الدين والقبيلة والسلطان في رواية وليد سيف "النار والعنقاء"

(مواقع التواصل الاجتماعي)

من يقرأ مقدمة بن خلدون يتولّد عنده شعور غريب متعلق بما معنى أن يكون الإنسان عربيا؛ فالمقدمة تُشعر قارئها بالفخر والاعتزاز بالانتساب لثقافة عربية أخرجت من رحمها بعضا من أبهى المعاني وأكثرها دقة ورقة؛ فهي بالمقابل تشعره بأن الحضارة العربية بلغت ما يصطلح عليه ابن خلدون بـ"نقطة وقوف في تاريخ الأمم".

ولعل ما يذكي حماسة الكثير من الباحثين المهتمين بالماضي هو الرغبة القوية في فهم طبيعة هذه النقطة التي وقفت عندها المجتمعات العربية عاجزة عن تطوير ذاتها لمسايرة المجتمعات المتقدمة. فإذا كان المؤرخون يجتهدون لتوفير الوثائق والأدلة والحجج التي تجلي حقيقة ما وقع، وإذا كان المفكرون يحللون وقائع الماضي بغرض تفسير أسباب السقوط والأفول ثم تعيين سبل النهوض والانبعاث، فإن كُتّاب الرواية يعيدون كتابة التاريخ قصد الإتيان بسرديات جديدة تسعف في تمثل حقيقة الأحوال النفسية والبنية الشعورية التي لازمت مرحلة وقوف المجتمعات العربية عن صناعة التاريخ.

وتُمثّل رواية وليد سيف "النار والعنقاء" عملا أدبيا عظيما يجلي كيف يكون الأدب في أرقى مراتبه مستودعا للعواطف والأحاسيس التي اعتملت في مراحل تاريخية ماضية. فالوقوف عند هذه العواطف وهذه الأحاسيس يُمكِّن من فهم طبيعة المضايق والمآزق التي انجحرت فيها المجتمعات العربية لتستغلق عن العالم؛ بل العوالم الجديدة. يعتمد وليد سيف لغة عربية راقية ودقيقة تسعف في استبطان دواخل أهم الشخصيات التاريخية التي تصنع أحداث النار والعنقاء، وبفضل هذا الاستبطان ينكشف أمام القارئ كيف يصنع الإنسان السلطان ويصنع السلطان الإنسان.

يتساءل وليد سيف -على لسان امرأة إبراهيم بن ختكان الخراساني وهي تتوجس خيفة من تغير أحوال زوجها- "زوجي حقا هو زوجي؟ أعني…أحيانا أشعر بأنني مع رجل غريب لا أستطيع الاقتراب منه، وأكاد أقول: ليته بقي سراجا فقيرا وكان وديعا فتزوجته على تلك الحال. أهو السلطان يفعل هذا بالرجال يا أبت؟ أم أنه لا يصل إلى السلطان إلا رجال قدروا للبطش والقوة القاهرة؟". ثم يضيف -على لسان عبد الرحمن مؤسس دولة بني أمية في الأندلس- "هكذا حال السلطان، نصنعه ثم يصنعنا، وهو يلزمنا أن نفرق بين القلب والسيف".

بهذا الوقوف عند لحظات التدبر والتأمل في طبيعة العلاقة بين السلطان بوصفه مالكا للقوة ووصفه عاشقا، أو بين السلطان بوصفه قائدا مستبدا ووصفه إنسانا عاديا، يحيلنا وليد سيف على أهم المعضلات في التاريخ العربي. مع الغوص في عوالم شخوص الرواية الداخلية تتبدى لنا البنية الشعورية العميقة التي تتحكم في رسم ملامح العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فتجعل أمر السلطان لا يخرج عن أن يكون إما حاكما يحكم بالقوة أو محكوما يطمع في الحكم. فكل الدسائس والمكائد والمؤامرات والاغتيالات التي عرفها التاريخ تقترف إما للحفاظ على السلطة أو للظفر بها.

إن الأحداث التاريخية المسرودة -سواء في "النار والعنقاء" أو في أعمال أخرى لوليد سيف- تمثل محاولة لاستكشاف البنية الشعورية التي كانت وراء إنتاج ثقافة سياسية يكون بموجبها السلطان سلطانا مدى الحياة، ثقافة لا تقبل أي شكل من أشكال التداخل بين الحاكم والمحكوم. كل النقاشات الفكرية والحوارات بين أبطال "النار والعنقاء" تصب في ترسيخ صور ثقافة سياسية لا تسوّغ الجمع بين "انتقال السلطة" و "بقاء الحاكم على قيد الحياة". ونستفيد من قراءة الرواية حُكما راسخا من أحكام السلطان، مفاده أن "جلوس السلطان على العرش هو جلوس على جثة سلطان سبقه".

يتوفق وليد سيف بفضل أسلوبه الأدبي الرشيق ولغته الموحية في أن يستخلص من التفاصيل التاريخية أحكاما سلطانية ثابتة وقوانين للسلطة تتردد كلازمة في جميع أعماله الفنية. فقارئ وليد سيف لا يعدم أن يصادف القول العربي المأثور الذي يفيد بأن "السلطان من القصر إلى القبر"، هذا القول الذي يجلي كيف يصبح تعلق السلطان بالحياة مرهونا بتعلقه بالقوة والسلطة، ذلك أن فقدانه للقوة معناه فقدانه للحياة. فالسلطان بهذا الاعتبار لا يملك أن ينسحب من الحكم، بل هو سلطان أقوى منه يهزمه فيزيحه عن مكانته.

"الملك عقيم" هي عبارة أخرى تُستَخلص من أحداث تاريخية تبرز انشطار السلطان العاطفي بين مقتضيات غريزة البقاء في السلطة وعلى قيد الحياة، هذه الغريزة التي تملي عليه التخلص من أقرب الأقرباء إليه؛ وبين متانة الروابط الأسرية والوشائج القلبية وما تقتضيه من حرص على حياة الأقرباء وسلامتهم. فعبد الرحمن موحد الأندلس ومحيي دولة بني أمية فيها ومنقذ الأمويين من قبضة العباسيين لم يتردد ولم يرف له جفن وهو يأمر بقطع رأس بن أخيه.

يصف لنا وليد سيف عبد الرحمن وهو في حالة نفسية مرتبكة يحاول مقاومة الإحساس بالذنب، حيث يقول "كان قبل أن يبتلى بنعيم السلطان وجحيمه يتهم أصحاب الملك والسلطان، ويذكر قول العرب: "الملك عقيم" ويحسب القول تهمة، والآن يجده دفاعا لا اتهاما! نعم، الملك عقيم، ولا ينبغي له أن يكون غير ذلك، إذا كانت الغاية حفظ الدولة من أن يتنازعها أهل بيت السلطان، كأنها غنيمة حازتها العشيرة في بعض غاراتها، أو ضيعة أو حمى يتنازعون على ميراثه! دولة بني أمية في الأندلس؟ نعم، ولكنها دولة في المقام الأول، يحكمها رجل واحد منهم يعقبها لمن هو جدير بحفظها من ولده. فمن خرج عليها فهو العدو، سواء أكان رجلا من العامة أم رجلا من العشيرة الأقربين".

إن المرواني -أحد مستشاري عبد الرحمن من بني أمية- يعزو سقوط الدولة الأموية في المشرق إلى ما كان عليه بنو أمية من تسامح وتساهل مع أعدائهم ووضعهم الرحمة موضع البطش والحلم موضع الغِلاظة والثقة موضع سوء الظن. ويقول -في معرض تأكيده على ضرورة أن يكون السلطان عقيما- "هذا شأن السلطان، وربما كان هذا من قدر السلاطين الذي لا مفر منه، إما أنت وإما خصمك، ولا خيار بينهما إلا ترك السلطان على الجملة. فإن كان لا بد فابدأ بخصمك قبل أن يبادر إليك، وخذه بالظنة قبل اليقين، واقتل فرخ الأفعى في بيضه. وهذا ما لم يفعله قومنا بدعوة بني العباس بعد أن فشا خبرها. وهو الدرس الذي لا نستطيع الآن الإفادة منه بعد أن ذهب سلطاننا".

في "النار والعنقاء" وصف لتقلب أحوال عبد الرحمن من مرحلة الانفلات من بين يدي بني العباس، حيث يلوذ بالعامة والخدم، فيخبر معادنهم ويكتشف نبل طبائعهم وسمو أخلاقهم؛ إلى مرحلة الاحتجاب عنهم بعد الظفر بالسلطان. ويتعجب القارئ كيف يؤول به الأمر إلى الإقدام على إبعاد خادمه "بدر" من خدمته وتهميشه بعد كل ما بذله من جهود مضنية في خدمته وخدمة قضيته. ومع هذا الإبعاد وهذا التهميش تتبخر أحلام المسكين "بدر" في أن يذكر التاريخ اسمه إلى جانب اسم سيده ومولاه، فيقضي بقية عمره وحيدا، بعيدا عن القصر والمدينة، تمحي أمام عينيه كل نقاط الاستدلال والاسترشاد في هذا الكون فيلوذ بقبر زوجته يتأمله.

نكتشف في نهاية "النار والعنقاء" مخلوقين أنهكتهما الحياة بتعقيداتها؛ عبد الرحمن السلطان وخادمه بدر، اللذين يشي تحدثهما إلى بعضهما البعض عن نبرة ملؤها الشك والحيرة. يتساءل عبد الرحمن إن كان الظفر بالسلطان يستأهل الثمن الذي بذله من روحه وكل ما ناله من قطع للأرحام وفت للكبد. بعد أن خبر حال السلطان وكيف جرّدته القوة من أحاسيسه الإنسانية، أصبح أميل إلى نسيان ما فعله بنو العباس بهم، يرى في ما أقدموا عليه من قتل واغتيال أمرا طبيعيا تمليه شهوة السلطة.

صحيح أن السلطان والخادم افترقا إلى الأبد، حيث أن بدر رفض العودة للعيش بالقرب من سيده داخل القصر، مفضلا البقاء قرب قبر زوجته وفاء لذكراها. غير أن ما يوحد بينهما في نهاية المطاف هو نظرتهما للحياة وتصورهما للسلطان. إن نبرة الشك التي ترشح من كلام عبد الرحمن -وهو يضع تجربته موضع تساؤل- هي نبرة تشي باعتراف ضمني برجاحة رأي العامة في طالبي السلطان.

فقد سبق -وهما في رحلتهما إلى الأندلس وفي زحمة الأخطار المحذقة بهما- أن حدّث "بدر" سيده قائلا "هذه هي الدنيا على الحقيقة يا سيدي، لا تلك التي ألفتها داخل القصور.. ومع ذلك، هل هذا الرجل الدنيء أشد جشعا ممن كانوا يطلبون صلتكم من أكابر القوم، وعندهم من المال والضياع ما يغني ألوف المساكين؟ أم هو أشد ظلما من بعض الرؤساء وأهل القصور الذين اقتتلوا على الملك واستباحوا دماء الخلق؟ إلا أنها تسمّى حربا، ويخرج المنتصرون منها أبطالا. وكلهم يزعم أنه في جهاد، ويتأوّل كلام الله على حدّ غرضه. ثم يصيح كل فريق: لسنا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فكلهم في اعتبار نفسه من أهل الجنة، والآخر في اعتباره من أهل النار. فلا حول ولا قوة إلا بالله".

وحين كان عبد الرحمن يهرب من جنود بني العباس الذين كانوا على إثره، وجد مخبأ وملجأ عند بعض الفلاحين البسطاء الذين كانوا يجهلون كونه أميرا من أمراء بني أمية، فسمع أحد أبناء مجيره يقول "لا آسف على من مضى، ولا أفرح بمن أقبل. كلهم سواء… وليس المقتول بأحسن من القاتل، فإنه لو ظفر بعدوه لفعل به الشيء نفسه"، يقصد أن لا مفاضلة عنده بين بني أمية وبني العباس. ولما أراد أبوه أن يخفف من حدة كلامه، أصر الشاب على التمسك برأيه فأضاف "ليس هذا ما يدين به الملوك والسلاطين، وإن تسمّوا بالخلفاء… يحكمون بأهوائهم وأغراضهم ثم يقولون: حكم الله… وكلّ يؤوّل حكم الله على هواه… السلطان هو السلطان.. سواء أكان أمويّا أم عباسيّا، أو غير هؤلاء وأولئك".

ليست عناية كاتب النار والعنقاء بالماضي أكثر من عنايته بحاضر العالم العربي. إن نبرة عبد الرحمن المفعمة بالشك، ونظراته الصامتة المتأملة في خادمه "بدر" بعد انتهاء اللقاء بينهما، ثم شعوره بالهوة السحيقة التي صارت تفصل بينهما، وما ولّده صفير بدر من حنين غامض إلى ماضيهما المشترك؛ كلها أشياء تحمل معاني كبرى تذكرنا بالقطيعة الثابتة التي هي مكمن الداء في واقع العالم العربي.

على ضوء الثقافة السياسية الموروثة وبنية السلطة التي تعلق بها، لا نستغرب لماذا أخفقت كل مساعي النهوض التي ظل أصحابها في العالم العربي ينشدون استئناف الإقلاع الحضاري العربي من حيث توقف سلفهم في التاريخ. فلعل القطيعة بين السلطان والشعب هو ما يعيق ولوج المجتمعات العربية إلى مرحلة الحداثة والثقافة السياسية السائدة فيها. فأمام مداهمة الحداثة تحولت حياة هذه المجتمعات السياسية إلى مجرد محاولات للتوفيق بين مقتضيات الديمقراطية الغربية القائمة على ما يصطلح عليه وفق تعبير أبراهام لينكولن بـ"حكم الشعب، من طرف الشعب، لصالح الشعب"، وبين بُنى السلطة التقليدية التي تستمد شرعيتها من القبيلة والدين.

لا جدال في أن الدين بوصفه يمثل سلطة متعالية يقوم بدور كبير في التأليف بين الشعوب العربية ومدها بحس الانتماء والانتساب إلى هوية مشتركة. فالدين يفتح فضاء روحيا يسمح بانصهار القبائل والأقليات والأفراد، على اختلاف مشاربهم. لكن لا جدال كذلك في أن المجتمعات العربية لم تبلغ بعد مرحلة الحسم في العلاقة بين الديني والسياسي، أو تجسير الهوة السحيقة بين العقيدة الدينية والقانون الإنساني، الأمر الذي يصعب معه تدبير العلاقة بين من يملك السلطة ومن لا يملكها، بين الحقوق الدينية والسلطة المدنية. بهذا يصبح من الأهمية الكبيرة إعادة التفكير في العلاقة بين الدين والقبيلة والسلطة كشرط لتجديد الحياة السياسية في الوطن العربي وإمدادها بأفق جديد.

حين نقرأ "النار والعنقاء" نشعر بقوة الكلمات. فالرواية تشعر قراءها بمن هم ومن يكونون، وترسخ إحساسهم بالانتساب إلى تراث ثقافي يعترف بحقوق السلطان الدينية. وفي الوقت نفسه، تحرض هؤلاء القراء لتجاوز التجارب القديمة بغرض تفادي الوقوع في نفس الآفات التي وقع فيها أسلافهم. نشعر بخادم عبد الرحمن "بدر" وكأنه يبادر إلى التعبير عن وجه من أوجه الاعتراض، لا على شرعية السلطان الدينية أو القبلية، بل على تحوله إلى مستبد لا يشعر بوجود الآخرين، وهو الأمر الذي ينتهي به إلى تنفير خدّامه قبل أعدائه.

إن ما يطمع وليد سيف في إيصاله عبر استبطان عالم عبد الرحمن النفسي هو ذلك الوعي الدفين بضرورة مراجعة العلاقة بين القبيلة والدين والسلطة في التاريخ العربي، كشرط للانبعاث؛ وإلا فسوف تظل كل محاولات الإحياء والتغيير مجرد ثورات تحمل بذور فنائها في رحمها، ثورات تمكن من توسيع مساحة ظل السلطان في الأرض، دون أن تحرر الطاقات الإبداعية التي بإمكانها أن تزحزح المجتمعات العربية عن نقطة الوقوف التي تقف عندها، وتخرجها من عصور الانحطاط كما جسدتها خير تجسيد تجربة ملوك الطوائف بعد تجربة عبد الرحمن الداخل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.