الجدل حول نزار بنات.. الجمع بين أخلاقيات التعاطف وأخلاقيات العدالة

أثار مقتل الناشط الفلسطيني نزار بنات الجدل داخل فلسطين وخارجها، وذلك لسببين:

الأول: أنه من معارضي السلطة الفلسطينية وكثيرُ الانتقاد لها، وقد قُتل على أيدي قوات الأمن الفلسطينية بعد ضربه بطريقة وحشية، الأمر الذي دفع ممثلي الاتحاد الأوروبي إلى الدعوة لإجراء تحقيق مستقل بشأنه، كما دعا مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط تور وينسلاند إلى إجراء تحقيق قائلاً: إنه "يجب تقديم الجناة إلى العدالة".

الثاني: أنه عُرف بمواقفه المؤيدة لنظام الأسد ومليشيات إيران في المنطقة، حزب الله في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن، بل اعتبر المعركة واحدة من غزة إلى العراق مرورًا بلبنان وسوريا، وله تعليقات عديدة بهذا الشأن تشتمل على ألفاظ نابية -تتكرر في العديد من تعليقاته- يصطف فيها بشكل فجّ مع نظام الأسد ضد الثائرين عليه، وله مواقف عديدة أخرى سآتي لاحقًا على ذكرها.

فتحت هذه الحادثة الجدل مجددًا حول العلاقة بين السياسي والأخلاقي، وما إذا كان جلال الموت يجب أن يُسكِت أي مناقشة للمواقف السياسية التي تنطوي على سلوكيات غير أخلاقية، وحول أولوية الفلسطيني على غير الفلسطيني، وما إذا كانت "الفلسطينية" استثناءً يمكن أن يَجُبّ ما قبله أو ما صاحبه. فمن جهة، نعت حركة حماس -على سبيل المثال- "الشهيد المناضل نزار بنات"، ومن جهة أخرى استعاد سوريون كثيرون تعليقات ومواقف "بنات" من الثورة وعمليات التعذيب والقتل والقصف بالكيمياوي والتهجير التي تعرض لها السوريون على يد نظام الأسد.

فلسطينيًّا، اعتُبر نزار مناضلاً؛ فقد قُتل في مواجهة سلطة غاشمة وبطريقة وحشية، وهذا -فضلاً عن بشاعته- يهدد المعارضين الآخرين. ومن ثم فقد رأى فلسطينيون أن الأولوية هنا يجب أن تكون لمواجهة القاتل وهو السلطة الفلسطينية حصرًا، وعدم التفتيش عن مواقف المقتول من القضايا الأخرى؛ لأن مثل هذا التفتيش سيشتت الانتباه السياسي في معركتهم مع سلطة عباس أولاً، وربما يؤدي إلى تبرير ضمني لقتله، ومن ثم يخفف من حدة إدانة الجرم ثانيًا، بل لأجل هذا المنزع السياسي حرَص كثيرون على إضفاء صفة البطولة والنضال بل رُفعت إحدى اللافتات في جنازته تقول "إلى جنات الخلد"؛ إمعانًا في النقمة على سلطة عباس ربما.

من المنظور السياسي، يسوغ اعتبار مقتل معارض على يد سلطة محلية حدثًا مكتفيًا بذاته، ومن ثم فليس هو بحاجة إلى سياق أوسع لتقويمه؛ خصوصًا إذا ما كان الهدف المركزي هنا هو تحقيق مكسب سياسي وتأليب الناس ضد السلطة القمعية التي ارتكبت الجريمة، بالإضافة إلى مكسب أخلاقي أيضًا وهو ردع الجاني وحماية آخرين من مواجهة المصير نفسه.

سوريًّا، كان المقتول صاحب مواقف معادية للثورة والثوار وحقوقهم، وهو ما يجعل الموقف منه مربكًا؛ فمن جهة مات بسبب قمع ومعارضة سلطة محلية، ومن جهة أخرى كان يؤيد قمع سلطة خارجية لشعبها. فهو -داخليًّا- معارض للسلطة الفاسدة التي تقمعه، وهو -خارجيًّا- مؤيد للسلطة الفاسدة التي تقمع غيره.

هذا الالتباس والجدل الذي حفّ بالحادث، هو موضوع هذا المقال؛ فنحن أمام مثال لا يحظى فيه شخص المقتول بأي مزية أو خصوصية لذاته؛ إذ إن أهميته تأتي من خارجه إذ تحول إلى حدث عامّ، ومن الأسئلة التي يثيرها هذا الحدث العام وتفاعلاته، فلسنا أمام مناقشة وتقويم لسلوكيات المقتول الذي أفضى إلى ما قدم، بل أمام معالجة فكرية أخلاقية للجدل حوله وللأسئلة التي يثيرها الحدث نفسه، ومن هنا سنستعمل لفظ "المقتول" لتجاوز عملية التشخيص بذكر اسم العلم أولاً، وللإلحاح على بشاعة الجرم وأنه مات مقتولاً.

من تلك الأسئلة التي تواجهنا هنا: هل يمكن منح المقتول درجة الشهادة والنضال الحقوقي في ظل هذه الازدواجية بين فلسطينيته ومقابلاتها؟ هل يمكن الفصل هنا بين موقفه الفلسطيني وموقفه من غير الفلسطيني؛ رغم أن تأييده لنظام الأسد إنما يتأسس على مركزية الفلسطيني وهامشية ما عداه؛ بحجة الممانعة والمقاومة التي من شأنها أن تبرر كل شيء وأي شيء؟ هل يتحدد النضال على أسس قطرية أو على مبادئ عابرة للقطري؟ هل معارضة سلطة محلية وتأييد سلطة خارجية (من منظور سياسي داخلي وأيديولوجي) هو مجرد خلاف سياسي فقط؟

من المنظور السياسي، يسوغ اعتبار مقتل معارض على يد سلطة محلية حدثًا مكتفيًا بذاته، ومن ثم فليس هو بحاجة إلى سياق أوسع لتقويمه؛ خصوصًا إذا ما كان الهدف المركزي هنا هو تحقيق مكسب سياسي وتأليب الناس ضد السلطة القمعية التي ارتكبت الجريمة، بالإضافة إلى مكسب أخلاقي أيضًا وهو ردع الجاني وحماية آخرين من مواجهة المصير نفسه.

ولكن المنظور الأخلاقي مختلف، فهل يمكن الاكتفاء -فقط- بإدانة الجريمة الواقعة على المقتول من دون الالتفات إلى إعلان التبرؤ من مواقف وأفكار المقتول نفسه التي تتقاطع مع ممارسات السلطة التي راح هو نفسه ضحيتها؟ أليس من الضروري إبراز المسافة الفاصلة بين مواقف المقتول، وبين الإنكار على السلطة التي قتلته؛ لعدم الخلط بين الأمرين؟ وإذا افترضنا -جدلاً- أن هذا التمييز بين فعل المقتول وفعل السلطة ينطوي على تسويغٍ ما أو تفهم للجريمة، فهل يمكن القول: إن طمس مواقف المقتول (غير الفلسطينية) ينطوي أيضًا على تسويغ لها؟ وهل يمكن لأي من الموقفين (موقف المقتول من السلطة الفلسطينية وموقفه من نظام الأسد مثلاً) أن يمحو أحدهما الآخر؟

فرض المنظور السياسي على فلسطينيين كثيرين اعتبار المقتول "شهيد رأي"، بل من المفارقة أن بعض المواقع الإخبارية وصفته بأنه "ناشط حقوقي"، وفي هذا الإطار اعتُبر أن الموقف النقدي الذي اتخذه سوريون من المقتول يعكس منظورًا ضيقًا لا يرى العالم إلا من خلال قضيته. ولكن هذه الأوصاف والتفسيرات مضلِّلة؛ لأنها تقفز على حقيقة أن الموقف من المقتول لا يتأسس على اعتبارات سياسية أو قطرية كما يريد بعضهم أن يوهمنا؛ بل هو قائم على أساس أخلاقي، خصوصًا أننا نتحدث عن نظام متورط في جرائم ضد الإنسانية يصعب الفصل فيها بين السياسي والأخلاقي، بل إن السياسي هنا هو مطية ارتكاب تلك الجرائم الأخلاقية للحفاظ على ما سمي المقاومة.

وبعيدًا عن اللغة النابية التي دأب المقتول على استعمالها، فإن مواقفه ليست سياسية محضة، ولا قاصرة على سوريا فقط. إذ إن بعضها يحرّض على القتل؛ ففي سبتمبر/أيلول 2018 كتب أنه "مع استدراج أي فنان عربي يقيم حفلات في الكيان الصهيوني وفي الضفة وقتله"، وفي يوليو/تموز 2018 دعا سكان جبل العرب إلى قتل الأسرى والتمثيل بهم قائلاً: "حين تأسرون داعشيًّا لا تعدموه بالطرق التقليدية أو الطرق البشعة. اجعلوا امرأة تطلق النار عليه"، وفي يونيو/حزيران 2020 احتفى بالمُسيَّرات التي يطلقها الحوثيون من اليمن لقصف أراضي السعودية التي وصفها مرة بأنها كيان افتراضي وهمي.

وهو أيضًا يقع في التخوين ولا يرى حرجًا في اتهام أي مختلف سياسيًّا بالعمالة، وقد ناصب العداء منظماتٍ إغاثية إنسانية كجماعة ما عرف بـ"الخوذ البيضاء" التي وصفها في يوليو/تموز 2018 بأنها "أكبر مجموعة احترافية من القتلة والإعلاميين الاجتماعيين قامت إسرائيل بإخراجهم من سوريا وتصديرهم إلى الأردن"، واتهم الأردن كذلك بأنه "شريك في تهريب سفاحي الخوذ البيضاء". وفي أكتوبر/تشرين الأول 2018 كان العالم مشغولاً بجريمة قتل جمال خاشقجي، ولكنه كان مشغولاً بأن خاشقجي ليس "معارضًا سعوديًّا"، وأنه "ليس لديه أية أيديولوجيا حقوقية أو تحررية"، وفي فبراير/شباط 2021 استخف بمقتل لقمان سليم المعارض اللبناني لحزب الله، والذي اتُّهم الحزب بقتله، وقال عنه: "إن لقمان يكتب تفاهات سطحية بأسلوب فج"، مستنكرًا الاحتفاء به كما لو كان مفكرًا. وفي 2020 وصف الخليجيين بأنهم "أعراب"، في حين أثنى على شعب البحرين قائلاً: "ليسوا ككثير من جيرانهم قبائل أعراب جمعتهم الصدفة النفطية". وفي أبريل/نيسان 2018 احتفى بـ"الباصات الخضر وجنود سوريا الأبطال" الذين "يشحمون أسلحتهم بينما يصل عواؤكم للسماء على هاشتاغ إدلب تحترق".

بل إنه -وهو الفلسطيني- احتفى بتهجير اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك بدمشق بعد اقتحام نظام الأسد له في أبريل/نيسان 2018 وتطهيره ممن أسماهم "قوى التخلف والعمالة"، كما أنه احتفى في يوليو/تموز 2018 بالطيار السوري الذي تم إسقاط طائرته ووصفه بـ"الطيار الشهيد"؛ رغم أن مهمته كانت قذف البراميل المتفجرة على المدن والبلدات السورية.

نحن -إذن- أمام حالة مركبة وملتبسة، ولذلك لا يمكن اختزال الموقف النقدي من المقتول بأنه مجرد خلاف سياسي، كما أن المعطيات السابقة توضح أنه لم يكن لدى المقتول أي أيديولوجيا حقوقية، وهو الوصف الذي وصف به هو نفسه الشهيد خاشقجي! كذلك لا يمكن اختزال المسألة بأنها تعبر عن منظور سوريّ لا يرى العالم إلا من منظوره الخاص؛ رغم أن القضيتين الفلسطينية والسورية لا تعكسان منظورًا خاصًّا من الناحية الأخلاقية والمبدئية! وفي المقابل، لا يمكن غض الطرف عن ذلك كله والاكتفاء بإدانة القاتل، وهو سلطة خادمة للاحتلال الإسرائيلي.

سبق أن أوضحت في مقال سابق، أنه في الحالات الملتبسة لا محيد عن القراءة المركبة، بعيدًا عن هيمنة المنظور السياسي والقطري، سوريًّا كان أم فلسطينيًّا. فالفلسطينية وكذلك السورية وغيرها، لا تصلح أن تكون منظورًا أخلاقيًّا أو رؤية تفسيرية للعالم، ولا ينبغي الوقوع في فخ الصدام بين منظورين يحاول كل منهما أن يَظهر بصفته حالة استثنائية أو معيارًا للتقويم.

وفي القراءة المركبة نحن أمام عدة أوجه:

الأول: أن تسويغ القتل في هذه الحالة هو موقف غير أخلاقيّ؛ لأنه يختزل المسألة المركبة والملتبسة في أحد وجوهها فقط، فضلاً عن أن القاتل هنا لم يقتل المقتول لأجل مواقفه غير الفلسطينية، وإنما قتله خارج حكم القانون والعدالة، أي أن المقتول إنما قُتل لمصالح سلطوية مساوية لمصالح الأنظمة السلطوية التي دافع المقتول عنها، والتي إنما أُدين لأجلها، فلا يمكن أن يكون سببُ إدانته هو سببَ تسويغ قتله!

الثاني: أننا أمام مثل هذا الالتباس، لا يمكن منع الناس من التفكير بأن بعضهم قد يقع ضحية أفكاره التي ينادي بها لخصومه السياسيين المفتَرَضين (كما تدين تدان وبالكيل الذي تكيل تكال)؛ دون أن يُعفي ذلك سلطة عباس من مسؤوليتها في الجناية عليه، ودون أن يعني ذلك إدانة نقد المقتول لسلطة عباس؛ فنقدها عمل خيّر. ولكن القدريّ هنا لم نعرفه إلا بعد وقوعه، ويختلف عن التشريعي لجهة أن القدري حدثٌ وقع لا يمكن دفعه، ولكنه ينطوي على عبرة وعظة للأحياء، أما التشريعي فيفرض علينا محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة في هذه الحالة.

الثالث: أنّه يجب التمييز بين الحكم على الفعل -أي القتل خارج إطار القانون- والحكم على الشخص والحديث عن فضائله وطمس رذائله المتعلقة بشأن عام وحقوق آخرين. وهنا تجب إدانة فعل القتل الشديد الوضوح، في حين أن الحكم على الشخص لا يتأتى إلا من خلال جملة أفعاله ومواقفه التي يجب أن تحضر في عملية التقويم، ما يعني أننا أمام مستويين منفصلين. وإذا افترضنا لا أخلاقية المقتول، فإن ذلك لا يسوغ أي وجه من وجوه التفهم لقتله؛ لانفكاك الجهة بين المستويين. ثم إننا إنما ندافع هنا عن موقف مبدئي يفرض الاتساق والتعميم، ويأبى التشابه مع المقتول في أي وصف من أوصافه المدانة؛ لأن أي تشابه يُخل بالمبدأ الأخلاقي الذي ندافع عنه وندين المقتول لأجل الإخلال به. فالمبدئية هنا هي الأساس الضامن للحق العام، وألا يتكرر هذا -سواءٌ فعلُ السلطة أم فعل المقتول- مع أي شخص فينا، بمعنى أنها الضامن لمعايير قويمة قابلة للتعميم على جميع الأفراد؛ بما هم بشر بغض النظر عن كونهم في أنفسهم أخلاقيين أو غير أخلاقيين.

الرابع: الاستسلام لمنظور قطري محض سواءٌ كان فلسطينيًّا أم سوريًّا، من شأنه أن يجعل الأخلاقي تبعًا له، وهذا سيعني تراجع المبدأ الأخلاقي إلى حدود قومية وجغرافية وسياسية معينة، ومن ثم سيخلخل المبادئ الأخلاقية المؤسِّسة للقضايا التي ندافع عنها، سواء كانت فلسطينية أم سورية أو غيرهما، فإدانتنا لنظام الأسد وسلطة عباس إنما تتأسس على مبدأ أخلاقي واحد، تلتقي فيه مقاومة المحتل والمستبد معًا من منظور حقوقي.

وعلى هذا الأساس، ترجع الازدواجية لدى المقتول -الذي صدرت منه انتهاكات حقوقية وقانونية عديدة- إلى تحويل الأيديولوجيا السياسية إلى مصدر لتحديد ما هو أخلاقي؛ فالحقوق مطلوبة لمن تنطبق عليه معاييره الأيديولوجية فقط. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2018 كتب نزار بنات أن المعركة واحدة يخوضها "رجال الله في اليمن ورجال الله في غزة وفي سوريا والعراق ولبنان". ومن ثم بات الأخلاقي -لدى شريحة من الناس- مرهونًا بقضية فلسطين والعداء لإسرائيل حصرًا. ففي مايو/أيار 2019 وقّعت شخصيات فلسطينية عدة (كان من ضمنها بنات) بيانًا يَرِد فيه: "أنّ فلسطين ليست لعبة ذهنيّةً نتسلّى بها في أوقات فراغنا. إنّها اختبارنا الأخلاقيّ الذي به تتحدّد القيمة والدور لكلّ إنسان يضع الحرية تاجًا على رأسه". وهذه العبارة تحدد مصدر الإشكال في رأيي؛ إذ إن فلسطين ليست معيارًا أخلاقيًّا في ذاتها، وإنما تكتسب أخلاقيتها من المبادئ المؤسِّسة لقضايا التحرر من الاحتلال والاستبداد، وللحقوق والحريات، فلو اعتبرناها هي المعيار الأخلاقي فسنصطف مع نظام الأسد ومليشيات إيران وكل من يرفع لافتة فلسطين، لنجد أنفسنا بعد ذلك في مأزق أخلاقي كبير!

فهذه إحدى التشوهات التي أصابت القضية الفلسطينية وشريحة من اليسار العربي والعالمي ممن لا يزالون يؤيدون نظام الأسد في مواجهة ما يسمونه الإمبريالية، وعلى حساب دماء الشعب السوري رجالاً ونساء وأطفالاً، وبدماء الفلسطينيين أنفسهم قبل ذلك!

اعتبار أن فلسطين هي ذاتها المعيار الأخلاقي، هو الصيغة الأبرز لاستثنائية القضية الفلسطينية، وهي الفكرة التي سبق أن نقدتها من قبل؛ وتقود إلى أن كل القضايا الأخرى ثانوية أو يمكن التضحية بها لأجل ما هو استثنائي، من دون إدراك أن مثل هذه المواقف إنما تصدر عن مفهوم ضيق ومُتجاوَز للاستعمار؛ لأننا أمام مفهوم أوسع اليوم، وهو الاستعمار الداخلي الذي مثلته الأنظمة العسكرية الاستبدادية، والسلطة الفلسطينية الخادمة للاحتلال.

الخامس: أنه طُرحت ذرائع عدة لإسكات أي نقد أو تفتيش في آراء المقتول؛ رغم أنه هو بطل الحدث، ومن الطبيعي التفتيش عنه ومحاولة فهم مختلف أبعاد الحدث وشخوصه بلا انتقائية أو توجيه. من ذلك: ادعاءُ أن الذي كشف آراء المقتول هو السلطة الجانية لصرف الأنظار عن فعلتها، أو أن له عائلة يجب الكف عن كل ما يؤذيهم، أو أن الخوض في مواقفه السابقة يعني -ضمنيًّا- تسويغ قتله. وهي ذرائع تتجاهل أننا أمام حدث صار عامًّا ومركزيًّا في نشرات الأخبار، وأن المقتول ناشط، وأن مواقفه معلنة أصلاً، وأن المعبر الحقيقي عن الشخص اليوم هو صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت وهو أمر متاح للجميع. فلا يمكن لحدث صار عامًّا أن يتم التحكم به انتقائيًّا وفق مقاييس وحسابات سياسية ضيقة، خصوصًا أن المقتول كان ناشطًا في مسائل شأن عام وتمس عدة دول وشعوب. ومثل هذه الذرائع قد يساق من منطلق تحيزات شخصية (الصداقة) أو قطرية تؤمن بالحالة الاستثنائية، أو سياسية تريد أن تستثمر الحدث في تحقيق مكاسب سياسية محددة وتنحية ما يشوش عليها، وربما يكون ذلك لدفع أي محاولة لتسويغ عملية القتل وهذا الأخير غرض مشروع، ولكننا إنما نجادل في صلاحية هذه الذرائع لتحقيقه.

إن القراءة الأخلاقية لا تقف عند حدود الإمساك بأوجه الحدث المختلفة، والمستويات المتداخلة، وتجاوز القطري والأيديولوجي والأجندة السياسية المحلية، بل تتسع لتشمل تعقيدات الفعل الإنساني والانحياز لإنسانية الإنسان التي تدين جريمة السلطة الفلسطينية التي اعتدت على حرمة الإنسان؛ لمجرد أن له رأيًا مختلفًا، وتدين المواقف اللا إنسانية للمقتول الذي حرض على قتل آخرين لمجرد أن لهم منظورًا سياسيًّا مختلفًا، ولكنها في الوقت نفسه لا تتورط في الاحتفاء بمعاناة المقتول؛ لمجرد أنه كان يحتفي بمعاناة مقتولين ومهجرين آخرين.

هكذا تحاول هذه القراءة أن تجمع بين نوعين من الأخلاق:

الأول: أخلاقيات التعاطف (ethics of compassion) التي ترفض أي شكل من أشكال المعاناة الإنسانية، وتتمرد عليها على أسس إنسانية؛ لأن تسويغها لا يخل بالمبدئية ذات الصلة بأخلاق العدالة فقط، بل يخدش أيضًا إنسانية الإنسان، ويرفض المماثلة والتشبه بالمقتول الذي كان يحتفي بمعاناة الآخرين لأسباب أيديولوجية.

الثاني: أخلاقيات العدالة (ethics of justice) التي تصون المعايير الأخلاقية القويمة للأفعال، للحفاظ على الوضوح الأخلاقي، واستيفاء متطلبات الحكم الأخلاقي الشامل والمركب، وعدم طمس وجه لصالح وجه آخر، أو عدم إضفاء صفة النضال على أفعال غير مبدئية؛ لمجرد أنها وقعت على صورة تبدو أخلاقية من منظور خاص وانقسامي؛ فانتقاد سلطة عباس وتأييد نظام الأسد يخضعان للمبدأ نفسه لدى الممانِعين، وهو أن فلسطين هي المعيار الأخلاقي الذي يحدد لهم خياراتهم لا المبادئ الأخلاقية المؤسِّسة للقضية ولغيرها.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة