الدانمارك مَدعُوَّة لاحترام التزاماتها الأوروبية والدولية تجاه اللاجئين

تحركات روسية لإعادة اللاجئين السوريين
(الجزيرة)

قدمت الحكومة الدانماركية أواخر أبريل/نيسان 2021 مشروع قانون للبرلمان، يُجيز للحكومة نقل اللاجئين غير المقبولين، والذين تتعذر إعادتهم إلى بلادهم، إلى بلد ثالث. ترافق هذا المشروع مع الإعلان عن توقيع اتفاق بين الدانمارك ورواندا، ويتضمن الاتفاق استعداد الأخيرة لتكون هي الدولة المستضيفة.

وكانت دائرة الهجرة الدانماركية قد أبلغت في أبريل/نيسان المئات من اللاجئين السوريين ا-لموجودين على أرضها ممن رفضت طلبات لجوئهم- بأنها ستعيدهم إلى سوريا، بناء على تقييم الحكومة الدانماركية للوضع في دمشق وريفها بأنه آمِن وملائم لعودة اللاجئين.

وتزامنت هذه التحركات القانونية الدانماركية مع ارتفاع مستوى خطاب الكراهية الموجَّه ضد اللاجئين السوريين، وهو خطاب شارك فيه سياسيون حاليون وسابقون، وجمعيات مجتمع مدني ومنظمات سياسية.

إن قرار الدنمارك بإعادة اللاجئين السوريين بشكل غير طوعيّ يفتقر إلى التبرير القانوني والأخلاقي، فهو مخالف للاتفاقية الدولية لعام 1951 بشأن اللاجئين، والدنمارك هي طرف فيها، مثلما تُخالف كل المواثيق الدولية والأوروبية التي تُعَدّ الدنمارك طرفاً فيها

وكانت وزارة الهجرة والإدماج الدانماركية قد أصدرت في أكتوبر/تشرين الأول 2020 تقريراً عن الوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي في سوريا. وقد خلص إلى أن العاصمة دمشق وريفها قد أصبحا أكثر أماناً مقارنة مع بقية المناطق، وهو ما استُخدم لاحقاً مبررا لترحيل السوريين اللاجئين إلى بلدهم، على اعتبار أنه آمِن. رغم أن التقرير الصادر عن الوزارة أشار إلى ارتفاع عمليات الخطف مقابل الفدية، والانفجارات مجهولة المصدر، واستمرار خطر الاعتقال من قِبل حواجز النظام، وعدم قدرة الأشخاص العاديين على الوصول إلى المناطق المتضررة في الجهات التي اعتبرها آمنة، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي تعيشها سوريا وسوء الخدمات العامة فيها.

واستند التقرير الحكومي الدانماركي إلى عدد كبير من المصادر السورية التي تم إجراء المقابلات معها، والتي أجمعت، كما هو مذكور في التقرير، على أن البيئة غير آمنة بأي شكل لعودة اللاجئين، ما عدا الإشارات إلى أن المعارك قد توقفت في بعض المناطق.

إن قرار الدانمارك بإعادة اللاجئين السوريين بشكل غير طوعيّ يفتقر إلى التبرير القانوني والأخلاقي، فهو مخالف للاتفاقية الدولية لعام 1951 بشأن اللاجئين، والدانمارك طرف فيها، مثلما تُخالف كل المواثيق الدولية والأوروبية التي تُعَدّ أيضا طرفاً فيها، وهو ما أكّده العديد من البيانات التي أصدرتها منظمات دولية بخصوص قرار الدانمارك الآونة الأخيرة.

كما أن إصرار الحكومة الدانماركية على تجاهُل كل المخاطر الأمنية التي يمكن أن يتعرّض لها العائدون، والتركيز بدلاً من ذلك على حقيقة توقُّف المعارك في بعض المناطق السورية، يمثّل تجاهلاً يفتقر إلى المنطق لبقية المخاطر التي ثبّتها التقرير الصادر عن الحكومة نفسها في أكتوبر/تشرين الأول 2020.

إن عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم مطلب سوريّ قبل أن يكون مطلباً للدول المستضيفة، إلا أن هذه العودة ينبغي أن تكون مشروطة بتحقق الأمان والكرامة على أقل تقدير، وهو ما يتطلب من المجتمع الدولي العمل على توفير هذه البيئة الآمنة، بما يشمل الضغط على النظام السوري وحلفائه لوقف الانتهاكات التي تتم ممارستها على السوريين الموجودين داخل سوريا، وأولئك الراغبين بالعودة إليها، بما في ذلك التوقف عن أعمال الاعتقال التعسفي، والإفراج عن عشرات الآلاف من المعتقلين، والكشف عن مصير عشرات الآلاف من المُغيَّبين الآخرين.

كما أن الحديث عن البيئة الآمنة لعودة اللاجئين يتطلب الضغط على حلفاء النظام السوري من أجل تقديم ضمانات حقيقية لسلامة عودة اللاجئين، وهو أمر ضِمن إمكانيات هؤلاء الحلفاء إنْ توفرت لديهم الرغبة والإرادة بإعادة اللاجئين.

إن البيئة الآمنة لعودة اللاجئين أمر لا يمكن أن يتحقق دون الوصول إلى حلّ سياسيّ فعليّ، يتمّ فيه إطلاق مسار لتحقيق العدالة الانتقالية، بما يشمل إصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية والشرطية، وتوفير الحد الأدنى من إعادة الاعتبار للضحايا، ومحاسبة الجُناة، والعمل على توفير حلول عملية لملايين من الأشخاص ممن دمرت منازلهم، وليس لديهم مأوى داخل سوريا.

إن المجتمع المدني الدانماركي والأحزاب السياسية مَدعُوَّة إلى اتخاذ موقف واضح تجاه التوجهات المعادية للاجئين، والتي تستهدف قِيَم حقوق الإنسان لا اللاجئين السوريين وَحْدَهم، فترحيل أو بقاء عدّة مئات من اللاجئين السوريين لن يُغير وجه الدانمارك، لكن الاستهانة بالالتزامات الأوروبية والدولية سوف يترك أثره على الإرث السياسي الدانماركي، وعلى صورتها في أوروبا والعالم.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة