو من جهة ما يزال تحت وقع الشعور الطاغي للكتاب الذي قرأه، ومن جهة أخرى يخشى ألا يكون الكتاب الجديد بالتأثير نفسه، فيشوّش عليه الحالة التي يعيشها مع كتابه الحالي.

حين أمرّ بقائمتي المفضلة تبرز، إلى جانب البقية، المتتالية القصصية "مدينة الحوائط اللانهائية" للمصري طارق إمام، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية في العام 2018 في نحو 260 صفحة. أحببت هذا الكتاب لأني لم أنس الشعور الذي رافقني أثناء قراءته من صفحته الأولى وحتى انتهى. كان مزيجا من متعة ودهشة وحتى حزن، حين تنبهتُ فجأة إلى أنّ لكل ذلك الجمال نهايةً، رغم أني كنت شحيحا في المرور على الصفحات وأنا أحاول امتصاص كل جملة فيها حتى آخرها لفرط ما كانت الكتابة صافية ذكية وعميقة. أتذكّر كيف كنتُ أغلق الكتاب كل مرة لأتأمل المكتوب وأتشرّبه، كيف كانت الحكايات تهزّني لجهة عبقريتها وحساسيتها العالية تجاه اللغة والمضمون. وهذه العادة، عادة إغلاق الكتاب والتوقف المتكرر عند محتواه تكاد تكون السمة الملازمة لكل الكتب التي تضمها قائمتي.

وأحببت الكتاب لأنّ دهشة بالغة أصابتني من قدرة طارق إمام على أن يكون بهذا السخاء الإبداعي على امتداد 260 صفحة حوت عشرات القصص القصيرة، وقد جرى الاعتياد على أن تتقلًص مساحات الفرادة، وأن يتناوب على النصوص عادة صعود يحمل أو يُغطّي على باقي هنّاتها. لكن الكتابة هنا كانت متدفقة للأعلى بلا توقف في معاكسة لكل المألوف. هي إذن من المرات الجميلة القليلة التي تحقّق فيها الوفرة القيمة الأعلى وليس الندرة وفق القانون المعروف.

وقد منحني هذا الكتاب، أسوة بما تفعله قائمة الكتب الأثيرة، فرصة وجود جواب دائم وجاهز لمن يبحث عندي عن كتاب جميل. أقول مدينة الحوائط اللانهائية بكل الثقة التي تكبر على الدوام حين ينضم محبّ جديد لهذا العمل بمجرد قراءته بناء على نصيحتي. لهذا غدت قناعتي أنّ كتاب طارق إمام هذا بقدر ما يحمل بعده الذاتي كتفسير لتعلّقي به، يشاطرني الكثير من القراء تلك المحبة وربما أزيد.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة