المقاومة وإيران وإشكالية العلاقة بين السياسي والأخلاقي

يحيى السنوار رئيس حركة حماس في قطاع غزة (الأناضول)
يحيى السنوار رئيس حركة حماس في قطاع غزة (الأناضول)

ما إن وضعت الحرب الإسرائيلية على غزة أوزارها، حتى خرج السيد إسماعيل هنية محتفيًا بالنصر في خطابٍ وجّه فيه الشكر إلى أطراف عدة، خصّ منها إيران بالذكر؛ لتقديمها الدعم المالي والعسكري، الأمر الذي أثار جدلاً لم يَنته بعد. يعيدنا هذا إلى معضلة العلاقة بين حركتي المقاومة الأبرز "حماس" و"الجهاد" وإيران التي ازدادت تعقيدًا بعد الثورات العربية. وهي في تواصلها مع إيران تتحدث عن "شراكة"، وفي خطابها للعرب والمسلمين تتحدث عن مبدأ مقاومة الاحتلال كمبدأ أخلاقي، وأن كل من يدعمه فهو يخدم قضيتها. ولكن لا يمكن نفي الطابع البراغماتي هنا؛ نظرًا لمآلات هذا المبدأ فيما لو استقمنا عليه، ولدور إيران الذي يشبه الدور الإسرائيلي بل ربما كان أوسع مدى بعد الثورات.

والمتتبع لتغطية الإعلام الإيراني، وخاصة الناطق بالعربية كقناة الميادين، يجد كثافة في تغطية الحدث من منظور إيران والمحور التابع لها، حيث نقرأ ما هو أبعد من مجرد الشكر، وأن هنية قال: إن إيران "شريكة أساسية في صناعة هذا النصر"، وأن أسامة حمدان قال للميادين: إن "موقف الأسد الداعم للمقاومة ليس غريباً ولا مفاجئاً، ومن يُحَيِّينا بتحية نَرُدّ بخيرٍ منها"، وأنَّه قال -بحسب الميادين نفسها- "من الطبيعي أن تعود العلاقات بدمشق إلى وضعها السابق" (ولم يصدر عنه أي نفي أو تعديل بهذا الشأن). ويأتي هذا في سياق تقرير يتحدث عن أن الطريق إلى دمشق بات قصيرًا، وأن الأسد وجه الشكر "لكل المقاومة" على هذا الإنجاز.

وفق النظر السياسي فإن النصر الذي يتم الحديث عنه اليوم ليس نصرًا للمقاومة الفلسطينية فقط، بل هو نصر لإيران على إسرائيل، وهو ما يفسر حجم الاستثمار الإيراني ولواحقه في الحدث عبر التصريحات والتحركات والرسائل الضمنية

لا يقتصر الأمر على قياديي حماس، فقد نقل موقع الميادين أيضًا عن "سرايا القدس" التابعة للجهاد الإسلامي، أن هذا التطور العسكري لسرايا القدس إنما تحقق "بفضل دماء الشهداء ودعم محور المقاومة وعلى رأسها الجمهورية الإسلامية في إيران"، وأن زياد نخالة الأمين العام لحركة الجهاد "خصّ بالشكر شهيد القدس الفريق الشهيد قاسم سليمانيّ الذي بذل قصارى جهده لإنجاز هذا النصر وتثبيته"، وأن بشار الأسد استقبل وفداً ضمّ عدداً من قادة القوى والفصائل الفلسطينية وممثليها، من ضمنهم نخالة.

أثارت هذه التصريحات ردود فعل مختلفة تراوحت بين ثلاثة مواقف: الإدانة، والتأييد، والاعتذار بالتماس تبريرات لها، وأطرف هذه التبريرات أن حمدان – مثلا- لم يأت على لفظ الشكر أو أنه لم يذكر اسم الأسد، ومنها أن حماس مضطرة لتقديم الشكر (كأكل الميتة)؛ لتحقيق مكاسب ولعدم وجود بديل عن الدعم الإيراني.

وثمة رأي رفض مجرد مناقشة تصريحات قياديي حماس؛ بحجة أن الوقت ليس مناسبًا؛ فنحن بحاجة إلى لملمة الجراح، وألا نعكر صفو الاحتفال بالنصر الذي وقع. ومن الغريب حقًّا أن أصحاب هذا الرأي لا يخبروننا لماذا هذا التوقيت مناسب للشكر والاحتفاء بإيران، وليس مناسبًا لنقد ذلك أو التفاعل معه؟

يمكن تصنيف المناقشات والتعليقات على هذا الحدث على ثلاثة مداخل:

الأول: ديني عقدي انصرف إليه بعض المتشرعة أو المشتغلين بالعلوم الشرعية، حيث سوّغوا هذا الشكر من باب شكر المبتدع، أو الاستعانة بالكافر، حيث يتصور هؤلاء أن المشكلة إنما هي في معتقد إيران وشيعيتها!

الثاني: نفعي (براغماتي)، فشكر إيران هنا من باب الضرورة، سواءٌ كانت دينية أم سياسية، حيث التركيز هنا على أولوية المقاومة وانعدام الخيارات المتاحة أمام الحركات القائمة بهذا الواجب، فإما الشكر أو لا دعم!

الثالث: أخلاقي سلوكي يتمثل في شكر المحسن على إحسانه؛ بغض النظر عن سلوك هذا المحسن وأفعاله الأخرى، ولو كانت إجرامية، فالأمر هنا لا يعدو إقرارًا بالواقع، وتأدبًا من زعماء المقاومة!

وهذه المداخل الثلاثة تعبر عن إشكال حقيقي يتصل بالقصور عن فهم مسائل السياسة من جهة، وبعدم الإمساك بجوهر الإشكال المطروح هنا، وهو مأزق العلاقة بين السياسة والأخلاق في ممارسة هذه الحركات المنتسبة إلى الإسلام، والتي تدّعي لنفسها تميزًا أخلاقيًّا يفصلها عن غيرها من الجماعات والدول من جهة أخرى.

مع خطابات الشكر، لسنا أمام فعل فردي يتصل بسلوك هذا الشخص أو ذاك، بحيث تعبر التصريحات عن سمات سلوكية فردية (بعض المؤيدين جعل هنية "فيلسوف الأخلاق" بفعله هذا!)، ولسنا أيضًا أمام فعل عامّ وعلني ولكنه عاديّ وخال من أي مضمون سياسي، بل نحن أمام فعل سياسي بامتياز، وهذا الفعل السياسي يضعنا أمام شقين: الأول: إشكال التعارض بين الأخلاقي والسياسي لدى حركات المقاومة، وهي مسألة ناقشتها في مقال سابق قبل أشهر، والثاني: الاستثمار السياسي الذي يشكل الغاية من وراء هذا الفعل السياسي، فحفلة الشكر والاتصالات والتحركات التي أعقبت وقف الحرب الإسرائيلية على غزة هي استثمار سياسي فيما حدث، وهو ما يميز فعل الفاعلين السياسيين عن فعل عامة الناس المحتفين بالنصر. وبناء على هذا، فإن مناقشتنا لهذه التصريحات والتحركات هي من باب نقد هذا الاستثمار السياسي، وإلا فنحن نقف على أرضية واحدة في دعم المقاومة كما أوضحت في مقال سابق.

ولا بد من توضيح أن مناقشة أو نقد سلوك حركات المقاومة لا يعني الثناء على غيرها، كما لا يعني أن هذه الحركات تتساوى مع غيرها أيضًا، فالتقويم إنما هو بالقياس إلى المبادئ لا بالمقارنة مع الفاعلين الآخرين في الميدان. فلا شك أن حركتي حماس والجهاد تتميزان -أخلاقيًّا- على غيرهما كالسلطة الفلسطينية والمليشيات المختلفة في لبنان (كحزب الله) وباقي المليشيات الإيرانية في سوريا والعراق؛ سواءٌ لجهة الموقف من الاحتلال الإسرائيلي، أم لجهة شكل العلاقة بإيران ونظام الأسد تحديدًا. فلا يمكن -بحال- اعتبار حركتي المقاومة مجرد ذراعين إيرانيتين مثلاً، أو حليفتين وخادمتين لنظام الأسد، بخلاف حزب الله وباقي المليشيات الشيعية على الأراضي السورية والعراقية التي هي مجرد أذرع دينية وسياسية لإيران، وقد ولغت في دماء اللبنانيين والسوريين والعراقيين. ثم إن حركات المقاومة تختلف أيضًا عن السلطة الفلسطينية -مثلاً- التي تحولت إلى دور وظيفي يحرس الاحتلال ويعوق أي مقاومة له، سلميةً كانت أم مسلحة.

ثمة تمايز بين النظرين السياسي والأخلاقي هنا، فمن الناحية السياسية شكر حماس والجهاد لإيران ليس متوقعًا فقط بل مألوف؛ نظرًا للعلاقة التي تربط بين الطرفين وللسوابق في هذا الخصوص (كما في حرب غزة 2014، ومقتل قاسم سليماني وغيرهما). ووفق النظر السياسي، فإن النصر الذي يتم الحديث عنه اليوم ليس نصرًا للمقاومة الفلسطينية فقط، بل هو نصر لإيران على إسرائيل، وهو ما يفسر حجم الاستثمار الإيراني ولواحقه في الحدث عبر التصريحات والتحركات والرسائل الضمنية.

ففي رسالة علي خامنئي لهنية -مثلاً- يبدو كما لو أن هنية يعمل في نطاق السياسة الإيرانية، حيث أرسل -بحسب نص الرسالة- إلى خامنئي يحيطه فيها علمًا بتفاصيل الوضع (لنتذكر أن العلاقة هنا هي بين حركة ودولة راعية لها لا دولتين)، وينتهز خامنئي الفرصة بهذه الرسالة المقتضبة ليؤكد على البعد الديني والتقوي المفترَض لدور إيران ومرشدها الأعلى، ولا يمكن التمييز هنا بين أن يكون دور المرشد جهاديًّا إيمانيًّا في فلسطين ولا أخلاقيًّا في سوريا مثلاً. وقد وجدها علي لاريجاني -مستشار المرشد- فرصة لإرسال رسالة لإسرائيل، إذ قال: "إذا كانت المقاومة الفلسطينية أهلكت الإسرائيليين، فلا يمكن أن يفكّروا في مواجهة قوة كبيرة جداً مثل إيران"، بمعنى أنه إذا كانت هذه إمكانيات حركة مدعومة من إيران، فكيف بإمكانيات إيران الدولة؟ وكانت هناك رسالة أخرى موجهة إلى السعودية أيضًا.

وبالعودة إلى لقاء قادة المقاومة -وفيهم حركة الجهاد- بالأسد، ومغازلة حمدان لنظام دمشق عبر قناة إيرانية، فإنه لا يمكننا فهم هذه التحركات إلا في إطار محاولة إحياء ما سمي محور الممانعة (إيران وحلفاؤها) من بوابة غزة، وقد انتكس هذا المحور على وقع الثورات العربية من جهة، ومع جهود التطبيع التي قادتها الثورة المضادة من جهة أخرى. صحيح أن هذا المستجد قد يعطي دفعة قوية لحركات المقاومة الفلسطينية عبر تطويق جهود التطبيع، ولكنه قد يعود بالضرر على السوريين؛ لأنه سيعني انتعاش نظام الأسد سياسيًّا والقضاء على آمال التغيير في سوريا بعد أكثر من عقد من الضحايا والأثمان الباهظة التي دفعها السوريون دمًا ومالاً وشقاءً، فضلاً عن آثاره الأخرى في المنطقة.

وبعيدًا عن سذاجة اعتبار شكر إيران سلوكًا أخلاقيًّا واجبًا، فإن الإشكال هنا -كما قلنا- يتمثل في المضمون السياسي لهذا الدعم، أي في استحقاقات الدعم ومآلاته سياسيًّا، ومن العسر جدًّا الفصل بين تقديم الدعم وبين استثماره السياسي فيما بعد، وهذا يُظهر أن مسألة الشكر تحصيل حاصل؛ إذ إن مجرد الإفصاح عن الداعم ماليًّا وعسكريًّا يجعله -سياسيًّا- شريكًا في هذا النصر، حتى لو لم يشكره أو يثني عليه، وهذا يثير تساؤلين اثنين لهما مضمون أخلاقي:

  1. هل يُشترط الطهارة الكاملة في من يقدم الدعم لقضية عادلة؟
  2. وهل يمكن الفصل بين شكر إيران على دعمها المقاومة في فلسطين وبين تَبِعة أفعالها الإجرامية في غير فلسطين؟

فيما يتعلق بالسؤال الأول، لا يمكن اشتراط طهارة الداعم أو إخلاصه للقضية المدعومة، فدعم المقاومة ضد الاحتلال لا يُشترط فيه أن يكون الداعم مقاومًا (نموذج فلسطين)، كما أن دعم الثورة من أجل الديمقراطية في مكان لا يشترط فيه أن يكون الداعم ثوريًّا ديمقراطيًّا (نموذج الثورات العربية). ولكن هذا لا يحل -في الواقع- معضلة استحقاقات هذا الدعم ومصالح الداعمين التي قد تعود على القضية نفسها أو على قضايا أخرى لصيقة بها بالسلب. ثم إن الاستسلام لعدم تقييد تلقي الدعم من أي جهة كانت من دون قيد ولا شرط سيسوغ تلقي الدعم من أميركا وإيران وإسرائيل بلا فرق؛ ما دام الداعم يؤيد قضيتي لأي سبب كان. بل بناء على هذا، لا يختلف شكر قاسم سليماني "شهيد القدس" -بحسب حماس والجهاد- عن شكر إيران نفسها، ومن جمع بين الشكرين أكثرُ اتساقًا ممن أيد أحدهما وأدان الآخر؛ لأن معيار استحقاق الشكر -في نظر الشاكرين- هو دعم قضية فلسطين، وسليماني كان شخصية محورية في العلاقة بين حركات المقاومة وإيران، والمسؤولَ عن قناة الدعم العسكري للمقاومة، ولكن سليماني تورط في جرائم بحق العراقيين والسوريين وكان يجوب المدن الثائرة ضد الأسد حاصدًا النصر، بعد إحالتها إلى ركام بسبب القصف بالبراميل المتفجرة وبعد مقاتلة مليشيات إيران للسوريين وتهجيرهم.

يعيدنا السؤال الأول إلى المسألة الكلاسيكية التي اختلف فيها الفقهاء قديمًا تحت عنوان "الاستعانة بغير المسلم في الجهاد"، وخلافهم كان يدور -في تقديري- على اعتبارات متعددة: بعضها سياسي ويتضح من وجوه الاشتراط والتقييد للقول بجواز هذه الاستعانة (كأمن الخيانة، ووجود الحاجة، أو كفاية العدد فيما لو انضم الداعم إلى الفريق المعادي أثناء المعركة)، وبعضها عقدي ويتضح من رفض الاستعانة بالمشرك مطلقًا عند مَن رفض، وبعضها أخلاقي ويتضح من خلال قراءة ابن قيم الجوزية للفوائد المستخلصة من صلح الحديبية، وفيها يقول: "كل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مُرْضٍ له: أُجيب إلى ذلك كائنًا من كان؛ ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوضٌ لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس". وهذه الصورة وإن كانت معكوسة (فهي تتناول إعانة غير المسلم أو حتى الظالم على فعل خيِّر)، فإنها تحدد لنا معيارًا مهمًّا قابلاً للتعميم، وهو أن قبول الدعم مشروطٌ بانتفاء الضرر أو الإضرار الغالب (بالمعنى الشرعي)، بل وانتفاء الضرر المساوي أيضًا في رأيي؛ إذ لا معنى للاستعانة لدفع ضرر بتحصيل ضرر مثله؛ فهذا عبث.

ولكن يبقى النظر بعد ذلك في تقدير الموقف السياسي لمعرفة ما يترتب على هذه الإعانة ووزن هذه المفاسد والمصالح (الشرعية). وهنا لا بد من مراعاة الاستثمار السياسي الذي يرتهن إليه كل دعم تقدمه الدولة في عالم اليوم، وهي مسألة حديثة تجب رعايتها عند وزن المصالح والمفاسد، وإلا وقعنا في البراغماتية المحضة التي تسوغ في نهاية المطاف الاستعانة بالشيطان لتحقيق مصلحة قد تكون قاصرة لحركة أو فصيل وقد تكون عامة ولكن موهومة.

وفيما يتعلق بالسؤال الثاني حول إمكان الفصل بين الأفعال الخيرة والشريرة، لا يمكن الفصل بين الثناء على دعم إيران والاستثمار الرمزي في صورة إيران التي تحرص على رسمها لنفسها من خلال دعم المقاومة والركوب عليها لتكون وسيلتها للتمدد داخل الفضاء السني، وهي الدولة التي تعرّف نفسها بأنها شيعية كما تعرف إسرائيل نفسها بأنها يهودية، ودول اليوم تنفق الكثير على حملات العلاقات العامة وصناعة الصورة الرمزية. ولذلك ليس غريبًا أن قناة الميادين الإيرانية زعمت أن حركات المقاومة وجهت لها خطابًا تشكرها فيه على جهودها وتعتبرها شريكة في نصر غزة، وتخص بالذكر "الأستاذ المجاهد غسان بن جدو"، رغم أن نص البيان غامض وبلا أسماء أو بيانات!

وهنا لا بد من توضيح ثلاث نقاط تؤكد فكرة صعوبة الفصل، ليس بين الأفعال فقط، بل أيضًا بين الثناء من جهة والمساهمة المباشرة أو غير المباشرة في حملة العلاقات العامة من جهة أخرى:

الأولى: أنه في التصورات الكلاسيكية الدينية والأخلاقية أن شريك المجاهد مجاهد، والحديث المعروف المؤكد لهذا المعنى هو "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا"، ولكن التطبيقات المعاصرة له -كما في حالة إيران مثلاً- تجعله محل إشكال، وتفرض علينا إعادة التفكير فيه في ظل الدولة الحديثة ومع فكرة الاستثمار (وهي فعل الدولة) التي تقابل فكرة الرياء (الذي هو فعل الأفراد). ولا شك أن مجرد الدعم والبذل المالي والعسكري لا يوجب فضل الجهاد ولا مثل أجر المجاهد؛ بمعزل عن النوايا والمقاصد، ولا بمعزل عن سلوك هذه الدولة الداعمة في الميادين الأخرى، وخاصة أن سلوك الدول يختص بحقوق الناس المبنية على المشاحّة والتي لا يمحوها شيء إلا رد الحقوق نفسها أو المصالحة عليها، ونحن نعرف أن الشهيد نفسه لا يُغفر له ما يتعلق بحقوق الآدميين فكيف بشريكه؟

الثانية: أن الشاكرين لإيران على دعمها يصمتون عن جرائمها، مما يدعم صورتها الرمزية في نهاية المطاف، ويجعل من الشكر مطلقًا لا مقيدًا بفعل دون آخر، فإما أن يَضموا الشكر إلى الذم بحسب كل فعل ومستَحَقه (وهو معنى الإنصاف على وجه الدقة)، أو أن يصمتوا عن الشكر والذم جميعًا. ولو أنصفوا لعلموا أن إيران أحوج إلى دعم المقاومة من المقاومة إلى دعم إيران؛ وذلك أنها بحاجة إلى ذريعة المقاومة لخدمة أهدافها التوسعية القومية والدينية، ولغسيل عارها في سبيل ذلك. ولكن الواقع أن "إعلان" الشكر في فلسطين سياسي كما أن الصمت عن إيران في سوريا وغيرها سياسي أيضًا.

ولا معنى لاستدعاء فقه الضرورة في الاعتذار عن حماس وغيرها؛ لأنه لا ينطبق عليها الضرورة بالمعنى الشرعي أولاً (التي تهدد ضروريًّا من الضروريات الخمسة)، كما أن الضرورة (الإكراه المُلجئ) بالمعنى السياسي غير متحققة أيضًا، ثم إن الضرورة -لو سلمنا بها هنا- تُقَدّر بقدرها، فمن اضطر إلى أكل ميتة لا يأكل منها حدّ الشبع، ولا يتلذذ بها أيضًا؛ لأن المقصود إنما هو تحصيل القدر الذي يحفظ بقاء النفس ولكن ليس على حساب نفس أخرى، ولنتذكر أنه تم رفع صور سليماني -مثلاً- في غزة وفُتح عزاء له أيضًا!

الثالثة: أن أحد المكاسب الكبرى التي حققتها المقاومة في المعركة الأخيرة، هي توحيد الصف الوطني الفلسطيني واستعادة البعد العربي والإسلامي والإنساني للقضية الفلسطينية، ولكن الإلحاح على إظهار البعد الفصائلي وإبراز الفضل الإيراني في ذلك، يعيدنا إلى الافتراق والانقسام مجددًا، ويَفُتّ في عضد الدعم الإنساني الذي توفر لها؛ لأن صورة إيران دوليًّا سلبية. والفعل إن ترتب عليه فتنة أو ممالأة للظالم أو تقوية لظلمه -بشكل من الأشكال- فإن ذلك يُخل بأخلاقيته وإن كان -في ذاته- مباحًا أو جائزًا، وهو ما يعيدنا مجددًا إلى الشرط الذي سبق عن ابن القيم.

ثمة مشكلتان أساسيتان تحكمان هذه العلاقة -المربكة أخلاقيًّا وسياسيًّا- بين حركات المقاومة وإيران:

أولاهما: نظرية تتعلق باستثنائية القضية الفلسطينية، فهي عقدية على المستوى الإسلامي (وهو أساس فكرة تمثيل حركات المقاومة للمسلمين ونيابتها عنهم)، وهي -إلى ذلك- فلسطينية على المستوى الوطني، بمعنى أن حدود ومجال عملها هو فلسطين فقط (وهو أساس تبرير صمت حركات المقاومة عن ممارسات إيران والأسد). وقد عالجت هذا الإشكال في مقالي المشار إليه حول "التناقض بين الأخلاقي والسياسي لدى حركات المقاومة".

ثانيتهما: عملية تتصل بتوفير الدعم العسكري تحديدًا والذي إنما تحضر إيران بواسطته، وقد بات مركزيًّا في موضوع المقاومة، حيث تتأسس أيديولوجيا هذه الحركات على أساس المقاومة المسلحة، وكلما تطور السلاح ضاقت حرية القرار وعظمت الخسائر البشرية والمادية؛ لأن قدرة سلاح العدو على التدمير في عالم اليوم أكبر بما لا يقاس، والتسليح غربي أساسًا. مع الإقرار بأنه -وبحكم التجربة- لا يمكن تحرير الأرض بمقاومة سلمية محضة ومن دون موازين قوى طويلة النفس في مركزها الإرادة الصادقة.

وعلى أساس المشكلة الأولى تُبنى أولوية مقاومة إسرائيل على مقاومة غيرها، وثانوية كل القضايا وخصوصيتها بالمقارنة مع القضية الفلسطينية، وهو ما يثير سؤالاً مهمًّا حول كيفية الموازنة بين تكافؤ الدماء (سواءٌ سفكها محتل أم مستبد) وبين التفاضل بين القضايا (فلسطين وما عداها). وفي المثال الكلاسيكي المعروف بقضية "تترس الكفار بالمسلمين" أثيرت مسألة المفاضلة بين النفوس، وإنما أجازوا قتل المُتَتَرَّس بهم وإن كانوا مسلمين؛ لمقصد حفظ الجماعة؛ ما دامت المسألة متعلقة بمرتبة الضروريات فقط، وإلا ففي إباحة قتلهم لتحصيل حاجي أو تحسيني إشكال كبيرٌ، وهذا يدفعنا إلى التفكير بالوسائل الحديثة حول التترس بالقضايا العادلة لاستباحة الدماء والنفوس، كما فعلت إيران وحزب الله تحديدًا في سوريا بحجة حماية محور المقاومة.

وفي المفاضلة المعتادة بين الاحتلال والاستبداد تُساق عدة حجج، ولكن أساس الإشكال اليوم في تقديري أننا نختلف حول العلاقة بين تحرر فلسطين والتحرر من الاستبداد، وأيهما يأتي أولاً؟ وهو ما يعيدنا إلى التداخل بين الاحتلال والاستبداد، فالاحتلال يقوم بالاستبداد، والاستبداد يتقوى على بقاء الاحتلال، وقد أرجأت أنظمة الاستبداد أي إصلاح لعقود؛ بحجة أولوية مقاومة المحتل، وإلا فكيف نفسر اليوم اتفاق إيران وإسرائيل على بقاء نظام الأسد في سوريا مثلاً.

نعم يمكن التمييز -من الناحية السياسية- بين إيران وإسرائيل عبر القول: إن إيران جزء أصيل من دول المنطقة في حين أن إسرائيل دولة وظيفية زُرعت بالقوة، ولكن هذا القول المحتكم إلى منطق الدولة وصورة الجغرافيا السياسية الحديثة، يختلف عن المنطق الأخلاقي في تقويم الأفعال أصالة، فدعم مقاومة الاحتلال لا يجعلني أغض الطرف عن السلوك الإجرامي لهذا الداعم في أماكن أخرى؛ وإلا سنستسلم لمنظور براغماتي محض.

ثم إن منطق الدولة نفسه، يوقفنا على أن وجود إيران في العراق واليمن ولبنان وسوريا وجود أجنبي توسعيّ، وأن مصالحها القومية تشكل تهديدًا وجوديًّا لدول المنطقة كما هو واضح منذ سقوط العراق 2003، وهو تهديد سياسيّ وقوميّ وطائفيّ، بمعنى أن وجه المقارنة بين إسرائيل وإيران لا يجب أن يقتصر -فقط- على شرعية الوجود التاريخي؛ رغم أن الدولة الإسرائيلية تقوم على ادعاء شرعية تاريخية أيضًا، بل المقارنة تقوم على أساس موازين الخطر والتهديد الواقع والمتوقع من جهة، وعلى أساس تقويم سلوك وأفعال هاتين الدولتين من جهة أخرى، فضلاً عن أن أوجه التشابه بين إيران وإسرائيل عديدة؛ لجهة كونهما دولتين دينيتين (يهودية وشيعية) تقومان على ادعاء تمثيل اليهود (بالنسبة لإسرائيل) والشيعة (بالنسبة لإيران)، ولجهة التأسيس على ادعاءات تاريخية (دولة كسرى، ودولة داود)، ولجهة المنزع القومي فيهما، ولجهة التنافس بينهما على الدور الإقليمي.

وعلى أساس المشكلة الثانية، قد يتم اختزال المقاومة في جناحها العسكري، ومن ثم إضفاء دور مركزي على التسليح الإيراني الذي يؤسس لشراكة إيران. وبحكم التجربة منذ تنظيمات الجهاد مرورًا بحركات المقاومة ثم الثورات، يعتبر التسليح معضلة حقيقية في ظل عالم اليوم، لجهتين: الأولى: جهة فاعليته في الحسم وإنجاز التحرير الكامل، وإن كان فاعلاً في المقاومة لإبقائها حية وقادرة على إيلام العدو وتنغيص مهمته، والثانية جهة الاشتراطات والتقييدات التي تحيط بعملية التسليح الخارجي. ولا شك أن الإرادة والرجال أهم من السلاح، وإلا فماذا فعلت أسلحة الدول، وماذا فعلت أسلحة إيران نفسها في إسرائيل من دون وكلائها الموزعين خارج حدودها؟

أعرف أن ثمة مشكلة في الجمع بين النظري والعملي في مقاربة السياسي والأخلاقي لدى حركات المقاومة ذات الأهداف العملية والمباشرة، وهي تجد نفسها ضمن إكراهات سياسية معينة بخصوص الشراكة مع إيران يفرضها الواقع السياسي والأيديولوجيا، ولكنني أدرك أيضًا أن ثمة تناقضًا حقيقيًّا يصعب حله بين تحالف المقاومة الفلسطينية مع إيران، والإرث المرّ لعلاقة اللبناني والسوري والعراقي واليمني بإيران التي خبروا خلالها فداحة الإجرام الإيراني، ومن العسر جدًّا تجاوز المقاومة هذا الشرخ، وحسبي أنني شاركت القارئ التفكير في هذه القضية وأسئلتها المختلفة، ونحن بحاجة إلى النقاش في "كيفية" إدارة هذه التناقضات دون الوقوع في فخ التمركز حول "قضيتي" وهامشية أو لا أهمية "قضيتك"؛ مع أن كلا القضيتين تتأسسان على مبدأ واحد أيًّا كان توصيفك له، ولا عزة لأحد مع وجود احتلال أو استبداد.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة