كيف سيضيع النيل من مصر بهندسة القانون وترسانة التشريعات؟

معبد فيلة على نهر النيل (شترستوك)
معبد فيلة على نهر النيل (شترستوك)

كشفت الفاجعة التي ينتظرها نهر النيل بعد أن أصبح سد النهضة الإثيوبي أمرا واقعا عن النتائج الوخيمة والكارثية للاستبداد الذي طالما تغنى الغربيون بقدرته على جلب الاستقرار، مع تجرئه المبالغ فيه على القمع، فلم يجلب إلا المعاناة والفقر والتهديد بالإبادة والموت.

فهدف الرئيس عبد الفتاح السيسي قائد انقلاب صيف 2013 لم يكن إغلاق الثغرات التي يمكن من خلالها أن تعود الثورات أو الهبّات الجماهيرية -منظمة أو عشوائية- بعد أن أفشلها ومزقها فحسب.

لكنه أسس لدكتاتورية تعسفية بمرتكزات غاية في الثبات والعمق قائمة على هيكل عسكري صلد مهيمن تماما على كل الأوضاع بشكل يتناقض في المجمل مع السلطوية الناعمة في عهد مبارك.

ترسانة القوانين هذه بـ"غثها ومعيبها" مررها البرلمان -الذي تمت هندسته بحراسة الأجهزة السيادية كهدف معلن لدعم دولة السيسي، لا مراجعتها ولا مراقبتها ولا مساءلتها- "في جلسة واحدة!"

وذلك بدعم وإمداد وتخطيط إقليمي ورعاية غربية، وصفر مشكلات خارجية، وباستثناءات غير مؤثرة.

الذي أستطيع أن أقوله إنه لولا مشكلة سد النهضة لما عانى نظام السيسي من أزمة وجودية حقيقية، وربما نجح مسعاه في تأسيس حكم عسكري عائلي ممتد على غرار الأسر الفرعونية الغابرة.

ومن ضمن المسارات المهمة التي أمّن بها الفرعون حكمه التسلطي وفرض من خلالها القدسية على مشيئته جانب التشريع، فقبل أن يجر قائد الجيش الأسبق المحكمة الدستورية من ثيابها طوعا ويورطها في أحداث 3 يوليو/تموز وظفها العسكر في صراعهم مع الثورة، لتحكم ببطلان برلمان 2012، كما كان عامان قضاهما السيسي وسلفه الرئيس عدلي منصور في الحكم بدون برلمان كافيين لإصدار وتمرير مئات القوانين، والتي وصلت إلى 433 قانونا حتى 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2015.

ترسانة القوانين هذه بـ"غثها ومعيبها" مررها البرلمان -الذي تمت هندسته بحراسة الأجهزة السيادية كهدف معلن لدعم دولة السيسي، لا مراجعتها ولا مراقبتها ولا مساءلتها- "في جلسة واحدة!".

والواضح أن هذه القوانين لم تكن تهدف لاستعادة قواعد النظام السلطوي بقدر أنها كانت تمهد الأرض لصناعة الفرعون بالصورة البشعة التي بدا عليها في ما بعد، وتضع الأساس لدكتاتورية قمعية مروعة بشكل مستديم.

لم تعد القوانين في تلك الدولة شديدة المركزية أدوات سياسية لإدارة المجتمع، بل أصبحت سياطا لجلد كل فئاته، ومغارات وأقبية سوداء للترويع والتعذيب والاختفاءات القسرية والسجن المطول لسنوات، والغرامات الباهظة.

وباتت إستراتيجية النظام إطلاق موجة قمع واسعة النطاق ترتدي حلة قانونية وقضائية، وتسويغ سلوكياتها بسرديات تآمرية وشعبوية.

وسبق أن أكدت في تصريح لمجلة "ميديا بارت" (Mediapart) الفرنسية في 26 يناير/كانون الثاني الماضي أن النظام استحدث نظاما قضائيا موازيا من أجل تقنين القمع الشديد "وأن القضاة الأكثر قمعية وانحيازا للنظام تم اختيارهم لتشكيل المحاكم الخاصة المكلفة رسميا بمكافحة الإرهاب، لكنها تهدف في الواقع إلى خنق النقد".

وبحسب تقرير سابق لـ"كوميتي فور جستس" (Committee for Justice)، فإن الاستخدام الواسع والمنهجي للتعذيب المدمر لا يمكن أن يتم بمعزل عن توجيهات من رأس السلطة السياسية وتحت أعين الحكومة على نحو يضمن حماية الجناة من المساءلة، خاصة عندما يكون ضحايا التعذيب من المعارضين السياسيين.

والمحصلة أن تكتيكات الترويع والترهيب -التي استخدمت بدعم من التشريعات القانونية، ومعها وحشية الشرطة الممنهجة لحرمان المواطنين من حريات التعبير، والسرديات الشعبوية (دينية ووطنية) لرفع الجنرال الحاكم إلى مرتبة المُخلِّص، وإقرار المعاهدات دون رقيب أو حسيب- أغلقت الفضاء العام وقهرت الشعب وكممت صوته ومررت العديد من الاتفاقيات المخزية، منها التوقيع على اتفاقية إعلان المبادئ في 2015 وكأن النهر بلا شعب.

وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه الشعب من برلمانه أن يتصدى لاتفاقية المبادئ التي ضيعت حقوقه في مياه النيل وينسحب منها كان نوابه يتحركون في مسار صناعة المشكلات وتصدير الأزمات عن طريق إقرار العديد من القوانين والتشريعات المثيرة للجدل، والذي كان أحدها تعديل قانون المحكمة الدستورية رقم 48 لسنة 1979 والذي يفرض حصانة شكلية ربما بنوع من البلطجة لصالح الدولة المصرية في مواجهة الخارج.

ويهدف إلى منح المحكمة حق الرقابة القضائية على دستورية قرارات المنظمات والهيئات الدولية، وأحكام المحاكم وهيئات التحكيم الأجنبية المطلوب تنفيذها في مواجهة الدولة المصرية، والحكم بعدم الاعتداد بمثل هذه القرارات أو بالالتزامات المترتبة على تنفيذها.

ويستهدف التعديل قطع الطريق على أي حكم ضد مصر أو قرار ملزم لها بأداء مستحقات أو تعويضات مالية أو أدبية، أو الالتزام بنصوص معينة من معاهدات دولية، أو توقيع عقوبات تتطلب رفع الضرر الواقع على أشخاص أو أطراف أو جهات.

بعض المصادر تحدثت عن تخوف الحكومة من صدور أحكام وقرارات تنفيذية عن منظمات دولية ودول أجنبية على خلفية بعض الدعاوى القضائية المرفوعة ضد النظام وبعض قياداته بصفتهم وأشخاصهم في الوقت الحالي.

المؤيدون للقانون رأوا أنه يحصّن الأمن القومي المصري ويحميه في مواجهة الخارج، أما المعارضون -الذين لا يتجاوزون بضعة نواب- فرأوا أنه "يمس سمعة مصر في الخارج، ولن يقتنع به أحد هناك"، وحذروا من الحجز على الممتلكات المصرية خارج البلاد.

أما القانون الآخر فيمس الداخل المهلهل، ويدفع في طريق المزيد من الاستقطاب، وصناعة الكراهية التي لم تتوقف لحظة منذ 2013، ويفرض تمييزا عنصريا جديدا، إذ يسمح بطرد موظفي الدولة المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ممن نجوا من القتل المنظم في المجازر أو الاختفاءات القسرية أو مقصلة المحاكم والسجون، لينتهي بهم المصير إلى التشريد المقنن.

وقياسا على ما سبق على مدار 8 سنوات، فكل معارضي النظام إخوان حتى لو كانوا أقباطا أو لا دينيين.

اللافت هنا أن وزير النقل (المدلل) الفريق كامل الوزير-الذي فشل في أداء مهام منصبه- وضع القانون في ملعب البرلمان، وصدّر للإخوان المسلمين مسؤولية إخفاقاته المتكررة وأزماته ومشكلاته وسقوط الضحايا في مرفق النقل، ليضرب عصفورين بحجر واحد.

ورغم تمريره بصورة نهائية فإن قانون "الفصل بغير الطريق التأديبي" يصطدم مع أحكام الدستور الذي نص على "عدم التمييز بين المواطنين أمام القانون بسبب الانتماء السياسي أو لأي سبب آخر".

كما يصطدم توقيع السيسي أيضا على اتفاقية المبادئ في 2015 أو على اتفاقية غاز شرق المتوسط، أو التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، أو عمليات التسليح المفرطة أو الاستدانة بلا حساب بضوابط واستشارات والتزامات وقواعد وقوانين وقيود تجاهلها عن عمد، ليورط بلاده وشعبه في أزمات لا تحصى، فالقضية هذه المرة ترتبط بقصة حياة أو موت.

ما يجب الإشارة إليه هو توقيت مثل هذه التعديلات، وهل سيكون التشريع الأول وسيلة للسيسي أو نظامه للتملص من اتفاقية إعلان المبادئ؟ أم أنها مجرد مصادفة بحتة، وفكرة عشوائية وضعت في الفراغ بلا صدى أو تأثير، وأنه مريض بالكِبر، ولا يملك الشجاعة للاعتراف بالخطأ ومن ثم التراجع عنه.

أما التشريع الثاني -الذي جاء في وقت يُفترض فيه الاصطفاف من أجل قضية وجودية- ففضل فيه السيسي ونظامه استمرار السير على طريق الاستئصال والتضييق، ربما لمنع المسيسين من مجرد التفكير في جمع شتات أنفسهم مجددا في هذا الظرف الطارئ، أو لأنه -كدكتاتور متسلط- لم تعد في جعبته أي بضاعة سوى القمع الذي بالتأكيد سيلقى رواجا في المستقبل وما يحمله من نُذر اضطرابات.

إن إضفاء المشروعية على الممارسات السلطوية القمعية والتعسفية المستندة إلى أفكار الحاكم الفرد وحاشيته من جنرالات المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية دون اعتبار لمبادئ حكم القانون وقيم العدالة لن يجلب الاستقرار ولن يفرض استدامته.

والجميع يدرك أنه لولا الشيكات على بياض (داخليا وخارجيا) وإطلاق يد السيسي في التشريع -الذي كسر العمود الفقري للشعب ومنحه أريحية في التوقيع على الاتفاقيات دون دراسة أو رقابة أو خوف من مساءلة- لما تجرأ على التفريط في مياه النيل، ووضع حياة 100 مليون شخص على المحك في مهب الريح.

من المؤكد أيضا أن نذر عدم الاستقرار التي تطل برأسها ستُسقط مزاعم الاستقرار والوسطية والتسامح التي طالما تحجج بها المستبدون، وستدلل على خطأ الغرب في الاستمرار بضخ الأموال في نموذج فاشل، فلا هو نجح أخلاقيا ولا حفظ مصالحه الإستراتيجية، وستكون التهديدات وحدة الانفجار في حال نقص مياه النيل أكبر مما يتحمله العالم الذي ستترنح أبوابه وتهوي أمام موجات هجرة عشوائية غير مسبوقة، وسيدفع الجميع حينها ضريبة مضاعفة.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة