قراءة استشرافية في مستقبل الصراع مع الكيان.. ماذا بعد معركة سيف القدس؟

blogs - المقاومة الفلسطينية
(رويترز)

في الحروب الحديثة التي لا تحسم بالضربة القاضية، بقضاء أحد الطرفين على الآخر وفرض إرادته الكاملة عليه فيما يطلق عليها معارك التحريك وكسب النقاط، يصبح للسياسة وألاعيبها كلمة الفصل للتلاعب بأوراق المعركة، وفرض تقويض أو تعظيم نتائج المعركة، حيث تطفو على السطح تناقضات ألاعيب السياسية، وهذا ما سوف تعيشه المنطقة العربية خلال الأسابيع القادمة، وهذا ما نستشرفه سويا من خلال معطيات الأحداث والتصريحات الجارية على مدار الساعة من قبل صناع المعركة وشركاؤهم والداعمين لهم، والمتاجرين والمتسلقين الساعين لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية الممكنة من المعركة.

المقاومة الفلسطينية تجاوزت ما كان يسميه الكيان جماعات إرهابية، كما تجاوزت ما يمكن تسميته تاريخيا بحركة التحرر الوطني، وفرضت نفسها على العالم كدولة صغيرة قوة متماسكة البنيان المدني والعسكري، وتعاني مظلومية كبرى، وتطالب بحقها المشروع في الحياة لشعبها كما بقية شعوب العالم.

لا شك أن المقاومة صاحبة المعركة، يقظة ومتحسّبة لما سيتم بعد الوقف المؤقت للمعركة، ولذلك هددت بإعادة تفجير المشهد إذا لم تتحقق مطالبها بشأن فك الحصار، وإعمار غزة قبل 31 ديسمبر/كانون الأول 2021، وبذلك وضعت اللاعبين السياسيين من كل الأطراف أمام مطالب محددة يجب الوفاء بها، وتركت لهم حرية المناورة السياسية في الملفات والتفاصيل المختلفة، بينما هي تنتظر ما سيعرض عليها لتتخذ قرارها فيه.

 قراءة استشرافية في ملفات معركة سيف القدس

أولا: الملفات العسكرية والأمنية

1. ملف نظرية الأمن الإسرائيلي والأمل في بقاء الدولة اليهودية

أصبح ينتاب هذا الملف الكثير من القلق والشك الكبير في مستقبل هذه الدولة، والذي سيضع قادة الكيان أمام تحد إستراتيجي كبير بضرورة استعادة الهيبة، وإقناع الشعب اليهودي بالأمان، وذلك ما يفتح المجال للتفكير في حرب خاطفة وسريعة عظيمة النتائج، وهذا ما يبدو مستحيلا في غزة إلا باستخدام أسلحة دمار شامل.

ولذلك فإن من المفترض أن يشكل ذلك معادلة جديدة للقوة في المنطقة، يمكن أن تستثمر فيها النظم العربية إن كانت لديها إرادة سياسية لذلك، وبطبيعة الحال فإن القوى الإقليمية -إيران وتركيا- ستستثمر فيه سياسيا بكل قوة، وذلك ما سنشهده خلال المرحلة المقبلة.

2. تطور قوة المقاومة في الضفة والقدس

هذا التطور وتوجهات المقاومة بالتصعيد يضع دولة الكيان أمام تهديد داخلي بالغ الخطورة، مع ضعف وعجز وحرج قوات السلطة الفلسطينية عن كبح جماح المقاومة.

سيجعل من الكيان أكثر قوة وسخونة في مواجهة فلسطينيي الداخل بمزيد من الاعتقالات، وربما التصفيات لقادة المقاومة بالداخل، مع التوسع في سياسات التهجير القسري والطرد خارج البلاد.

3. تحوّل المقاومة الفلسطينية إلى جيش نظامي شبه متكامل الأركان بريا وبحريا

حيث يمتلك قدرات تكنولوجيا التصنيع والتطوير العسكري الخاص به ذاتيا، مع شرعية قانونية في المطالبة بحقه في التحرر، تدعمه شرعية شعبية عالمية في كافة الدول العربية والعالم الإسلامية والعالم الحر، تعد أكبر بكثير مما يتمتع به الكيان من دعم دولي، وتمنحه الدعم المالي والشعبي والمعنوي الذي أصبح يجبر العالم الآن على ضرورة الاعتراف بالمقاومة والتعامل معها ككيان مستقل، بل في القريب ممثلة لدولة فلسطين.

المقاومة الفلسطينية تجاوزت ما كان يسميه الكيان جماعات إرهابية، كما تجاوزت ما يمكن تسميته تاريخيا بحركة التحرر الوطني، وفرضت نفسها على العالم كدولة صغيرة قوة متماسكة البنيان المدني والعسكري، وتعاني مظلومية كبرى، وتطالب بحقها المشروع في الحياة لشعبها كما بقية شعوب العالم.

4. تطور الأجهزة المعلوماتية للمقاومة مع ما حققته من كسب تأييد ودعم عالمي

هذا التأييد صنع لها غطاء سياسيا مع تطور مدى الأنفاق والقدرة على الاختراق التحتي للحدود والموانع فوق الأرض، وتطور قوتها بالداخل الفلسطيني في الضفة والقدس يفتح المجال أمام عمليات تصفية متبادلة المنزلة، ففي حين تعرض أحد قيادات المقاومة للاغتيال كما كان يتم في السابق، الآن يمكننا أن نتحدث عن قيادة كبيرة للمقاومة مقابل وزير في حكومة الكيان، وهذا ما سيلجم غطرسة الكيان عن التغول داخل غزة كما حدث مع الشيخ أحمد ياسين، والشهيد الرنتيسي وصيام… إلخ، أو خارجها للنيل من قياداتها كما حدث سابقا مع الشهيد محمود المبحوح في دبي.

وربما تفاجئنا المقاومة قريبا بعمليات مباغتة ضد علماء وقيادات الصهاينة خارج الكيان، إن هي تجرأت على علماء وقيادات المقاومة بالخارج، كما فعلت مع الشهيد الزواوي في تونس، والشهيد المهندس البطش في كوالالمبور، فالحرج السياسي للقيام باغتيالات نوعية على أراضي دول أخرى أصبح متوازنا.

5. تطور الخبرات الذاتية للتصنيع العسكري للمقاومة، مع القدرة على توطين الخبرات العالمية الداعمة لقضايا الحق والعدل في العالم

هذا التطور سيفتح الباب واسعا أمام إنتاج أولويات الأسلحة اللازمة للدفاع عن غزة وفي مقدماتها الرادارات ومضادات الدفاع الجوي، وأستشرف حائطا من قواعد الصواريخ الأرضية كما حائط الصد الجوي لقناة السويس في أكتوبر/تشرين الأول 1973، بالإضافة إلى تطوير الطائرات بدون طيار القادرة على حمل أوزان متوسطة من المتفجرات، وربما قريبا سنشاهد البيرقدار الفلسطينية في سماء غزة، والضفة.

كذلك بالنسبة لتطور الطوربيدات البحرية للمقاومة والتي يمكنها -مع الألغام البحرية- صناعة شريط حدودي مائي عازل عن اعتداءات الكيان البحرية على سواحل غزة، بما يؤمن لها عمليات التدريب و الصيد والتهريب كبديل عن أنفاق غزة مع مصر التي دمرها السيسي.

6. رسالة المقاومة الإقليمية

الإعلان صراحة عن التحالف الإيراني مع المقاومة، ورسائل الصواريخ من لبنان وسوريا، يعطي الصراع مع الكيان بعدا إقليميا مخيفا للكيان، بيد أنه سيوظف سياسيا لخدمة المصالح الإيرانية، إذ إن الدعم الإيراني للمقاومة في حقيقته دعم سياسي مرن، وليس أيديولوجيا صلبا.

7. الحرب النفسية التي نجحت فيها المقاومة بشكل كبير

والتي ستعكس آثارها بوضوح على موجات الهجرة العكسية إلى خارج الكيان، بالإضافة إلى هروب الاستثمارات الأجنبية، مع الضربات الاستخبارية والعسكرية التي وجهتها المقاومة للكيان، لا شك أنها أحدثت صدى وشرخا سياسيا كبيرا وعميقا على التوازنات السياسية داخل الكيان، ستنعكس آثاره العميقة ليس على البرامج السياسية للأحزاب الصهيونية، بل على أيديولوجياتها في بناء الدولة اليهودية والتعاطي مع سكانها الأصليين وجيرانها المحليين.

8. التقارب والتعاون المرتقب بين تركيا والمقاومة

هذا التقارب بشأن عقد اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع غزة، وما سيتبعه من منح الشركات التركية حق التنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية لغزة، ستكون له نتائج نوعية بالغة الأهمية الإستراتيجية من الناحية الاقتصادية والسياسية.

يبدو الأمر في بدايته صعبا أن تسمح القوى الإقليمية والدولية لتركيا بتحقيق ذلك، ولكنه ليس مستحيلا، كما أن الوزن والثقل التركي في نمو متزايد، والإرادة السياسية التركية قوية في تحقيق ذلك، ولا عجب، فقد نجح أردوغان فيما هو أبعد من ذلك، خاصة أن الدعم التركي يجمع بين مرونة المصالح السياسية وصلابة المعتقدات الدينية.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة