محاولة يائسة للإمساك بالرواية الأصيلة

(مواقع التواصل الاجتماعي)
(مواقع التواصل الاجتماعي)

حين أراد الناقد البريطاني البارز، تيري إيغليتون، الإجابة على سؤال ما الذي يمنح الأعمال الأدبية صفة الجودة والقيمة وبالتالي الخلود؟، عدّد بشكل سريع جملة من الأمور؛ هي عمق البصيرة، والواقعية، والوحدة الشكلية، ونيل الإعجاب الشامل، والتعقيد الأخلاقي، والابتكار اللفظي، والرؤية التخيلية. لكنه بعد ذلك توقّف مطولا حين جاء على ذكر الأصالة، في محاولة لإيجاد التعريف المناسب للكلمة في مقابل التعقيد الذي تتسم به.

هل الأصالة تعني الجديد؟ لكنّ الجدة ليست ضمانة لتحقيق الجودة، فكم من عمل جديد لم يكد يشعر به أحد لفرط رداءته أو عاديته حتى. هذا إذا تم التسليم بالكامل بإمكانية كتابة عمل جديد تماما

قبل ذلك كان الروائي الإيطالي ألبرتو مورافيا قد كتب روايته "الانتباه"، حيث تحاول الشخصية الرئيسة فيها طوال النص كتابة رواية تمتاز بالأصالة، بدون أن تصل تماما إلى ما يعنيه ذلك. وكم أحسن مورافيا، وهو يصف تخبّط الكاتب وحيرته وهو يبحث عن المعنى العصيّ على البلوغ.

ثمة اتفاق على ما يبدو أنّ الرواية الأصيلة هي التي ستجد طريقها بسهولة إلى عقل وقلب القارئ، وهي التي ستكتسب صفة الخلود بعد ذلك؛ لكنّ الطريف هنا أنّ الاتفاق يشمل أيضا الاعتراف بالصعوبة البالغة في الإمساك التام بما تعنيه كلمة أصالة على وجه الدقة.

هل الأصالة تعني الجديد؟ لكنّ الجدة ليست ضمانة لتحقيق الجودة، فكم من عمل جديد لم يكد يشعر به أحد لفرط رداءته أو عاديته حتى. هذا إذا تم التسليم بالكامل بإمكانية كتابة عمل جديد تماما. فكل كتابة بالضرورة ما كان لها أن تحدث لولا كتابة سابقة. ومع هذا فثمة رأي يحمل وجاهة ما، يقول إنّ الكتابة الثانية ليست تكرارا بالضرورة؛ بل كتابة أولى لكن بطريقتها. وهذا ربما يُعيدنا إلى إيغليتون مجددا، وهو يُشير إلى أنّ "العمل الخالد ليس هو الذي لا تتغيّر قيمته عبر الزمن، إنما الذي يولّد معاني جديدة كل مرة". وتوليد المعاني الجديدة قد لا يتطلب كتابة جديدة بقدر الحاجة لإعادة القراءة.

هل الأصالة تعني الفرادة، بمعنى الندرة والاختلاف؟ لكن حتى هذا ليس دقيقا، فكم من نادر هو موحش وغريب ونافر عن الجمال والذائقة. فيغدو الاختلاف، هنا، ميلا إلى السوء، وليس امتلاكا للجودة.

هل الأصالة تعني الإتقان، بحيث يبدو العمل مشغولا بدقة تقترب من الكمال؟ لكن كم هي الأعمال التي بدت متقنة بدون روح، وكأنها أقرب إلى منتج مصنعي بقدر ما هو متقن يعرف الجميع أنه نسخة من ملايين أخرى بحيث يفقد أي قيمة فردية.

هل الأصالة يمكن إطلاقها بدون عناء على الأعمال الصامدة في وجه الزمن، بحيث لا يتطلّب الأمر سوى إلقاء نظرة على رفوف المكتبة؟ لكن ألا تقف خلف الخلود أحيانا عوامل أخرى غير الجودة، تفرضها المرحلة، سياسيا، أو أكاديميا أو إعلاميا؟ أي إن العمل قد حظي بخدمة تمييزية أطالتْ عمره ومنحته أكثر مما تستحقه قيمته الأدبية.

وفق ذلك، يبدو أنّ الطريقة الأكثر فاعلية للاقتراب من معنى الكتابة الأصيلة، كما فعل إيغليتون، هي الحديث ابتداء عما لا تعنيه الكلمة؛ أي حذف ونفي ما يناقض معنى الأصالة، على طريقة "وبضدّها تتبيّن الأشياء".

لكنّ هذا الأمر ومهما بالغنا في تقصيه، لن يُتيح لنا أكثر من الاقتراب. ذلك بظني لأن الرواية الأصيلة تقوم على الطريقة الفريدة لترابطها الداخلي. ثمة شيء، وبعد استيفاء الشروط الظاهرة، نشعر به، ندركه بالحدس. والحدس كما وصفه أفلاطون بالجنون الجيد هو مجموع الرؤى والاستبصارات، التي لا نحصل عليها عبر وسائل المحاججة المنطقية، ويصعب إقناع الآخرين بها بالوسائل المنطقية نفسها.

هل نعود بهذه الفكرة إلى نقطة البدء، حيث لا شيء نمسك به على وجه الدقة؟ ربما؛ لكنها محاولة تستحق الوقت المبذول فيها. بظني أنّ هذا المعنى يُساعدنا كأفراد على رؤية الأصالة بشكل أوضح مع بقاء التعريف الجامع المانع بعيدا عن المتناول.

إذن، الرواية الأصيلة وفق ما أفهمها هي التي نشعر أنها تحمل بداخلها ترابطا ما يجعل من قراءتها شيئا لا يعوضه كتاب آخر. الأصالة هي أن نشعر بمجرد قراءة كتاب بعينه، أنه يُعدّ من الكلاسيكيات، بحيث يبقى ويُدّرس وتعاد قراءته مرات تلو أخرى، بغض النظر عن جدته ووقت صدوره. الأصالة هي الشعور بالألفة المفرطة مع ما يحتويه الكتاب لدرجة أننا نسأل أنفسنا كيف لم ينتبه أحد لهذا الأمر من قبل؟.

في المقابل، أجدني في مأزق وقد رددتُ الأمر إلى شعور القارئ الفرد، وهو ما يجعل الحكم على أصالة عمل من عدمها متفاوتا للغاية بقدر التفاوت في معارف كل قارئ وتجاربه ومعتقداته وحتى ذائقته. هذا الأمر سيجعل من رواية ما أصيلة وخالدة عند شخص، فيما لا تستحق إكمال قراءتها حتى عند آخر. وهذا أمر مربك؛ لأنّ الحكم بأصالة العمل أمر يفوق الحديث عن كونه جميلا أو مشوّقا. إنه أمر يخصّ الجيل والحقبة التاريخية وعموم ما تم إنتاجه من أدب في مرحلة ما، بحيث يصعب ألا يحظى بالحد الأدنى المعقول من التوافق على القيمة وأحقية الخلود.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة