نظرات وعبرات | صناعة العدو وصناعة الصديق (3)

(غيتي إيميجز)
(غيتي إيميجز)

الأحداث البطولية، التي تشهدها القدس وساحة الأقصى الشريف هذه الأيام، ليست على مزاج قادة الكيان الصهيوني، ولا رغبتهم، بسبب ما تلحقه هذه الأحداث من ضرر كبير وأذى شديد، بعملية صناعة الصديق الصهيوني ومشروعه الإستراتيجي للشرق الأوسط الجديد. وستعمل القيادة الصهيونية على الخروج من هذا المأزق بالسرعة الممكنة، حيث من المتوقع إذا تأخرت عملية احتواء هذه الأزمة أن تنفجر الانتفاضة الثالثة في عموم فلسطين المحتلة، محدثة خلطاً كبيراً للأوراق السياسية على كل المستويات، فلسطينياً وصهيونياً وعربياً ودولياً، وراسمة فصلاً جديداً في القضية الفلسطينية تتغير فيه الوجوه والاتفاقيات، فهل تتقدم قيادات المقاومة الفلسطينية خطوتين إلى الأمام؟

ماذا لو أن الأنظمة العربية، تعاملت مع جماعات "الإسلام السياسي" وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، بالروح ذاتها التي تعاملت بها لإبرام اتفاقيات السلام مع "الكيان الصهيوني" بدلاً من تحويلها إلى عدو وهمي، تخدع به شعوبها وتقنعهم بأنه العدو الأكبر الذي يهدد استقرار المنطقة؟

تناولنا في المقالين السابقين كيف تمت عملية صناعة "العدو الإخواني" ليحل محل "العدو الصهيوني". هذه العملية التي كانت تتم بالتزامن مع عملية صناعة "الكيان الصهيوني" دون أن ينتبه إليها كثير من الناس، فحينما كانت تصدر التصريحات الغريبة لمسؤولين في بعض الدول العربية تشدد على أن دولة "الكيان الصهيوني" لا تشكل خطراً على الدول العربية.

وحينما بدأت حملة الاعتقالات والإجراءات التعسفية والقمع تطال الآلاف من المواطنين العرب بعد نجاح الانقلاب على الديمقراطية في مصر عام 2013، بتهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين أو جماعات "الإسلام السياسي" وحينما أصدرت بعض الدول العربية قوائمها بالجماعات والمنظمات الإسلامية المصنفة إرهابية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، لم ننتبه حينها أن هذه التصريحات والإجراءات كانت لبدء عملية صناعة "العدو الإخواني" ليس لأن جماعة الإخوان المسلمين تهدد استقرار الدول العربية، بل لإفساح المجال لعملية صناعة "الصديق الصهيوني" على أنقاضها. فما أهداف هذه الصناعة؟ وما الأسس التي تقوم عليها؟ وما مراحلها؟ وما النتائج المترتبة عليها في حالتي النجاح والفشل؟

 أهداف صناعة "الصديق الصهيوني"

تعددت مستويات الأهداف المرجو تحقيقها من عملية تحويل "العدو الصهيوني" إلى صديق للدول العربية وشرائحها النخبوية، بسبب تعدد وتنوع الشركاء المعنيين بهذه العملية، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، ونلخص أبرز هذه الأهداف فيما يأتي:

  • التعجيل في إطلاق مشروع "الشرق الأوسط الجديد" وتعزيز فرص نجاحه.
  • تشجيع بقية الدول العربية والإسلامية على التطبيع مع "الكيان الصهيوني" والدخول في المشروع.
  • إطلاق عملية التطبيع الشاملة، وإنهاء الحالة العدائية المزمنة بين "الكيان الصهيوني" والمحيط العربي والإسلامي.
  • تسييل العقد النفسية لدى النخبة العربية، لتسويغ تطبيعها مع "الكيان الصهيوني" وانخراطها في المشروعات الغنية القادمة في "الشرق الأوسط الجديد".
  • المساهمة في تنشئة أجيال جديدة لا تتغذى على العداء والكراهية مع "الكيان الصهيوني".
  • تركيز الجهود على مواجهة "العدو الإسلامي الإرهابي" الذي تمت صناعته منذ أكثر من 30 عاماً، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وما زالت عملية تغذيته مستمرة.
  • استفادة الأنظمة العربية المستبدة من قدرات "الكيان الصهيوني" الأمنية في التعرف على خصومهم ومعارضيهم ومنافسيهم، وتوجيه الضربات القمعية الاستباقية لهم.
  • رغبة بعض الدول العربية في زيادة استفادتها من "الكيان الصهيوني" في مجالات الاستثمار والأمن والمعلومات والتكنولوجيا.
  • إرضاء الراعي الأميركي، وإغراؤه بزيادة دعمه للأنظمة العربية الحاكمة المستبدة، وغض النظر عن سلوكياتها الاستبدادية وممارساتها القمعية.

الأسس التي تقوم عليها عملية صناعة "الصديق الصهيوني"

تتسم هذه العملية بالصعوبة البالغة، نظراً لأنها تتعامل مع عدو حقيقي وليس مصنوعاً، ويوجد بينه وبين دول المنطقة تاريخ طويل من الاحتلال والحروب والدماء والانتهاكات والمآسي التي تربت عليها أجيال عربية متعاقبة. إلا أن الممارسات القمعية التي تلجأ إليها الأنظمة المستبدة في بعض الدول العربية قادرة على الشروع في صناعة هذا الصديق، معتمدة في ذلك على ما يأتي:

  • الكذب فيما تقدمه من معلومات غير صحيحة عن "الكيان الصهيوني".
  • قلب الحقائق الخاصة بأسباب العداء مع "الكيان الصهيوني" وإلقاء المسؤولية على الضحية.
  • الإملاء الفوقي الموجه، لكافة المؤسسات الإعلامية والثقافية، للمساهمة في صناعة الصورة الجديدة، دون تردد أو مراجعة.
  • تضليل الشعب بالحديث عن الأسباب غير الحقيقية وراء هذه الصناعة.
  • المبالغة في أهمية هذه الصناعة، وما سيترتب عليها من فوائد على الدولة والمواطنين.
  • القمع لكافة الأصوات المعارضة لعملية الصناعة، وعدم السماح بالنقد.

وقد اعتادت الشعوب العربية الخاضعة لأنظمة حكم استبدادية على مثل هذه الممارسات، التي سرعان ما تنهار مكتسباتها مع أقرب تغيير سياسي في قيادة هذه الأنظمة، وخاصة ونحن نعيش سياق تاريخي، الكلمة العليا فيه تثبيت الأنظمة المستبدة للخارج، وليس للإرادة الوطنية والشرعية الدستورية.

مراحل صناعة "الصديق الصهيوني"

تمرّ عملية صناعة "الصديق الصهيوني" بعدة مراحل، في مقدمتها:

  1. تفكيك العداوة:

فقبل الشروع في صناعة "الصديق الصهيوني" لابد من تفكيك العداوة المعجون بها، والمتمثلة في كونه كيانا محتلا لأرض فلسطين العربية وفيها المسجد الأقصى أولى القبلتين، وقام بالعديد من المجازر بحق الأمة العربية، في فلسطين ولبنان وسوريا ومصر، ويمتلك سلاحاً نووياً يهدد المنطقة العربية بأسرها، وغير ذلك من الجوانب التي لا تجهلها الشعوب العربية.

وتقوم عملية التفكيك على 3 ركائز أساسية، الأولى: قلب الحقائق، وتبني الرؤية الصهيونية الخاصة بحقائق وأكاذيب (عن) القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، والثانية: تبرير الحروب التي كان يشنها، والجرائم التي يرتكبها، والممارسات العدوانية التي يقوم بها يومياً في فلسطين المحتلة، والثالثة: إظهار المظلومية التي يعيشها "الكيان الصهيوني" تمهيداً لتحقيق التعاطف معه رغم اعتداءاته وجرائمه، بذريعة أنه يقوم بها دفاعاً عن النفس.

2. التأييد الشرعي:

حيث تتصدر المؤسسات الشرعية ورؤساؤها وكوادرها في الدولة بإصدار البيانات والفتاوى التي تؤيد الصلح مع "الكيان الصهيوني" وإنهاء العداء معه، والالتفات إلى العمل المشترك الذي يحقق استقرار الدولة ومصلحة الشعب.

3. التبني الإعلامي والثقافي والتعليمي:

توجيه وسائل الإعلام والمنابر الثقافية والمؤسسات التعليمية للقيام بما يتوجب عليها من تغييرات في السياسات التحريرية والمصطلحات والموضوعات والمناهج وطرق التدريس، بما يتناسب مع عملية هذه الصناعة.

4. لغة المصالح:

الإكثار من الحديث عن المصالح والمكاسب المترتبة على الصداقة مع "الكيان الصهيوني" دون السماح مطلقاً بأي حديث عن المخاطر المترتبة على هذه الصداقة، بل وتخوين من يقوم بذلك، واعتباره يعمل ما يخالف رأي الزعيم القائد، ويعمل ضد مصلحة الوطن والشعب.

5. الاتفاقيات التنفيذية الثنائية:

إبرام الاتفاقيات الثنائية في المجالات المختلفة بما يسمح للمواطنين من مختلف الشرائح بالتعامل مع هذا الصديق في كافة المجالات، دون أي تبعات سياسية أو قانونية.

6. تبادل الزيارات والتفاهمات:

السماح للشعب بزيارة "الكيان الصهيوني" الذي أصبح صديقاً، والتجول في طرقاته وأسواقه، والتعرف على عاداته، وإبرام التفاهمات ذات المصالح المتبادلة معه في المجالات المختلفة.

7. المديح والثناء:

كيل المديح والثناء للصديق الجديد على أخلاقه، ورقيه، وتحضره، وحسن تعامله، وترحيبه، وروعة مأكولاته، والترابط اللغوي والديني معه.

8. تعميم التطبيع:

التوجيه بتعميم التطبيع مع الصديق الجديد في كافة المجالات وعلى كل المستويات، وتعديل كافة السياسات والتشريعات السابقة التي كانت تحظر هذه الأنشطة، وتتهم صاحبها بالخيانة الكبرى.

بعد توقيعه اتفاقية السلام مع "الكيان الصهيوني" قبل أكثر من 40 عاماً، قام النظام الحاكم في مصر بعملية مماثلة لتحويل "العدو الصهيوني" إلى صديق. وبين عشية وضحاها، تغير كل شيء لصالح الصديق الجديد: في السياسة والتجارة والسياحة والإعلام والتعليم والثقافة والفن وحتى لغة الشارع. ولكن، ما هي إلا سنوات قليلة، حتى عادت بعدها لتعض أصابع الندم، ولكن بعد فوات الأوان.

والسؤال الذي نختم به هذه السلسلة: ماذا لو أن الأنظمة العربية تعاملت مع جماعات "الإسلام السياسي" وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، بالروح ذاتها التي تعاملت بها لإبرام اتفاقيات السلام مع "الكيان الصهيوني" بدلاً من تحويلها إلى عدو وهمي، تخدع به شعوبها وتقنعهم بأنه العدو الأكبر الذي يهدد استقرار المنطقة. هل ستكون بحاجة إلى مخالفة سنن التاريخ وتفكيك "العدو الصهيوني" وتقديمه كصديق للأمة العربية بعد كل ما فعل بنا، وما زال يفعل؟؟ (انتهى)



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة