الآيات والأحاديث المتعلقة بأعمال الكفار والاستغفار لهم

(الجزيرة)
(الجزيرة)

أوضحت في المقالين السابقين، أن أصل النقاش يرجع إلى ثلاثة أصول هي:

الأول: تفاوت دركات النار وتفاوت أحوال الكفار في الآخرة، وهي مسألة محل اتفاق بين العلماء.

الثاني: أن هذا التفاوت ليس له مصدر إلا تفاوت أعمال الكفار، وبناء عليها تتفاوت مراتبهم وأحوالهم. والأعمال هنا جنس يتناول أنواعًا، فهي تشمل أعمال الخير والشر، وتشمل الطاعات (التي يشترط فيها الإيمان) كما تشمل باقي أعمال الخير مما لا يُشترط فيه الإيمان (كالصدقات والمواساة والنصرة وغيرها).

الانحباس في جزئية معينة فقط فيفتح الباب لآلية "الاستشهاد" التي تبحث عن دليل فقط ولا تحاول تقديم تأويل كلي ناظم لجميع النصوص ذات الصلة بالموضوع. فبناء التصورات الكلية أوفق لفهم الخطاب الشرعي بما هو خطاب، في حين أن الاستشهاد يتعامل مع الخطاب القرآني كما لو كان عبارة عن جمل وآيات مفردة أو مقتطعة بلا سياق.

الثالث: أن ذنب الكفر لا يُغفر، وأن ما دونه متروك إلى المشيئة الإلهية بنص القرآن.

وهذه الأصول مترابطة لا يمكن الفصل بينها كما قد يُتَوَهَّم؛ لأنها فروعٌ لأصل كلي وهو العدل الإلهي والجزاء، فإذا تم التسليم بهذه الأصول لزم القبول بفكرة جواز الدعاء للكافر، وأنه إنما يتناول الأعمال الأخرى التي لا تتصل بالشرك؛ لأن الله تعالى قد حسم أمره.

وكعادتي أحرص في مقالاتي على وضع تصور كلي ثم تسكين الجزئية المبحوثة أو الجزئيات داخل ذلك التصور الكلي؛ ولذلك ربما توهم من يفضل الانحصار في جزئية معينة أن ما سبق تطويل، في حين أنه من صميم منهجية بناء الأصل الكلي وتخريج الفروع عليه، وهو شرط منهجي لتوفر الاتساق والوصول إلى المقصود الأعظم من الباب، والمقصود هنا ثلاثة أمور:

أولها: تصور تطبيقات العدل الإلهي.

وثانيها: فهم نصوص القرآن والحديث التي تبدو متعارضة في الظاهر.

أما الانحباس في جزئية معينة فقط فيفتح الباب لآلية "الاستشهاد" التي تبحث عن دليل فقط ولا تحاول تقديم تأويل كلي ناظم لجميع النصوص ذات الصلة بالموضوع. فبناء التصورات الكلية أوفق لفهم الخطاب الشرعي بما هو خطاب، في حين أن الاستشهاد يتعامل مع الخطاب القرآني كما لو كان عبارة عن جمل وآيات مفردة أو مقتطعة بلا سياق.

ثالثها: أن هذا الجمع بين الأصل الكلي وفروعه، أوفق للمنهج العابر للتخصصات الذي أسلكه في كتاباتي، فموضوع هذه المقالات يتصل بثلاثة حقول هي علوم الكلام والفقه والأخلاق، في حين لو استسلمنا للنظر الجزئي أو التجزيئي لقصُر الفهم وضاق المنهج!

في هذا المقال سنعود لبحث الأصول النصية التي قام على أساسها الخلاف، فربما تُوُهِّم أن العودة المباشرة إلى النصوص تحل الإشكال وتعفينا من الانحباس في أقوال العلماء، بل ربما شطح الظن بأن أقوال العلماء منبتة الصلة عن النصين القرآني والنبوي، في حين أن فهوم العلماء التي تناولتها في المقالين السابقين إنما هي حصيلة النظر في النصوص على اختلافها، فالاستدلال بآية أو حديث لإثبات عكس ما ذهب إليه المقالان السابقان هو خلل منهجي؛ لأن العلماء الذين عرضت لآرائهم لا يجهلون تلك النصوص، فالخلاف هنا ليس حول العلم أو الجهل بهذه الآية أو تلك، بل حول منهج تأويل هذه النصوص.

وإذا ما عدنا إلى الدلائل النصية على المسائل المبحوثة في هذه المقالات نجد أنها متعددة ومتعارضة في الظاهر، فإن حُملت على عمومها تعارضت دلالاتها، وإن اجتزئ بعضها دون بعض وقعنا في الاستشهاد لا الاستبصار. فإذا تتبعنا كتب التفسير وشروح الحديث نجد حيرة في تأويل تلك النصوص ولذلك تعددت التأويلات، وهذه التعددية هي ما ألح على بيانه وترسيخه، لتوسيع أفق الفهم والبحث في آليات التأويل. أما الدعوى الهشة حول الإجماع في الموضوع، فهي لا تتجاهل الخلاف فقط، بل تقفز على هذه الإشكالات والمباحثات التي تثري النقاش وتوسع آفاق التأويل.

ويمكن تلخيص النصوص المتعارضة بتكثيف في ثلاث نقاط سأوضح وجه الإشكال فيها، ثم أوضح الجواب عنها مجملا؛ فإن المساحة المتاحة هنا لا تحتمل أكثر من الإجمال والتكثيف.

النقطة الأولى: التعارض بين كون العمل الصالح المعتبر مقيدًا بالإيمان، وبين إثبات أن الأعمال الصالحة حال الكفر تنفع صاحبها بأحد وجوه النفع.

وردت آيات عديدة تقيد اعتبار العمل الصالح بالإيمان، كما في قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنُّ) [النحل: 97]، و(فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنُّ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) [الأنبياء: 94]. وقد دل ظاهر هذه الآيات على أنه لا اعتداد بعمل صالح على غير حال الإيمان. وثمة من الأحاديث ما يؤيد هذا الظاهر، منها حديث عائشة قالت: يا رسول الله، ابن جُدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعُهُ؟ قال: "لا ينفعه؛ إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".

ولكن هذا الظاهر يعارضه ظاهر آخر أفادته آيات قرآنية وأحاديث نبوية، من الآيات قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة…)، إلى أن قال: (ثُمَّ كان من الذين آمنوا) [البلد: 12-17] فدل على أن الإيمان تراخى عن العمل الصالح وجاء بعده زمانيًّا، ومع ذلك تم اعتباره، وجُعل صاحبه في أصحاب الميمنة.

وقد وردت أحاديث صحيحة تؤيد هذا المعنى الأخير، وتدل على أن الأعمال الصالحة التي تُفعل في حال الكفر تنفع صاحبها، سواءٌ أسلم أم مات على الكفر:

فمن الأحاديث التي تدل على أن الأعمال الصالحة في حال الكفر تُحتَسب لصاحبها بعد إسلامه، الحديث المشهور عن حكيم بن حزام الذي عاش مئة وعشرين سنة (ستين في الجاهلية وستين في الإِسلام)، وقد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلّم: أرأيتَ أمورًا كنت أتحنثُ بها في الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير". وظاهر هذا الحديث يدل على اعتبار حسناتِ الكافر في كفره، كما فهم منه غير واحد من الشراح، ولذلك قال الإمام المازري: "ظاهره خلاف ما تقتضي الأصول"، وحار العلماء في تأويله.

ومن الأحاديث التي تدل على نفع الأعمال الصالحة للكافر وإن مات على الكفر، ما ورد في الحديث الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت: يا رسول الله فهل نفعتَ أبا طالب بشيء؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". وفي لفظ: إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح". ومن ذلك حديث أنه لما أسلم عدي بن حاتم الطائي، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد رفع عن أبيك العذاب الأليم بسبب سخائه"، ومن ذلك حديث أن أبا لهب يخفف الله تعالى عنه في الآخرة لسروره بولادة النبي صلّى الله عليه وسلم وإعتاقه جاريته ثويبة حين بشرته بذلك.

النقطة الثانية: التعارض بين إحباط أعمال الكافر وبين عمومات القرآن الدالة على احتساب جميع الأعمال ولو مثقالَ ذرة.

فثمة آيات يدل ظاهرها على إحباط عموم أعمال الكفار، منها (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) [الفرقان: 23] و(أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) [هود: 16] و(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ) [إبراهيم: 18].

ولكن ظواهر هذه الآيات تتعارض مع عموم آيات جازمة تدل على أن الله سيحاسب جميع الناس على جميع أعمالهم، من ذلك قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره)، وقوله سبحانه: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)، وقوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً)، وقوله أيضًا: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا).

ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الآيات تشبه القوانين الكلية حتى قال الإمام الطيبي عن آية الزلزلة مثلاً: إنها "من الجوامع الحاوية لفوائد الدين أصلاً وفرعًا"، بل ورد في الصحيحين تسميتها بـ"الآية الجامعة الفاذة". وهذه الآيات تتعارض -ظاهرًا- مع بعض الآيات النافية لتخفيف العذاب عن الكفار كقوله تعالى: (وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ) [النحل: 85]؛ رغم وجود أحاديث تفيد بوقوع تخفيف العذاب عن بعض الكفرة.

النقطة الثالثة: التعارض بين النهي عن الاستغفار للمشركين وبين استغفار بعض الأنبياء -ومنهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام- لآبائهم.

فالآية التي يكثر الاستدلال بها لمنع الاستغفار لعموم الكفار هي قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) (التوبة 113-114)، ولكن إبراهيم نفسه استغفر لأبيه حين بلغ سن الشيخوخة كما في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) [إبراهيم: 39-41].

توضح هذه النقاط الثلاث مدى التسرع الذي يحيط ببعض التعليقات التي تجتزئ آية أو آيات وترمي بها في وجه الخصم عند السجال، وكما قلت: فإن المشكلة لا تتعلق بمعرفة أو عدم معرفة الآيات، وإنما تتمثل في منهجية قراءة النصوص والخطاب القرآني خاصة، وسأجمل الكلام على النقاط الثلاث من كلام العلماء أنفسهم، على أن أعود في مقال آخر إلى تقديم قراءتي لنصوص القرآن ذات الصلة وبيان منهجي في التأويل.

أما فيما يخص العلاقة بين الإيمان والعمل الصالح، فنحن أمام ثلاثة احتمالات:

أولها المشي على ظواهر الآيات وتقييد العمل الصالح بالإيمان المقترن به مطلقًا، وبهذا لن تُحتسب أعمال غير المؤمن الصالحة ولا تلك التي عملها المؤمن قبل إيمانه.

وثانيها: الأخذ بالعمومات القرآنية التي تجازي على كل عمل، وبالأحاديث النبوية التي احتسبت أعمال الكفار، ولكن احتساب أعمال الكافر تُسلمنا أيضًا إلى تأويلين مختلفين: فإما أن يقتصر ذلك فقط على الكافر الذي يسلم قبل موته، وإما أن يشمل عمل الكافر مطلقًا سواءٌ أسلم أم لم يسلم (وذلك باستثناء العبادات؛ لأن شرطها الإيمان).

والآن لننظر كيف أثرت تلك الاحتمالات في تأويل قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) إلى قوله: (ثُمَّ كان من الذين آمنوا)، فقد وجدنا في معناه قولين:

الأول: ما ذهب إليه عدد من المفسرين كالماتريدي والزمخشري والبيضاوي وغيرهم، وهو أن (ثم) هنا للتراخي في الرتبة، ومن ثم فالإيمان لم ينفصل عن العمل الصالح زمانًا.

والثاني: أن (ثم) للتراخي في الزمان، فالإيمان إنما وقع بعد عمل الخير (وهو هنا العتق والإطعام)، ويؤيد هذا الفهم حديث حكيم بن حزام: "أسلمت على ما أسلفت من خير"، وقد تنبه إلى هذا المعنى الدقيق الإمام ابن الملقن فقال: "صح بهذِه الآية عظم نعمة الله على عباده في قبول كل عمل بر عملوه في كفرهم ثم أسلموا. فالآية على ظاهرها، وهي زائدة على ما في القرآن من قبوله أعمال من آمن ثم عمل الخير"، أي أن في القرآن معنيين لا معنى واحدًا: الأول: قبول العمل المقترن بالإيمان، والثاني: قبول العمل الصالح الذي سبق الإيمان.

وإذا كانت هذه الآية لم تثر ذلك النقاش في كتب التفسير، فإن حديث "أسلمت على ما أسلفت من خير" يوضح حجم التحير في فهمه، فنجد في تأويله قولين:

القول الأول: أن الحديث؛ يخالف الأصول التي تقتضي اقتران العمل الصالح بالإيمان حتى يتم قبوله، ومن ثم فلا بد من تأويل هذا الحديث ليستقيم مع القواعد، وهنا نجد تأويلات شتى ذكرها الإمام المازري ونقلها القاضي عياض والنووي وغيرهما، وقد أحصيت فيها خمسة أقوال كلها يحاول الخروج من إشكال انفصال الإيمان عن العمل.

القول الثاني: أن الحديث على ظاهره ولا تأويل فيه؛ فقد فهم منه الإمام الكشميري أن قُرُبات الكافر (بخلاف العبادات) معتبرةٌ كلها سواء أسلم أم لم يُسلم. في حين قصره الإمام ابن بطال وغيره على الكافر الذي يُسلم وأنه إِذا أسلم ومات على الإسلام يُثَاب على فعله من الخير في حال الكفر. وذلك أنه قيل: إنما كتب له بعمله الخير؛ لأنه أراد به وجه الله تعالى؛ لأَن المشركين كانوا مقرين بالربوبية إلا أَن عَمَلهم كان مردودًا عليهم لو ماتوا على شركهم، فَلَمَّا أسلموا تفضل الله عليهم فكتب لهم الحسنات ومحا عنهم السيئات.

أي إن الخلاف في فهم الحديث يرجع إلى تصور العلاقة بين الإيمان والعمل الصالح، فمن رأى عدم الفصل بينهما أوّله، ومن رأوا إمكان الفصل اختلفوا: فمنهم من نظر إلى الفاعل نفسه (فيجب أن يكون مؤمنًا ولكن لا يشترط مقارنة الإيمان للعمل فيمكن أن يقع الإيمان بعد العمل)، ومنهم من نظر إلى الأفعال الصالحة نفسها سواءٌ أسلم أم يُسلم. ويُفهم من كلام بعض الأئمة كابن الفرس والمازري والكشميري وغيرهم النظر إلى الأفعال نفسها، في حين أن غيرهم ميز بحسب الفاعلين، ونجد هذا المعنى في حكاية الخطابي ورجحه أبو العباس القرطبي وغيره.

أما فيما يخص التعارض بين إحباط أعمال الكفار وبين جزاء الخلق على جميع أعمالهم:

فالإمام البيهقي بعد أن أثبت أن أبا طالب ينفعه ما صنع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في التخفيف عنه من عذابه، قال: "وقد يجوز أن يكون حديث ابن جدعان [وأنه لا ينفعه عمله]، وما ورد من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على كفره: ورد في أنه لا يكون لها موقع التخليص من النار وإدخال الجنة، لكن يخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر بما فعل من الخيرات والله أعلم". أي إن عموم الآيات التي تتحدث عن إحباط الأعمال محمولة على نوع معين من الإحباط وهو الذي يُخرج من النار لا مطلق الإحباط.

ويظهر هذا الإشكال بشكل أعمق عند تفسير آية (فمن يعمل مثقال ذرة…)، فظاهرها يعم المؤمن والكافر، وأن المراد من رؤية ما يعادل مثقال ذرة من خير أو شر هو مشاهدة جزائه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ولكن هذا الظاهر استُشكل لأمرين:

أولهما: أنه يقتضي إثابة الكافر بحسناته وما يفعله من الخير، وهو مخالف للآيات التي تتحدث عن أن أعمال الكفرة مُحبَطة، حتى ادعى التفتازاني الإجماع على إحباطها.

ثانيهما: أن هذا الظاهر يقتضي أيضًا عقاب المؤمن على صغائره؛ إذا اجتنب الكبائر. ومن المقرر أن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر لقوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) [النساء: 31]. وعندما قال الإمام ابن المنير: "إن الاجتناب لا يوجب التكفير عند الجماعة، بل التوبة أو مشيئة الله تعالى" هي التي توجب ذلك، ردّ عليه العلامة الآلوسي بأن قوله "ليس بشيء؛ لأن التوبة والاجتناب سواء في حكم النص، ومشيئة الله تعالى هي السبب الأصيل".

ولكن كيف نفهم آية الزلزلة الجامعة الفاذة؟ اختلف العلماء حولها؛ بناء على الإشكالين السابقين، ويمكن أن نرصد هنا قولين:

الأول: تخصيص الآية، بأن المراد بـ(من) الأولى السعداء، وبـ(من) الثانية الأشقياء؛ بناء على أن (فَمَنْ يَعْمَلْ) تفصيل لـ(يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً)، وأنه مفسرٌ بما حاصله (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى: 70]، فالمناسب أن ترجع كل فقرة إلى فرقة ليُطابق المفصّل في سورة الشورى المجمل في سورة الزلزلة.

الثاني: أن الآية باقية على عمومها، ولكنهم اختلفوا في هذا العموم على أربعة أقوال:

(1) فهناك من قدّر في الكلام محذوفًا تُرك لظهوره والعلم به من آيات أخر، وتقديره: فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره إن لم يُحبط، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره إن لم يُكَفَّر.

(2) وهناك من جعل الرؤية في (يره) عامة وليست قاصرة على الآخرة فقط، وقال: الكافر يرى جزاء خيره في الدنيا وجزاء شره في الآخرة، والمؤمن يرى جزاء شره في الدنيا وجزاء خيره في الآخرة. وقد حكي مثل هذا عن محمد بن كعب القرظي، وروي عن أنس وأبي أيوب مرفوعًا نحو هذا بخصوص المؤمن دون ذكر الكافر.

(3) وهناك من قال: إن المراد بالرؤية هنا (يره) مشاهدة نفسه من غير أن يعتبر معه الجزاء ولا عدمه، وإنما يُفوّض الأمر في كل منهما إلى الدلائل الناطقة من الكتاب والسنة، وهي تفيد بعفو صغائر المؤمن المجتنب للكبائر وإثابته بجميع حسناته، وبحبوط حسنات الكافر ومعاقبته بجميع معاصيه. وقد اختار هذا القولَ الإمام الطيبي فقال: إنه يؤيده النظم القرآني والمعنى والأسلوب.

(4) وقد قال الآلوسي: الظاهر عموم (من) وكون المراد بالرؤية رؤية الجزاء في الآخرة، وأن (… خيرًا يره) وعد، و(… شرًّا يره) وعيد، وأن الوعد لازم الوقوع تفضلاً وكرمًا، والوعيد ليس كذلك. فيفوض أمر الشر في المقطع الثاني على الدلائل النصية الأخرى وهي ناطقة توضح بأن الشر إن كان (أ) كفرا لا يُغفر، (ب) وإن كان صغيرة من مؤمن مجتنب الكبائر يُكفَّر، (ج) وإن كان كبيرة من مؤمن أو صغيرةً منه وهو غير مجتنب للكبائر فهو تحت المشيئة الإلهية. (د) قال الآلوسي: "ولا يبعد -فيما أرى- أن يكون ما عدا الكفر من الكافر كذلك"، أي تحت المشيئة إن شاء غفر وإن شاء عاقب عليها. أما أمر الخير بالنسبة إلى الكافر فتخفيف العذاب لورود الأحاديث الصحيحة بذلك.

ولكن كيف نفسر الآيات الدالة على عدم تخفيف العذاب؟

تؤول على أن المراد بالعذاب فيها عذاب الكفر بحسب مراتبه، فهذا هو الذي لا يخفف، أما العذاب الذي دلت الأحاديث على تخفيفه فهو غير الكفر. وكذلك يؤول معنى إحباط أعمال الكفار على معنى أنها لا تنجيهم من العذاب المخلد، وهو معنى كونها سرابا وهباء. وهذا التأويل ينسجم أيضًا مع الأصل المتفق عليه بين العلماء، وهو أنهم مخاطبون بالتكاليف في المعاملات والجنايات اتفاقا، ولا معنى لهذا إلا عقاب تاركها وثواب فاعلها، وأقله التخفيف. وهو ما أوضحه العلامة شهاب الدين الخفاجي.

أما فيما يتعلق بمسألة الاستغفار للمشركين:

فالنهي في هذه الآيات يتوجه إلى إلى طلب مغفرة ذنب الشرك وإدخالهم الجنة دون طلب التخفيف، فآية (إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) "ربما تدل على مغفرة غير الشرك لعموم قوله تعالى (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: 48]، وذلك يدل على جواز الدعاء للكافر بمغفرة غير الشرك"، كما قال الفقيه الشافعي الشبراملسي.

ويمكن أن نلخص القول في ما سبق، بما أفاده العلامة الخفاجي بأن ما يقابل الكفر من العذاب لا يخفف؛ لأنه سبحانه لا يغفر أن يشرك به، وما في مقابلة غيره قد يخفف بالحسنات. و"أن معنى الإحباط المجمع عليه أنها لا تنجيهم من العذاب المخلد كأعمال غيرهم، وهذا معنى كونه سراباً وهباء".

أما استغفار إبراهيم لأبيه على الكبر، فقد أجيب عنه بأجوبة متعددة لحل الإشكال، وقد ذكرها الإمام فخر الدين الرازي، وتتلخص في: (1) أن المنع من الاستغفار لا يُعلم إلا بالتوقيف، فلعله لم يجد منه منعًا فظن كونه جائزا. (2) أراد بوالديه هنا آدم وحواء. (3) أنه كان ذلك الاستغفار بشرط الإسلام. (4) وقال بعضهم: كانت أمه مؤمنة، ولهذا السبب خص أباه بالذكر في قوله تعالى: (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) [التوبة: 114]. وعندي أن كل هذا فيه تكلف، ولعل استغفار إبراهيم لوالديه في الكبر جاء على سبيل التعليم للمؤمنين، خصوصًا أن القرآن سبق أن تحدث عن عداوة أبيه لله، وأن إبراهيم تبرأ منه عندما تبين له ذلك.

وإذا أردنا أن نجمل هذا الخلاف المتشعب، نقول: إنه يرجع إلى آليتين منهجيتين في التأويل:

الأولى: ثنائية العام والخاص، بحيث يُحمل بعض الآيات والأحاديث على العموم، وبعضها على الخصوص، ومن هنا حمل بعضهم أحاديث تخفيف العذاب على أنها خاصة ولا يقاس عليها، في حين حمل آيات إحباط أعمال الكافرين على العموم ليطرد معنى واحدا وينطوي الآخر ضمنه.

الثانية: البحث في المفاهيم والتمييز بينها، وهنا ثلاثة مفاهيم مركزية تسري في جميع هذه المباحثات، وهي المنفعة والأعمال والكفر.

فالمنفعة التي تُرجى للأعمال الصالحة من الكافر نوعان: منفعة تُخرج من النار، وهي التي نفتها الآيات، ومنفعة مخففة من العذاب، وهي التي وردت بها الأحاديث. وبهذا الجواب جزم الإمام المحدث أبو العباس القرطبي (656هـ)، وقال الإمام المفسر أبو عبد الله القرطبي (671هـ): "إن الكفار يتفاوتون في الآخرة، فمن كانت له منهم حسنات من عتق ومواساة مسلم ليس كمن ليس له شيء من ذلك، "فيحتمل أن يُجازى بتخفيف العذاب عنه بمقدار ما عمل؛ لقوله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا". ثم جاء الإمام ابن حجر العسقلاني فقال بعد أن أورد حديثًا ضعيفًا في إثبات تفاوت عذاب الكفار: "وعلى تقدير ثبوته فيحتمل أن يكون التخفيف فيما يتعلق بعذاب معاصيه بخلاف عذاب الكفر".

أما الأعمال فقد سبق القول بأنها جنس تحت أنواع لا بد من التمييز بينها، وأن ظواهر القرآن غامضة في بيان مدلول الأعمال، ولا بد من فهمها في ضوء سياقاتها، ولكن في الجملة ترجع إلى ما يشترط له الإيمان وما لا؛ لكونه عمل خير في ذاته.

وأما الكفر فهو وصف مركب تتفاوت مراتبه كذلك، وهناك "من خف كفره" -بتعبير شيخ الإسلام ابن تيمية- ومن اشتد كفره، وهم ليسوا سواءً، وإن كان مرجع هذا التحديد إلى الأعمال مجددًا.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة