نظرات وعبرات | هل يضيّع الفلسطينيون الفرصة الذهبية؟

(رويترز)
(رويترز)

10 أيام مرّت على اتفاق الهدنة غير المشروطة بين المقاومة الفلسطينية في غزة والكيان الصهيوني، ولم نشهد حتى الآن أي حراك فلسطيني-فلسطيني لاستثمار نتائج معركة سيف القدس، والتوافق على مشروع سياسي جديد قادر على إيجاد حل نهائي وعادل للقضية الفلسطينية يضع حدًّا لمعاناة الشعب الفلسطيني ويحقق تطلعاتهم وآمالهم. هذا التأخير يضيّع الفرصة الذهبية المتاحة حاليًّا للتخلص من حلّ الدولتين وفرض حلّ الدولة الواحدة على الكيان الصهيوني والدول الداعمة له. فهل تعجّل القوى الفلسطينية الخطى باتجاه هذا الحل حتى لا تذهب التضحيات هدرًا، وتدور دورة المواجهة من جديد دون جدوى حقيقية؟

 

من الأهمية بمكان امتلاك المقاومة الفلسطينية القوة العسكرية وتطويرها وتعزيزها باستمرار، ولكن هذه القوة العسكرية ليست لذاتها، بل لمصلحة دعم مشروع سياسي تتبنّاه القوى الفلسطينية في الداخل والخارج لحل القضية الفلسطينية، مشروع يكون قابلًا للتحقيق في مدى زمني محدد، وقادرًا على إيقاف معاناة الشعب الفلسطيني وتحقيق آماله وتطلعاته، وهذا لا يتحقق في السياق الراهن إلا في حل الدولة الواحدة.

كنت أتوقع أن تكون الأيام العشرة السابقة لا تقلّ أهمية عن أيام المواجهة مع الكيان الصهيوني في معركة القدس، كنت أتوقع أن تكون حافلة بالحراك الفلسطيني-الفلسطيني داخليًّا وخارجيًّا، في تصعيد غير عادي للانتفاضة داخل فلسطين وخارجها، ضد الاحتلال وضد السلطة الفلسطينية وضد اتفاقيات الذل والإذعان وضد الانقسام، ولكنّ شيئًا من هذا لم يحدث! فهل هناك تحضيرات لذلك أم أن الواقع الحزبي والفصائلي للقوى الفلسطينية وارتباطاتها الداخلية والخارجية يحول دون ذلك؟

معركة سيف القدس من زاوية أخرى

تحدثنا في المقالين السابقين عن جوانب اختلاف معركة القدس عن غيرها من المواجهات التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في المرات السابقة، وتناولنا دلالات ذلك، والنتائج المترتبة عليه، وقد عاش الشارع الفلسطيني بخاصة والعربي والإسلامي عموما في معظم دول العالم أيامًا حافلة بالعواطف الجياشة والانفعالات الحارة اعتزازًا بما حققته معركة القدس، حتى إن بعضهم صار حاله كأنه قاب قوسين أو أدنى من أبواب القدس، وأن سقوط الكيان الصهيوني وزوال دولته على الأبواب، وأن أيامه أصبحت معدودة، وأن العالم سيدير ظهره له ويتركه يواجه مصيره مع جحافل المقاومة الغاضبة دون أن يأسى عليه، وقد استلهم الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي في ذلك العديد من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وتوقعات بعض القادة والمفكرين، وما صاحب المعركة من تعاطف دولي شعبي ونخبوي كبير مع الشعب الفلسطيني وقضيته، ما عزز إحساسه بقرب نهاية دولة الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين. وربما كان للشعب الفلسطيني بخاصة والشعوب العربية والإسلامية شيء من العذر في هذه المشاعر والانفعالات التي واكبت لحظات انتصار جزئية استثنائية عابرة لطالما غيّبتها عنهم أنظمة الحكم المستبدة المهزومة. ومع ذلك فإن هذا ينبغي ألا ينسينا جملة من الحقائق المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الصهيوني، وفي مقدمتها:

  • أن نشأة الكيان الصهيوني في أصلها كانت نشأة استعمارية غربية، وأن الدور الوظيفي لهذا الكيان ما زال قائمًا لمصلحة الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وأنها لن تتخلى عنه، ولا عن الدور الذي يقوم به لمصلحتها.
  • أن الكيان الصهيوني لا يحسب حسابًا لأي قرارات تصدر عن المؤسسات الدولية، ولم ينفذ منها شيئًا حتى الآن، وأن الفيتو الأميركي يمثّل حماية متواصلة له ضد أي قرار.
  • أن الترسانة العسكرية للكيان الصهيوني تتفوق على الدول العربية مجتمعة، وأن ما تملكه المقاومة الفلسطينية لا يذكر أمام هذه الترسانة.
  • أن الكيان الصهيوني قادر على اجتياح قطاع غزة، وتدميره، وإجبار المقاومة الفلسطينية على الخروج من أنفاقها ومغادرة قطاع غزة، دون أن يعترضه أحد لا على المستوى العربي ولا الإسلامي ولا الدولي بأكثر من الإدانة واللوم والاستنكار.
  • أن الكيان الصهيوني أوقف الهجوم على قطاع غزة دون شروط، لأسباب سياسية داخلية، وليس بسبب هزيمته العسكرية -كما يسميها البعض- تحت وابل صواريخ المقاومة الفلسطينية، بغض النظر عن هذه الأسباب السياسية.
  • أن رأس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على وجه الخصوص مطلوب منذ سنوات عدة للسلطة الفلسطينية (مع الأسف الشديد)، ولعدد من الدول العربية والغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وأن هذه الدول تبذل جهودًا كبيرة من تحت الطاولة ومن فوقها، للتخلص من "حماس" بأي ثمن.

هذه الأسباب وغيرها لا ينبغي أن تغيب عن البال عند التعامل مع نتائج المواجهات المسلحة مع الكيان الصهيوني، حتى لا نذهب بعيدًا في فهمنا لطبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني، ودور المقاومة الفلسطينية في هذا الصراع.

وأن يخلو من أي إجراءات رخوة أو مراوِغة أو إسعافية أو غير واقعية، فإن ذلك سيجعل المشروع مجرد وسيلة لإطالة أمد الصراع وزيادة جولات الحرب، واستمرار معاناة الشعب الفلسطيني.

القضية الفلسطينية بين السياسي والعسكري

امتلاك القوة شيء، وهيمنة القوة شيء آخر، امتلاك القوة شيء وإدارة القوة شيء آخر. انهار الاتحاد السوفياتي وهو الدولة الثانية كبرا في العالم، ويمتلك من القوة ما يكفي لتدمير الكرة الأرضية مرات عدة، وامتلك هتلر القوة، ولكنه انهزم شرّ هزيمة أمام الحلفاء لأنه كان يحمل مشروعًا مستحيلًا، وامتلك الرئيس المصري أنور السادات القوة وحقق انتصارًا جزئيًّا على الكيان الصهيوني عام 1973م انتهى باتفاقية سلام معه أدخلت المنطقة العربية في دوامة من الفوضى لم تخرج منها حتى اليوم، وامتلكت الصين القوة ولكنها تحارب خصومها اقتصاديًّا وصناعيًّا، وخسرت اليابان القوة العسكرية ولكنها تفوقت اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا، وكسبت الأغلبية السوداء المعركة في جنوب أفريقيا وتحررت من نظام الفصل العنصري ذي الأقلية البيضاء دون قوة عسكرية، ولكن بالإرادة والتصميم والرؤية الواضحة المحددة.. أمثلة كثيرة توضح لنا أهمية امتلاك القوة العسكرية لتأمين الكيانات السياسية وشعبها وحماية قراراتها وخططها التنموية والتقدمية، ولكنها ليست الضامن المطلق للنصر والاستقرار، وأما هيمنة القوة وغلبتها، أو سوء إدارتها والتصرف بها، فإنه يجلب الويلات، ويطغى على الرؤية السياسية ومشروعاتها.

من الأهمية بمكان امتلاك المقاومة الفلسطينية القوة العسكرية وتطويرها وتعزيزها باستمرار، ولكن هذه القوة العسكرية ليست لذاتها، بل لمصلحة دعم مشروع سياسي تتبنّاه القوى الفلسطينية في الداخل والخارج لحل القضية الفلسطينية، مشروع يكون قابلًا للتحقيق في مدى زمني محدد، وقادرًا على إيقاف معاناة الشعب الفلسطيني وتحقيق آماله وتطلعاته، وهذا لا يتحقق في السياق الراهن إلا في حل الدولة الواحدة.

ومن المثير للاستغراب أن نجد الشعب الفلسطيني الذي يعدّ من أكثر شعوب العالم تعلّمًا وخبرة وأقساها تجربة، أن نجده وقيادته السياسية يسيرون حتى اليوم في خضم معاناتهم دون مشروع سياسي، وأن نجد القوة العسكرية والأمنية هي المسيطرة على المشهد، والمتحكمة في سير الأحداث وتحديد المواقف، بدلًا من أن ترجع خطوة إلى الوراء، وتتخندق في مواقعها على أهبة الاستعداد.

الفرصة الذهبية

ذكرت في مقالي السابق أن القضية الفلسطينية عرفت 3 مشروعات سياسية للحل، مشروع الدولة الواحدة المرفوض غربيًّا وصهيونيًّا، ومشروع الدولتين المستحيل، ومشروع التحرير الشامل لكامل فلسطين وهو الأكثر استحالة، وأؤكد في هذا المقال ما ذهبت إليه من أن النتائج التي أسفرت عنها معركة سيف القدس أتاحت فرصة ذهبية للشعب الفلسطيني وقيادته لتبنّي حل الدولة الواحد، والتخلي عن جميع الحلول الأخرى، ولكن المخيب للآمال بعد أن انطلقت الجولات السياسية بين واشنطن والكيان الصهيوني والقاهرة ورام الله وغزة لتثبيت وقف إطلاق النار وتمديد الهدنة، وإعمار ما دمره الكيان الصهيوني في قطاع غزة، أن نرى الأحداث تسير متتابعة لتعيد دورتها السابقة التي مرّت علينا في الأعوام 2008م و2012م و2014م، وأن نجد القيادة الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة تتنقلان بين الحل المستحيل والحل الأكثر استحالة.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة