لماذا قد يخذل الفنان القضايا العادلة؟

(غيتي إيميجز)
(غيتي إيميجز)

لطالما أثارت مواقف بعض المبدعين من القضايا العادلة لغطاً وحيرة عند جمهورهم ومحبي فنهم، حين تبدو مخالفة للمتوقع بانحيازها للنقيض مثلا، أو حتى فتورها قياساً لحجم ما يحدث. ولعل القضية الفلسطينية وما تمر به تصلح لتكون المثال الأوضح على هذا الإرباك. لكن لماذا قد تأتي المواقف مغايرة للمنتج الإبداعي الذي يصبّ عادة لصالح الحق والجمال والخير؟ ثمة إجابات على هذا السؤال، لكنها تبقى برأيي محض اجتهاد لفهم دوافع الفنان في اتخاذ موقف سلبي من القضايا العادلة.

ينبغي ابتداء الفصل بين المنتج الإبداعي وبين صاحبه، بين نزوع العمل إلى قيم الخير والجمال والسمو من جهة، وبين محركات ودوافع من كان وراءه. ذلك أنه يصعب الجزم أنّ ما بعثته اللوحة أو الكتاب أو المعزوفة من مشاعر في نفوس المتلقين هي نفسها التي استشعرها المبدع وهو ينجز عمله. قد تكون مختلفة، أو تكون أقل أو أكثر. هذا يعني أنّ نوع العاطفة أو مقدارها الذي وصل إلى الجمهور قد يكون مغايراً بطريقة أو بأخرى، فلا يعود الجميع إذن في الصفحة نفسها من الفهم والإدراك والشعور.

لا يتعرّف المبدع على عمله في صورته النهائية عادة، إلا بعد الفراغ منه تماما، فهو يُجرّب وفق تصوّر مبدئي ويتنقل داخله من فكرة لأخرى حتى يستقر عند الانتهاء، وهنا يغدو متلقياً لعمله أسوة بالجمهور.

كما يصعب الجزم أيضاً ما إذا كان المبدع قد امتلك شعوراً سامياً بالأساس وهو ينفّذ مادته، ذلك لأنّ ثمة من يُتقن صنعته الإبداعية دون حاجة أو اضطرار للتماهي معها عاطفياً. أي بإمكان نص ما أن يلامس شغاف الجمهور ويستولي على أرواحهم فقط لأنّ الكاتب يعرف كيف يفعل ذلك وليس لأنه سبقهم إلى الشعور نفسه. وهنا أجد هذه الفكرة تصطدم بعنف مع الفكرة الحالمة التي ما فتئت تتناقلها الألسن والكتابات من أنه لا يصل إلى القلب إلا ما كتب من القلب. وهنا أقتبس من كتاب "مشكلة الفن" للمفكر الدكتور زكريا إبراهيم حيث يقول "ألا تدلنا التجربة على أنّ الفن ليس تعبيراً عن انفعالات الفنان بقدر ما هو براعة خاصة في إثارة مثل هذه الانفعالات لدى الآخرين، عن طريق بعض الوسائل المصطنعة المحكمة.. كثير من علماء الجمال أوضحوا لنا أنه ليس يكفي أن يكون الفنان مشبوب العاطفة حتى تجيء أعماله الفنية عامرة بالشخصية والأصالة والجدة. فليس الفن مجرد عاطفة بل هو صنعة ومهارة".

ثم إنّ هناك فكرة أخرى لكن غير بعيدة عن سابقتها؛ إذ لا يتعرّف المبدع على عمله في صورته النهائية عادة، إلا بعد الفراغ منه تماما، فهو يُجرّب وفق تصوّر مبدئي ويتنقل داخله من فكرة لأخرى حتى يستقر عند الانتهاء، وهنا يغدو متلقياً لعمله أسوة بالجمهور. وتماما مثلهم، يتلقّى وفق تجاربه وخبراته ومعارفه وقيمه. وبهذا قد يخذله تلقيه في امتصاص ما في العمل من روافع الخير والجمال فلا تسمو نفسه ويظل حبيس روحه القاصرة في قيمها. خاصة إذا علمنا أنّ كل واحد منا يمر بمراحل في اشتباكه مع المنتج الفني؛ فهو يشعر بلذة عقلية عند التعرف على المنتج، ثم يمر إلى لذة المشاركة الوجدانية مع مبدع العمل، ويعبر أخيراً إلى لذة التعاطف مع الموجودات التي يُصوّرها المبدع في عمله. والناس يتفاوتون في درجة ترقيها في هذه المراتب وفقا لما يملكونه داخلهم وليس دائما وفقا ما يستبطنه العمل من قوة محركة. والمبدع حين يغدو متلقيا ليس استثناء من كل ذلك.

أخيراً، ثمة تفسير آخر لحالة الانكفاء التي يمر بها المبدع إزاء القضايا العادلة، ألا وهو نفوره من الانخراط وسط الجموع. إنه يرى نفسه دوما محركا للجموع وليس واحداً منهم، هو صاحب إشارة البدء وليس متلقيها. يجرحه ألا يبدو مختلفاً وبارزا حتى وهو يشترك مع الناس في فكرة نبيلة. لهذا ربما يحاول بعض المبدعين أن يساهموا في حالة التضامن الحاشدة لكن بطريقة تُبقيهم خارجها، مرئيين ومنعزلين بمنتجهم المختلف. وأجدني مضطراً هنا لإيراد فكرة فرويد عن الفنانين، فهو يعتبرهم نرجسيين، أي لم يكتمل نضجهم النفسي وبقيت لديهم بعض سمات الطفولة!



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة