الإسلاميون وأزمة السلطة بعد عقد من الربيع العربي (١)

مظاهرات بالسودان.. تدعو لإتمام بناء المؤسسات وتحقيق أهداف الثورة
(الجزيرة)

في السجن -عندما كان متاحا- كنت أقدم برنامجا على نظارة الزنزانة الانفرادية بعنوان "تخاريف"، أحاول أن أطرح فيه بعض الأفكار الجديدة التي تهز القناعات المستقرة عند قطاع من المسجونين الذين تنوعوا من محبس لآخر.

وفي إحدى المرات تحدثت عن إعادة تفكير الحركات والأحزاب الإسلامية في السياسة من خلال خبرة الربيع العربي، ومما قلته وقتها أن هناك محددات خمسة لإعادة التفكير؛ التصالح مع الدولة الوطنية مع إعادة تعريفها، والانتقال بسياسات (استخدم "الباء" وليس "عن" في لفظة سياسات) الهوية إلى الانحيازات الاجتماعية/الاقتصادية التي تعبر عن مصالح فئات اجتماعية محددة، والفصل بين الدعوي والحزبي، واستخدمت الحزبي وليس السياسي، وامتلاك مشروع لإدارة الدولة مع تجاوز البعد الطائفي/التنظيمي نحو أفق وطني أرحب.

تذكرت هذ الحديث وكانت فرصة لمراجعته مع عقد معهد السياسة والمجتمع -بعمان في الأردن بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ألبرت الألمانية يوم الأحد 6 يونيو/حزيران 2021 – أولى جلساته في سلسلة من المؤتمرات المصغرة التي تطرح سؤالا هاما بمناسبة عقد من الربيع العربي: أين وصل قطار الإسلاميين في تضاريس السياسة العربية؟

وخصصت الجلسة الأولى لدراسة 3 تجارب لمشاركة الإسلاميين بالسلطة في كل من مصر والمغرب وتونس. والملاحظة الجوهرية التي تطرحها الأوراق الثلاث هو مدى ما تمثله هذه المشاركة من مأزق لـ3 أحزاب تأسست على سردية الإخوان المسلمين؛ وإن لم يرتبط أحدها بهم تنظيميا. ويطالعك هذا المأزق منذ الوهلة الأولى لقراءة الأوراق الثلاث، برغم أن كلا منها قد خصص لبلد مختلف؛ ففي مصر الذي كان "التنظيم في مواجهة الدولة" -على حد تعبير الباحث أحمد زغلول شلاطة- أصبح التساؤل عن "السبب وراء فشلهم في حكمها"، أما تجربة الإسلاميين في الحكم بالمغرب فقد باتت محكومة "بمزادات السلطة"، ومن ثم أصابها "الاهتلاك" -على حد تعبير الدكتور عبد الحكيم أبو اللوز- ويقصد به وجود المكون التنموي على هامش المكون الهوياتي في ممارسة حزب العدالة والتنمية، بينما وقعت حركة النهضة التونسية في "شباك السلطة"، وفق رؤية الأستاذ صلاح الدين الجورشي.

هناك سردية جديدة لانتفاضات الربيع العربي تعلن نهاية صيغ القرن الـ20، وفي القلب منها دولة ما بعد الاستقلال والحركات السياسية الإسلامية والعلمانية التي استندت إلى أيديولجيات شمولية، وأننا بصدد صيغ جديدة لم تتمأسس بعد؛ فقد غلب عليها الاحتجاج وافتقدت إلى بلورة قاعدتها الاجتماعية الحاضنة والدافعة لها.

وما سأحاوله في هذا المقال ليس مناقشة تفصيلية للأوراق، ولكن محاولة تقديم نموذج تفسيري لممارسة الإسلاميين في السلطة ورصد للإشكاليات التي أنتجتها هذه الممارسة لهم؛ تمهيدا لإعادة التفكير في كيفية إنتاج "الإسلاموية" في المجال السياسي في القرن الـ21.

أولا: سردية الحركات السياسية الإسلامية في القرن الـ20:

استندت هذه السردية إلى 5 مرتكزات، وهي: شمولية الإسلام؛ أي تعلق المرجعية الإسلامية بشؤون الحياة جميعا، ومحورية السلطة كأداة أساسية لتطبيق الشريعة، ورفض الدولة الوطنية والسمو فوقها من خلال الأممية الإسلامية، وإعادة بناء الأمة نفسها (أسلمة المجتمع) على أساس هوية وشرعية جديدة باستخدام التنظيم المقدس؛ وقدسيته تتأتى من مهمته.

ولن نناقش مكونات هذه السردية وإلى ماذا انتهت وما هي عناصر فشلها ونجاحها، ولكن ما يهمنا في هذا الصدد هو كيف تركت تأثيرها على عمل الإسلاميين في المجال السياسي؛ وخاصة أن الخطاب قد امتزج  بـ5 سمات أخرى، وهي: دعوية الخطاب، و"أخلاقويته"، وأيديولوجية غامضة ممتزجة بالبرغماتية، مع غلبة الاحتجاجي على تقديم السياسات، وأخيرا التنظيم المفارق لعضويته. ودرستُ بالتفصيل تأثير هذه السمات الخمس على المسألة الاجتماعية عند إخوان مصر والتي دفعتهم لتبني سياسات "نيوليبرالية" في الحكم برغم رفعهم شعارات العدالة. وقد ألقت هذه السمات بظلالها على ممارستهم في المجال السياسي مما التقطته الأوراق الثلاثة، وهو ما سنعرض له لاحقا.

ثانيا: سردية الانتفاضات العربية:

أحسن المشروع البحثي لمركز السياسة والمجتمع صنعا حين أدرك لحظة الربيع العربي باعتبارها "نقطة تحول في المنطقة وقطيعة مع المسار التاريخي السابق في كثير من الأمور"، ولكنه اكتفى بهذه الإشارة السريعة في الورقة الخلفية دون أن يقدم لنا ملامح هذا التحول؛ فالحوار حوله مما يساعد على فهم أعمق للحركات السياسية الإسلامية التي شهدت -على حد قول المشروع- "تحولات كبيرة سواء على صعيد البنية الداخلية أو الأيديولوجية أو حتى البيئة المحيطة".

ويجادل كاتب هذه السطور بأن هناك سردية جديدة لانتفاضات الربيع العربي تعلن نهاية صيغ القرن الـ20، وفي القلب منها دولة ما بعد الاستقلال والحركات السياسية الإسلامية والعلمانية التي استندت إلى أيديولجيات شمولية، وأننا بصدد صيغ جديدة لم تتمأسس بعد؛ فقد غلب عليها الاحتجاج وافتقدت إلى بلورة قاعدتها الاجتماعية الحاضنة والدافعة لها.

والقراءة التاريخية لانتفاضات الربيع العربي هي أننا أمام إعادة تشكل للتاريخ كله في المنطقة، ونحن أمام محطة تاريخية فاصلة؛ فالقديم قاد إلى الانفجار، ولم يعد قادرا على تقديم استجابات لتحديات المجتمع والدولة، ولكن الجديد لم يتبلور بعد وهذه هي مهمتنا التاريخية كما أعتقد، واللحظة ليست خواء كما يظن البعض، بل تمتلئ بالكثير والكثير مما يصب في المستقبل، وبمقدار قدرة الإسلاميين أو غيرهم على التقاط مقومات هذه اللحظة بمقدار ما سيستردون حضورهم وزخمهم الذي تراجع إلى حد كبير، وذلك وفق ما رصدته الأوراق الثلاثة والذي تمثَّل بتراجع شعبيتهم في الاستحقاقات الانتخابية المتواصلة، والأهم هو فقدان المصداقية والثقة في قدرة الإسلاميين على إيجاد حلول للواقع المأزوم.

أنا أدرك أن مشاريع الماضي المرتحل لم تكن مجرد صياغات وعبارات عابرة تحملها قوة السلطة بالمعنى المتسع لها الذي يقدمه فوكو، بل إنها شكل أو مقترح للحياة، ولطبيعة المجتمع بشبكة علاقاته، وهي خطاب وممارسة لتصورات وخيال سياسي واجتماعي واقتصادي، وتصور معرفي للحياة والدولة، تنبثق عنهما أعراف وتقاليد ومؤسسات ولغة وتصور للمجتمع ولأفراده، وتصور للذات والآخر يعبر عن نفسه في قوانين وتشريعات ودستور وعلاقات إنتاج.

إن سردية الانتفاضات العربية بحثٌ عن عقد اجتماعي جديد يتم به إعادة بناء الدولة الوطنية بنخب جديدة، ويستند هذا العقد إلى 3 مقومات: الحرية/الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية/التوزيع العادل للثروة، وتحرير الإرادة الوطنية من الهيمنة الإقليمية والدولية. إن هذا الحلم يكاد يكون عليه توافق من الطبقة الوسطى والطبقات الدنيا وبعض شرائح من الطبقة العليا، لكن قوته المحركة أجيال جديدة من الشباب مع حضور نسائي طاغ.

وقد أضافت انتفاضة القدس 2021 -التي أعتبرها الموجة الثالثة للربيع العربي- ضلعا رابعا وهو استعادة مركزية فلسطين؛ خاصة في علاقتها بالمسألة الديمقراطية وهو ما أضافه الربيع العربي لها.

وفي علاقة انتفاضة القدس بالربيع العربي وجوه كثيرة تحتاج إلى تفصيل، ولكننا نشير هنا إلى بعض وجوه الالتقاء التي جوهرها استكمال الضلع الرابع في العقد الاجتماعي العربي؛ فبرغم أن التجاوب الشعبي العربي المتصاعد مع الانتفاضات الفلسطينية في العقد الأول من الألفية الجديدة كان أحد المقدمات الأساسية لهذه الانتفاضات؛ فإن القضية الفلسطينية -لأسباب ليس هنا مجال للتفصيل فيها- قد شهدت تراجعا على مدار العقد الماضي؛ عمر هذا الربيع. والانتفاضة الجارية الآن هي استعادة للاهتمام الشعبي بالقضية من جديد واستعادة لمكون من مكونات الشرعية في النظم السياسية العربية، ولكن بوعي جديد يتجاوز خبرة النظم القومية في الستينيات وما تلاها، وهي التي وظفت القضية لتصادر بها مطلب الشعوب في الحرية والمشاركة السياسية حين كان الشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".

وهناك أوجه شبه عديدة بين ما يجري في فلسطين وبين موجتي الربيع العربي، فهناك المحرك الأول وهو أجيال شابة وحضور نسائي طاغ سبق التنظيمات في حركتها، مع تجاوز آليات العمل القديمة والثنائيات المتعارضة (سلمي/مسلح)، وحل الدولتين، والخلافات السياسية والتنظيمية نحو هدف وطني  مشترك ضد الاحتلال الصهيوني في الضفة والقطاع والقدس، والتمييز العنصري في الخط الأخضر، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي (جيل التيك توك) باعتبارها أدوات للحشد والتعبئة وتوثيق الانتهاكات وتقديم القضية للعالم وأيضا كنموذج معرفي وقيمي يتسم بالشبكية واللامركزية والإبداع في الفعل مع سرعة المبادرة.

شعوب مصر وتونس والمغرب استطاعت أن تميز في الأحزاب الإسلامية بين المكونين الديني والسياسي فيها، وذلك حين قبلت أن تتعامل معها باعتبارها فاعلا سياسيا تمنحه أو تمنع عنه صوتها في الانتخابات

ثالثا: نهاية استثنائية الحركات السياسية الإسلامية:

الانطباع الرئيس الذي تخرج به بعد الانتهاء من قراءة الأوراق الثلاث هو تطبيع هذه الحركات مع الواقع السياسي العربي بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات سلبية وإيجابية، بما يمكن معه القول بانتهاء الاستثنائية الإسلامية التي حاول أن يصمها بها تابعوها ومعارضوها على حد سواء؛ وإن اختلفت الدوافع بينهما، فالأتباع يريدون أن يضفوا عليها نوعا من القداسة، في خلط واضح بين النص المنزل والتعبير عنه، سواء كان خطابا أو ممارسة، أما المعارضون فقد أرادوا التشكيك في قدرتها على الاندماج في النظام السياسي سبيلا لحرمانها من الوجود، أما المحللون والباحثون فقد رؤوا في علاقتها بالديمقراطية ضرورة توفر عدد من الاشتراطات لضمان نجاح اندماجها في النظام السياسي القائم، وكأن هذا مما لا تطلبه القوى السياسية الأخرى.

إن الإسلاميين في السلطة -كما في المعارضة- يتصرفون مثل الفواعل السياسية الأخرى حين تُحرّكهم إدراكاتهم لمصالحهم الذاتية التي يبغون تحقيقها، ويبنون تحالفاتهم ليس وفق أسس أيديولوجية؛ بل وفق التنافس فيما بينهم الذي هو أشد من تنافسهم مع الآخرين، والأهم أن الربيع العربي بموجتيه أثبت -بما لا يدع مجالا للشك- أنهم لا يملكون مشروعا فارقا للسلطة والثروة، بل يتصرفون كأي حاكم عربي، فمن تصرفاتهم الانتهازية السياسية التي طبعت تجربة وممارسة كثير منهم في الحكم وخارجه، وتقلبات مواقفهم وتحالفاتهم، وتعدد انتقالاتهم من خندق إلى آخر، وتفشي مظاهر الفساد في بعض أوساطهم، وهذا أسقط عنهم لبوس "التقوى"، وأزاح من فوق رؤوس قادتهم "هالة القداسة"؛ إذ أثبتت السنوات الأخيرة أن المشروع في بنيته السياسية متهافت لدرجة لا تؤهله ليكون مشروعا للحكم يقدم البديل للدولة العربية المتأزمة؛ إذ يميل في معظمه للشعاراتية الذي لا تدعمه برامج ومشاريع واضحة وعملية لإدارة الدولة.

إن الخلاصة التي تخرج بها من مطالعة الأوراق الثلاثة هي أن شعوب مصر وتونس والمغرب استطاعت أن تميز في الأحزاب الإسلامية بين المكونين الديني والسياسي فيها، وذلك حين قبلت أن تتعامل معها باعتبارها فاعلا سياسيا تمنحه أو تمنع عنه صوتها في الانتخابات، والتي تلاحظ فيها تراجع شعبية الإسلاميين بشكل متصاعد في الاستحقاقات الانتخابية كافة التي جرت على مدار العقد الأخير، بل أزعم أن أهم دلالة لاحتجاجات 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر أنها أدركت الإخوان كأي فاعل سياسي.

وهنا ملاحظة أكدت عليها خبرة البلدان الثلاثة (مصر والمغرب وتونس) وهو استهلاك رأس المال الرمزي للإسلاميين بعد عقد من الممارسة السياسية.

ومع انتفاء الاستثنائية الإسلامية في المجال السياسي؛ هل دراسة هذه الحركات يجب أن يكون في حقل معرفي مستقل عن دراسة الفواعل السياسية الأخرى في المنطقة؟



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة