حين كتبت روايتي من داخل القدس

ما يجري في فلسطين من عدوان للمحتل الإسرائيلي يُصيبني بأسى مضاعف؛ ذلك لأنني أعرف بعض تلك الأماكن التي تشهد الأحداث الحالية، معرفة قريبة؛ فقد كنتُ محظوظا بما يكفي لأتلقّى دعوة من وزارة الثقافة الفلسطينية لزيارة فلسطين، والمشاركة في مؤتمرها الثاني للرواية منتصف عام 2017.

والحظ العميم هنا لم يتوقف عند فكرة الزيارة وحدها، بل لأنني لحظة تلقّي الدعوة كنتُ منخرطًا بكلّيتي في كتابة "رغوة سوداء"، روايتي التي تحكي قصة يهود الفلاشا الذين انتزعتهم إسرائيل من إثيوبيا، وأعادت توطينهم لديها، وهو ما كان يستدعي أن تجري معظم الأحداث في فلسطين. لذا سرعان ما توقفت عن الكتابة وانتظرتُ حلول الوقت، ذلك لأنه لا مجال بالطبع للمقارنة بين الكتابة عن المكان من خارجه، وبين تلك الكتابة المتماسّة مع تفاصيله والممتزجة بروحه.

كنتُ أنا الكاتب مذهولاً بالقدس، بالتاريخ يضوع من كل شبر فيها، أتأمل الناس والأشجار وحجارة الطريق، وأشعر بانتماء لكل ما أمرّ به للمرة الأولى. مررتُ بحيّ الشيخ جراح ودخلت أحد بيوته ضيفًا على صديقة فلسطينية، وتوقفتُ مطولا عند باب العامود، حيث العتبات الحجرية العتيقة التي تُغري بتأمل يغوص في تاريخ سحيق لكل الذين مروا من هناك

لكن ما لم يكن في حسباني هو حجم العنت الذي سأقابله وأنا أحاول وضع الحدود بيني وبين الشخصية الرئيسية التي أكتبها؛ فبطل الرواية "داود أو ديفيد" أو "داويت" شخص منبتّ عن العلائق السياسية والثقافية والاجتماعية التي قد تربطه بالأرض الجديدة التي ينزلها للمرة الأولى، لا شيء يعنيه غير النجاة بنفسه من حياته السابقة بالغة السوء؛ فهو الإريتري الذي هرب من جحيم بلاده إلى الجارة إثيوبيا، حيث مخيمات اللاجئين، لكن تلك الرحلة لم يكتب لها التمام، وقد بدا المخيم شكلا آخر من العذاب؛ لذا لم يفكّر مرتين حين وجد فرصة للتسلّل إلى مخيم يهود الفلاشا الذين كانوا على وشك الرحيل إلى القدس برعاية وكالات يهودية عالمية، وبصفقة سياسية تورّطت فيها دول إقليمية.

هذا البناء الحكائي المتقلّب من نار إلى نار تطلّب بناء نفسيًا صارمًا لجهة الانزياح عن كل قيمة عدا فكرة النجاة، فلا انتماء في الأرض الجديدة، لا للوطن ولا للبشر ولا للمقدسات.

في المقابل، كنتُ أنا الكاتب مذهولاً بالقدس، بالتاريخ يضوع من كل شبر فيها، أتأمل الناس والأشجار وحجارة الطريق، وأشعر بانتماء لكل ما أمرّ به للمرة الأولى. مررتُ بحيّ الشيخ جراح ودخلت أحد بيوته ضيفًا على صديقة فلسطينية، وتوقفتُ مطولا عند باب العامود، حيث العتبات الحجرية العتيقة التي تُغري بتأمل يغوص في تاريخ سحيق لكل الذين مروا من هناك. قبل أن أعبر الأزقة المزدحمة بالناس وملامحهم التي لا تخطئها عين وسط أفواج السياح، وتلك اللهجة المقدسية التي يقترب فيها حرف القاف من الهمزة، والثاء من السين أو التاء. قبل أن أصل إلى قبة الصخرة في اتجاهي صوب المسجد الأقصى. تلك الرحلة العامرة والعصية على النسيان، كونها لا تحدث لكل أحد، وإن حدثت فلا ضمانة لتكرارها غالبًا.

أما بطلي فكان يجب أن يجوب تلك الأماكن خلوًا من أيّ شعور إلا ما يتسق مع بحثه عن المأوى، فلا البيوت الحجرية البيضاء في حي الشيخ جراح تعني له شيئًا، ولا مدرجات باب العامود وهي تمتد على هيئة نصف دائرة تسترعي انتباهه، وما الناس إلا آخرون ينبغي تجنبهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وحتى حين يرتبك تحت سطوة حضور الأماكن المقدسة يقاوم شعوره المضطرب حتى يعود إلى حياده الفاتر وانعزاله النفسي عن كل ما يحيط به.

الآن حين أسترجع كل تلك المعاناة في كتابة شخصية متجردة من الإحساس بعظمة فلسطين، أشفق على بطلي وقد حرمته حقًا من أكثر الأماكن أصالة. فلسطين، المكان الحقيقي جدًّا، والعامر بالحياة رغم كل محاولات الاحتلال لقتله في عقولنا وقلوبنا نحن قبل الفلسطينيين، كما أُشفق على حالي أيضًا، وقد قصرت كل محاولات الكتابة عن مطاولة عظمة وجمال المكان وناسه.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة