ماذا تعني عودة طالبان إلى حدود آسيا الوسطى؟

تأجيل وصول وفد حركة طالبان إلى قاعدة بغرام العسكرية الأميركية
حسب خبراء فإن تفاقم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية جعل بعض الشباب يرون في طالبان مشروعا ناجحا (الجزيرة)

تتصاعد الأعمال القتالية في أفغانستان مع استمرار انسحاب قوات دول حلف الناتو من هناك، ولن يتوقف القتال طالما أن طالبان تحقق انتصارات عسكرية، والجيش الأفغاني غير قادر على إيقاف هذا التقدم الذي تحققه طالبان في ساحة المعركة، وتسيطر على المزيد من المناطق.

ومن جديد تتجه الأنظار نحو آسيا الوسطى (الجوار الأفغاني القريب) المعتادة على الصراع والنفوذ والتنافس بين روسيا والصين وأميركا والهند وباكستان وإيران وتركيا بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أنها اليوم أمام ظروف مختلفة.

استسلمت القوات الحكومية الأفغانية عمليا في الجزء الشمالي من البلاد مع انسحاب مئات الجنود إلى طاجيكستان وأوزبكستان في الأيام الأخيرة، وتراقب حكومات دول آسيا الوسطى القتال الآن بالقرب من حدودها، حيث اعتقدت تلك الحكومات أنه بينما يتم سحب آخر القوات الأجنبية من البلاد لا يزال لديها الوقت للنظر في سياساتها تجاه الجارة أفغانستان، ولكن يبدو أنها استنفدت ذلك.

قليلون هم الذين توقعوا النجاح السريع لطالبان في شمال أفغانستان، ومن أوائل أيار/مايو وحتى يومنا هذا وصل القتال بالفعل إلى الحدود الشمالية للبلاد، بل وجر آسيا الوسطى إلى الصراع، ويبدو أن هزيمة القوات الحكومية الأفغانية في مدينة شيرخان بندر في 22 يونيو/حزيران (هناك نقطة تفتيش حيوية على الحدود مع طاجيكستان) كانت صادمة لسلطات آسيا الوسطى كما كانت بالنسبة لـ134 جنديا أفغانيا فروا من هجوم طالبان إلى طاجيكستان.

ومما يزيد القلق حقيقة أن وزارة الخارجية الأوزبكية أكدت أن 53 جنديا أفغانيا مسلحا ومليشيات متحالفة معها قد فروا إلى البلاد في 23 يونيو/حزيران، ويتداول في طشقند أنه بعد استجواب السلطات الأوزبكية للجنود والمليشيات أعيدوا.

توجد 8 مقاطعات أفغانية على حدود الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى، من الغرب إلى الشرق، وهي: هرات، بادغيس، فارياب، جوزجان، بلخ، قندوز، تخار وبدخشان، وخلال طوال الفترة التي أعقبت وصول القوات الأميركية إلى أفغانستان في أواخر عام 2001 كانت هذه المقاطعات سلمية نسبيا، لذلك، فإن تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان المجاورة لم يكن لديها ما يدعو إلى القلق الشديد.

لكن منذ عام 2013 أصبحت قوات الأمن الأفغانية منخرطة بشكل متزايد في القتال ضد طالبان ومسلحين آخرين، وتحدث الأعمال العدائية في بعض الأحيان على الحدود مع تركمانستان وطاجيكستان، وتصل قذائف المدفعية العشوائية والقصف في بعض الأحيان إلى داخل مناطقهم.

وبينما تراقب طاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان هذه التطورات ترى حكوماتها أدلة على تراجع القوات الحكومية الأفغانية، وفي بعض الحالات نفدت ذخيرة قوات الأمن أو لم تتلق أي تعزيزات، وفي أوقات أخرى عقدت صفقات مع مقاتلي طالبان المتقدمين تاركة وراءها أسلحتها ومعداتها الأخرى مقابل ممر آمن.

يصعب الاعتقاد بأن القوات الحكومية الأفغانية ستكون قادرة على مواجهة طالبان في شمال أفغانستان لفترة طويلة، خاصة بعد 11 سبتمبر/أيلول المقبل عندما تغادر آخر القوات الأجنبية البلاد.

لقد أوضحت الحكومة في كابل بالفعل أنها تريد من الجماعات شبه العسكرية أن تلعب دورا ملموسا في القتال ضد طالبان، لكن هذا يطرح مشكلة قديمة لحكومتي طاجيكستان وأوزبكستان، ففي النصف الثاني من التسعينيات عندما كان مقاتلو طالبان يسيطرون على الأرض في معظم شمال أفغانستان دعمت أوزبكستان زعيم الحرب الأفغاني الأوزبكي عبد الرشيد دستم، ودعمت طاجيكستان القائد الطاجيكي العرق أحمد شاه مسعود.

واليوم، بعد أن أصبحت مواقع القوات الحكومية الأفغانية ضعيفة قد تكون هناك وحدات منفصلة في طشقند ودوشانبي تبحث عن وكلاء أفغان لحراسة حدود بلادها، ومخاوفها ربما لا تثير قلق طالبان بقدر ما تثير قلق الإسلاميين المتطرفين من طاجيكستان وأوزبكستان الذين يقاتلون في صفوف طالبان أو الجماعات المسلحة الأخرى.

والأهم من ذلك كله أنهم قلقون بشأن مواطنيهم الذين ينتمون إلى جماعات مثل الدولة الإسلامية في خراسان أو الجماعات المتطرفة في آسيا الوسطى التي تعمل الآن في أفغانستان، وحيث ينحدر معظم المسلحين من أصل طاجيكي هناك مجموعات يهيمن عليها الأوزبك، مثل اتحاد الجهاد الإسلامي، وكتيبة الإمام البخاري، وكتيبة التوحيد والجهاد، أو بقية اتباع الحركة الإسلامية في أوزبكستان.

حاولت وحدها تركمانستان دائما الابتعاد عن الصراعات الداخلية في أفغانستان، فهي التي تتبع سياسة رسمية للحياد.

ويرى خبراء أن تفاقم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية وتزايد نسبة الشباب الذين فقدوا أمل العثور على فرص عمل ومن ثم تكوين أسرة في هذه البلدان أديا لزيادة نسبة التوتر الاجتماعي والتطرف لدى بعض الشباب الذين باتوا يرون في طالبان مشروعا ناجحا، مما يعني أن محاولات تقليد طالبان ستزداد، وستكون هناك محاولات لإنشاء حركات مشابهة لطالبان في أوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان، مما سيخلق مشاكل كبيرة في المنطقة، وسيدفع إلى ازدياد الطلب على الوجود الأجنبي.

ومع استمرار تطور الوضع على الجانب الأفغاني من الحدود من المرجح أيضا أن تقوم حكومات طاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان بمراجعة الاتفاقيات الدفاعية والأمنية الثنائية والمتعددة الأطراف في حالة حدوث أي تغييرات.

ولا يستبعد تأسيس قاعدة عسكرية أميركية أو تابعة لحلف الناتو في إحدى جمهوريات آسيا الوسطى مثل أوزبكستان أو قرغيزستان أو حتى كازاخستان تحت مسمى "مركز تنسيق الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب"، لتكون نقطة وجود عسكري دائم للغرب في المنطقة.

يبقى القول إن خطط واشنطن للحفاظ على وجودها العسكري السياسي تتعارض مع مصالح موسكو وبكين في آسيا الوسطى، ولن تكون المنافسة سهلة في ظل قدرة الأميركيين على تقديم الموارد الأمنية وخلق فرص استثمارية.