الدبلوماسية الشعبية أساس بناء القوة الناعمة للدول.. فمن شوّه صورتها؟

(رويترز)
(رويترز)

تردد مفهوم الدبلوماسية الشعبية خلال العقد الماضي في خطاب الكثير من السياسيين، لكن الهوة كانت شاسعة بين الحقيقة العلمية واستخدامهم للمفهوم؛ فلقد شوه السياسيون المفهوم وشكلوا صورة سلبية للدبلوماسية الشعبية ربما تؤدي إلى كراهية الشعوب لها.

ولقد تزايد الاهتمام في العالم كله بالدبلوماسية الشعبية نتيجة ثورة الاتصال، وتطور إمكانيات قيام المواطنين بدور مهم في الاتصال بالشعوب الأخرى لبناء الصورة الذهنية لدولتهم، وتحقيق أهداف سياستها الخارجية.

الخصومة مع العلم لا تقتصر على النظم الديكتاتورية، ولكنها أصبحت سمة عامة للعمل السياسي، حيث جذب مفهوم الدبلوماسية الشعبية مجموعة من السياسيين المصريين، فقاموا بتشكيل وفد أطلقوا عليه "وفد الدبلوماسية الشعبية" لزيارة دول حوض النيل، وتحديدا إثيوبيا وأوغندا.

وتعتبر الدبلوماسية الشعبية من أهم مجالات الدبلوماسية العامة، وهو علم تسهم علوم كثيرة في تطويره ليشكل أساسا لبناء العلاقات الدولية خلال القرن الـ21 بأساليب وأدوات جديدة تقوم على التفاهم والتعاون بين الشعوب لتحقيق أهداف طويلة المدى، وتبادل المعرفة وتجارب الكفاح، وبناء الصور الذهنية الإيجابية للشعوب.

ولقد ساهم الكثير من الباحثين والعلماء في تطوير هذا العلم بهدف زيادة القوة الناعمة للدول، والتي أصبحت تعتمد على الثقافة والصور الذهنية وتبادل المعرفة، والقيام بوظائف حضارية وأدوار إنسانية.

وهناك اتفاق بين الباحثين على أنها تتم بين الشعوب سواء عن طريق الاتصال المباشر أو عبر الإنترنت، وعلى أن الأفراد يتحملون المسؤولية في بناء علاقات دولتهم الخارجية؛ لذلك يطلق عليها دبلوماسية المواطن، فهي تتم بشكل غير رسمي، وهدفها الرئيس إدارة حوار مع المواطنين في الدول الأجنبية.

لكنهم شوّهوا صورتها

ويبدو أن الخصومة مع العلم لا تقتصر على النظم الديكتاتورية، ولكنها أصبحت سمة عامة للعمل السياسي، حيث جذب مفهوم الدبلوماسية الشعبية مجموعة من السياسيين المصريين، فقاموا بتشكيل وفد أطلقوا عليه "وفد الدبلوماسية الشعبية" لزيارة دول حوض النيل، وتحديدا إثيوبيا وأوغندا. فماذا فعل هذا الوفد؟

قبل أن نقدم إجابة عن ذلك السؤال لا بد أن نتعرف إلى التشكيل الغريب لهذا الوفد، وما إذا كان من الممكن أن يعتبر بذلك التشكيل دبلوماسية شعبية.

لقد ضم الوفد المصري 48 شخصية سياسية، منهم 3 مرشحين لرئاسة الجمهورية ورؤساء أحزاب سياسية مثل حزب الوفد والكرامة وابن رئيس الجمهورية السابق عبد الحكيم جمال عبد الناصر.

وقال أحد أعضاء الوفد إنه تم التنسيق مع وزارة الخارجية، وأن زيارة الوفد إلى إثيوبيا كانت بإيعاز منها، ورافق الوفد سفير إثيوبيا في القاهرة، والمتحدثة الرسمية بوزارة الخارجية الإثيوبية. فهل يمكن أن يقوم هذا الوفد بوظيفة الدبلوماسية الشعبية؟

إذا درسنا لقاءات الوفد سنكتشف أنها تمت مع مسؤولين رسميين مثل رئيس دولة إثيوبيا ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان، ولم تكن هناك أية اتصالات بالشعوب.

ما هدف الزيارة؟

يوضح ذلك أن أهداف الوفد لا تدخل في إطار الدبلوماسية الشعبية، ولا علاقة له بها، فهذه لقاءات رسمية، ولم تقدم للشعوب معرفة ولا تجارب إنسانية، ولم تسهم في بناء صورة مصر، ولم تعمل لبناء علاقات طويلة المدى مع الشعوب.

وبدراسة تغطية وسائل الإعلام لهذه الزيارة يمكن أن نكتشف أن كل ما كان الوفد يفعله هو الاستماع لكلمات المسؤولين الإثيوبيين التي تؤكد على عمق العلاقات مع مصر، حيث قال الرئيس الإثيوبي إن سد النهضة لن يلحق الضرر بمصر والسودان، بل يحقق الفائدة للدول الثلاث لمواجهة الفيضانات ومشكلة الطمي، وأن إثيوبيا سوف تستخدم السد لتوليد الكهرباء.

ولم يمتلك أحد من أعضاء الوفد الشجاعة لرفض بناء السد، أو التأكيد على حقوق مصر والسودان، وأهمية المحافظة على هذه الحقوق كأساس لبناء علاقات طويلة المدى بين الشعبين المصري والإثيوبي. فأين الدبلوماسية الشعبية؟!

وبدراسة كلمات المسؤولين الرسميين الإثيوبيين يتضح أنهم كانوا يحاولون بناء صورة إيجابية لدولتهم، والدعاية لمشروع السد، والحديث عن عمق العلاقة بين الكنيسة المصرية والإثيوبية.

فهل قدم الوفد فرصة للمسؤولين الإثيوبيين لبناء صورة دولتهم واستغلال اللقاء للدعاية وأنهم كانوا يفهمون الدبلوماسية الشعبية أكثر من الوفد المصري؟

أين العلانية؟

من أهم سمات الدبلوماسية الشعبية أنها دبلوماسية علنية تخاطب الجماهير، وتعمل لتبادل المعرفة وبناء الصور الذهنية، وكل أنشطتها متاحة لوسائل الإعلام وللنشر عبر الإنترنت. فهي ليست دبلوماسية رسمية سرية، ولا تهدف لعقد اتفاقيات أو معاهدات.

فلماذا لم يقم الوفد بتوفير المعلومات الكافية للجمهور المصري عن كل ما حدث في الزيارة؟ ولماذا لم يرافق الوفد صحفيون يقومون بتغطية الأحداث؟ وما نتائج مراجعة وزارة الخارجية المصرية للتقرير الذي قدمه لها الوفد عن الزيارة؟ ولماذا لم ينشر التقرير أو تقييم وزارة الخارجية له؟

هذه أسئلة مهمة يمكن أن توضح الإجابة عنها حقيقة وصف الوفد لنفسه بأنه دبلوماسية شعبية.

هل هناك اتفاق؟

نشرت جريدة الأهرام في 29 مايو/أيار 2013 أن الوفد الذي أطلق على نفسه زورا وبهتانا "الدبلوماسية الشعبية" نجح في عقد اتفاق مع رئيس الحكومة الإثيوبية ملس زيناوي، وأن أهم بنود هذا الاتفاق تأجيل الأزمة بألا تقوم إثيوبيا باتخاذ أية إجراءات تجاه تنفيذ المشروع قبل وجود رئيس منتخب، وأن تلتزم الحكومة المصرية بتوفير مهندسين للمساعدة في بناء السد، وأنه لن يتم بناء السد إلا بعد صدور تقرير مشترك من المهندسين المصريين والإثيوبيين بعدم تأثيره على نسبة مصر من المياه، وأن تتولى مصر عن طريق رجال أعمال مصريين شراء الأراضي المحيطة بالسد واستصلاحها من خلال عمالة مصرية.

هل يمكن أن تكون هذه المعلومات صحيحة؟! إن هذه المعلومات نشرتها جريدة الأهرام التي تسيطر عليها الحكومة التي أشارت أيضا إلى أن الوفد عقد بعد عودته اجتماعا مع عصام شرف رئيس الحكومة في ذلك الوقت.

وقال موقع الإمارات اليوم في 12 مايو/أيار 2011 إن الوفد نجح في تأجيل التوقيع على اتفاقية المياه الجديدة التي تسمح لدول حوض النيل بإقامة سدود تؤثر في حصة مصر من المياه.

إن كل ذلك ينفي صفة الدبلوماسية الشعبية عن هذا الوفد، فهو يقوم بالتفاوض مع مسؤولين رسميين، ويخفي معلومات سير تلك المفاوضات عن الشعب، وما حدث فيها.

وقد وصف عضو الوفد مصطفى الجندي قرار رئيس وزراء إثيوبيا -بتعليق التوقيع على الاتفاقية الإطارية إلى أن يتم انتخاب برلمان ورئيس لمصر- بأنه أعظم إنجاز لرحلة الدبلوماسية الشعبية، وأضاف أن قرار زيناوي بقبول زيارة وفد فني مصري لسد "الألفية " الإثيوبي يؤكد حسن نية إثيوبيا.

لكن من الذي اقترح اسم النهضة؟

حتى زيارة ذلك الوفد كانت إثيوبيا تطلق على مشروعها اسم "سد الألفية"، لكنها فجأة بعد زيارته أطلقت عليه اسم "النهضة"، فهل تم ذلك لإرضاء ذلك الوفد؟ وما أهداف إطلاق تلك التسمية عليه؟ ولماذا وافقت إثيوبيا على تغيير الاسم؟ وهل وافق هذا الوفد على إنشاء السد؟

من الواضح أن إثيوبيا استقبلت الوفد بحفاوة وكرم لا يجوزان في حالة الدبلوماسية الشعبية، ولقد وجهت وسائل إعلام سلطوية الاتهام لهذ الوفد بأنه وافق على بناء السد، لكن ألم يفكر أحد من أعضاء الوفد في أنه يمكن توجيه الاتهام له يوما ما؟ ولذلك كان يجب عليه أن يحتفظ بالوثائق ويعلنها في الوقت المناسب ويدافع عن نفسه في حال اتهامه.

إن الوفد يضم أعضاء لهم تجربة طويلة في العمل السياسي ومنهم رؤساء أحزاب تنافس للوصول إلى الحكم؛ ولذلك ألم يفكر أحد منهم في أن يشترط لنفسه أن تكون كل اللقاءات علنية ومفتوحة لوسائل الإعلام وأن يتم التحدث عن كل أعمال الوفد؟

إن تلك القصة توضح حاجة الدول لصحافة حرة تقوم بالبحث عن الحقائق، وتوفر المعرفة للجمهور، وتحذر المجتمع من الأخطار التي تهدد وجوده.

ومن البداية كان يجب أن تستطلع الصحافة آراء علماء السياسة والإعلام حول سؤال؛ هل تعتبر الأنشطة التي قام بها الوفد من أعمال الدبلوماسية الشعبية؟ وأن تقوم بإجراء تحقيقات صحفية حول الدبلوماسية الشعبية، وعلاقة هذا الوفد بما توصل له في اتفاقية المبادئ التي عقدت بعد ذلك.

تعد الدبلوماسية العامة بكل مجالاتها -ومن أهمها الدبلوماسية الشعبية- علم يجب أن تعمل الدول على تأهيل كوادرها بدراسته في الجامعات لاستخدامه في بناء قوتها الناعمة، وإقامة علاقات طويلة المدى مع الشعوب. وإن قصة ذلك الوفد توضح خطورة الجهل واستخدام مفاهيم علمية في وصف أعمال لا علاقة لها بالعلم أو السياسة أو الدبلوماسية الشعبية.

وإن الذي يريد أن يتقدم للقيادة وأن يعمل بالسياسة لا بد أن يتعلم في الجامعات؛ فالجهل يجلب على الدول الكوارث ويدفعها للهلاك، وهناك مثل شعبي يمكن تعديله ليتناسب مع الواقع ليكون "الجاهل عندما يتغرب أو يتأمرك أو يتفلسف يجلب لأهله مصيبة".

إن الدبلوماسية العامة علم له أصوله ومفاهيمه ونظرياته، وليس بالجهل تبنى القوة الناعمة للدول.

 

 

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة