هل لا يزال «الإسلام هو الحل» بعد كورونا؟ .. رؤية إسرائيلية

(رويترز)
(رويترز)

محددات 4 تحكم مستقبل الإسلام في منطقتنا، ولا أقصد الإسلام كدين؛ لكن الخطابات الإسلامية المتنوعة وتبدياتها المختلفة؛ والمحدد الأول هو قدرتها على التجديد في مواجهة المأزق الأيديولوجي والواقعي، الذي انتهت إليه جميعا بعد عقد من الربيع العربي، والمحدد الثاني هو مدى ارتباط ذلك أيضا بنتائج الصراع الإقليمي الدائر بين المحاور المتشاكسة، والذي يتسم بالسيولة وعدم اليقين وإعادة التموضع بين أطرافه الرئيسة.

والثالث أن التطورات العالمية تأتي من جهة علاقتها بالمنطقة، وما تطرحه من تدفقات تغير طبيعة العالم، خاصة في مرحلة ما بعد كورونا، الذي يعد من وجهة نظري المحدد الرابع الأخير. في مقال "نحو "حل جديد؟ .. الأيديولوجيات الإسلامية في الشرق الأوسط ..عقد بعد الانتفاضات".

 

ما يزال الإسلام لديه القدرة على اجتذاب الشرق الأوسط اليوم، كما أن طريقة تعامل الميول الفكرية الإسلامية المختلفة مع الأزمات المتعددة، التي تواجه المنطقة في السنوات القادمة، ستؤثر على الدور المتطور للدين في المنطقة على المدى الطويل.

يناقش الباحثان دوف ديل وسارة فوير بشكل مستفيض المأزق الأيديولوجي في علاقته بالواقع لدى 4 أشكال للأيديولوجيا الإسلامية في المنطقة.

  • أطروحة الإخوان المسلمين بمظاهرها المتعددة.
  • المؤسسات الدينية السنية.
  • السلفية الجهادية.
  • وأخيرا يأتي الإسلام الشيعي ليكمل المشهد.

المقال به مناقشة مستفيضة للمحدد الأول، ولا يعني ذلك بالضرورة غياب المحددات الثلاثة الأخرى؛ لكنه ترك مناقشتها لمقالات أخرى تضمنها الإصدار الذي يمثل -من وجهة نظري- أهم ما يمكن أن تقرأه بشكل إستراتيجي عن مرور عقد على الربيع العربي.

بالطبع حمل الإصدار (وهو جهد تعاوني من "معهد دراسات الأمن القومي" (INSS) ومركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب) الكثير من التحيزات الإسرائيلية الواضحة من أول المصطلح المستخدم حين استخدم لفظة "الاضطرابات" للدلالة على الربيع العربي، مرورا بالمنظور السائد للمنطقة باعتبارها تعاني من عدم الاستقرار المزمن، انتهاء بالغائب والحاضر في محاور الاهتمام التي غاب منها إدراك جوهر الربيع العربي بالنسبة لشعوب المنطقة باعتباره تطلعا لعقد اجتماعي جديد يقوم على الحرية والعدالة الاجتماعية.

في حين دارت الأبحاث وتركزت في موضوعين كبيرين؛ الأيديولوجيا/البعد الثقافي ويقصد به الحركات الإسلامية بتنويعاتها المختلفة، وما يرتبط بذلك من صراع سني شيعي، بالإضافة إلى تطورات النظام الإقليمي في تأثيره على الكيان الصهيوني، وفي علاقته بالوضع الدولي ما بعد كورونا؛ لكن تظل ميزة الإصدار الخاص أنه جمع بين مستويات متعددة من التحليل، وتنوع في المناهج المستخدمة مما يسمح لمتخذ القرار الإسرائيلي بمراعاة الأبعاد المركبة لما يجري في المنطقة، كما أن الدراسات راعت التطورات المتعلقة بتأثيرات كورونا التي أضيفت إلى تراكمات عقد من الفترات الانتقالية في المنطقة.

لماذا الخطابات الإسلامية

ينطلق الباحثان من إدراك وتوصيف التحديات المشتركة، التي واجهت الأطروحات الإسلامية جميعا، والتي من بينها:

  1. اتساع الفجوة بين الطرح الأيديولوجي الإسلامي والطلب العام عليه، الذي يرجع جزئيا إلى تعزيز الهوية الفردية على حساب الهويات الجماعية (الدينية، والقومية، والعرقية، والقبلية).
  2. تحول في الأجيال واختفاء آخر "المستنيرين العظماء" أو انسحابهم.
  3. صعوبة التنافس مع تدفق المحتوى بفضل التكنولوجيا، التي جعلت معظم الفصائل الإسلامية لم تدخل بعد ساحة الصراع المعرفي الأساسي لعقول الجمهور في الشرق الأوسط.
  4. الفشل في ترجمة الرؤية إلى واقع.

إلا أن هذه التحديات -وفق رؤية الباحثين- على الصعيدين الفردي والمشترك، التي دفعت الحركات الإسلامية إلى أزمة فكرية ودوامة أيديولوجية، ما يزال الإسلام لديه القدرة على اجتذاب الشرق الأوسط اليوم، كما أن طريقة تعامل الميول الفكرية الإسلامية المختلفة مع الأزمات المتعددة، التي تواجه المنطقة في السنوات القادمة، ستؤثر على الدور المتطور للدين في المنطقة على المدى الطويل.

مأزق الأطروحة الإخوانية

يؤكد الباحثان في تقويمهما الإستراتيجي لهذه الأطروحة أن "الإسلام السياسي السني منذ الاضطرابات (يقصد الربيع العربي) يسقط؛ لكن لا يخرج من الساحة. ويضعان أيديهما على المأزق الأساسي، الذي يواجه هذه الأطروحة منذ هزيمة جماعة الإخوان في 2013 -على حد وصفهما- وهو الانقسام التنظيمي وانعدام الوحدة الأيديولوجية بين الأحزاب الإسلامية، التي تتأسس على هذه الأطروحة؛ فالانقسامات نابعة إلى حد كبير من الخلافات حول استخدام القوة، وتبرير العنف -كما ظهرت في الحالة المصرية بعد 2013، وأهمية الهوية الإسلامية فوق القومية بالنسبة للهويات والقضايا الوطنية الخاصة، كما انعكس ضعف هذا المعسكر في تراجع الدعم الشعبي برغم أنه يحتفظ بقاعدة مؤمنة من المؤيدين بين السكان العرب، يقدرها الباحثان بالربع استنادا إلى استطلاعات الرأي العام.

شهدت السنوات 2013-2020 ظهور فصيلين رئيسين داخل المعسكر الإسلامي السياسي السني؛ الأول والأكثر تماسكا يكمن في محور تركيا وقطر وغزة، والثاني أقل تماسكا وينعكس في الأحزاب الإسلامية التي ما زالت تشارك في الأنظمة السياسية لدول مثل الأردن وتونس والمغرب.

ينبع الانقسام بين الفصيلين بشكل أساسي من التركيز النسبي على الهوية الإسلامية الشاملة، مقارنة بالهويات الوطنية والاهتمامات المحلية.

يطرح الباحثان المفارقة التاريخية التي تواجه الأحزاب الإسلامية "فكلما تخلت هذه المنظمات عن هويتها ومبادئها الإسلامية، زاد نجاحها في احتلال مواقع على الخريطة السياسية لبلدانها، في حين أن الثمن الذي دفعوه حمى هذه المنظمات من الاضطهاد الحكومي؛ لكنه كلفها أيضا الدعم العام، حيث أصبحت شرائح متزايدة من السكان إما تربطها بحركات أكثر تطرفا مثل داعش، أو وجدت صعوبة في الإشارة إلى ما تبقى من (الإسلاموية) الأصلية لهذه الأحزاب".

تعاني السلفية الجهادية -إذن- من ارتباك أيديولوجي عميق؛ نتيجة التراجع الحالي، الذي يدور حول انهيار الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، والذي حدث بعد سنوات من النجاح

مؤسسات الإسلام الرسمي

منذ بداية عام 2011 -ولا سيما في ضوء صعود (وسقوط) الإخوان المسلمين في مصر وداعش- كان الإسلام السني الرسمي أو المؤسسي (أي المؤسسات الإسلامية التابعة لهيئات الدولة) تسعى إلى تعزيز شرعيتها في أعين الجمهور، كجزء من إستراتيجيات البقاء الأوسع للأنظمة.

قامت خطابات هذه المؤسسات على عدد من المرتكزات أهمها معارضة واضحة للإخوان المسلمين، والتأكيد (وتفضيل) الهوية الوطنية على الهوية الدينية عبر الوطنية، وتعزيز حقوق الأقليات الدينية، وكذلك المبادرات بين الأديان حين سعت بعض الدول إلى تصدير خطاب ديني أكثر "اعتدالا" خارج حدودها، وأخيرا مناهضة التطرف العنيف المتمثل في جماعات السلفية الجهادية.
لكن هذه المؤسسات رغم أدوارها المطلوبة لم تستطع أن تتجاوز مأزقها التاريخي المتمثل في تبعية متبادلة بينها وبين الأنظمة الرسمية، والتي تُظهر حاجة النظام إلى اكتساب الشرعية من الإسلام المؤسسي، ورغبة المؤسسات الإسلامية في الحصول على دعم النظام. هذه التبعية وإن كانت دليلا على العلاقات المعقدة بين الحكام وتأسيس الإسلام؛ إلا أنه يبدو أن هذا الاعتبار يقوض مصداقية هذه المؤسسات؛ ففي بعض الحالات، فُسرت الجهود المبذولة للترويج لخطاب ديني "معتدل" على أنها خضوع للضغوط الغربية، وإلى حد ما، تستخدم الدول العربية بالفعل مصطلحات مثل "الإسلام المتسامح" للاقتراب من الدول الغربية، وفي حالات أخرى، لا شك في أن الحكام يطبقون إصلاحات دينية لإضعاف مراكز القوة والسلطة المتنافسة.

السلفية الجهادية بعد حلم الخلافة

خلقت أيديولوجيا السلفية الجهادية نوعا من الازدواجية -على حد تعبير الباحثين-ازدواجية الجاذبية والرفض في المجتمع الإسلامي الأوسع؛ فهذه الأيديولوجية تستغل الصراع الداخلي القائم بين بعض المسلمين حين تقدم لهم حلا لاعتراف مقلق بأن العالم الإسلامي يتخلف عن الغرب منذ قرون، وهنا يأتي الحل الجهادي؛ الترويج الفعال لتغيير هذا الواقع وإعادة الإسلام إلى "الجانب الصحيح من التاريخ". هذا الفكر يتمتع بجاذبية كبيرة ويستقطب الدعم السلبي حتى من قطاعات عريضة من الجمهور لا تشارك بنشاط في القتال؛ إلا أن هذا الحل النظري والعملي الذي تقدمه السلفية الجهادية -خاصة بعد سقوط داعش- محفور في الوعي الإسلامي الأوسع كنموذج فاشل آخر، مثل الأفكار الأخرى التي تم تداولها في المنطقة على مدى العقد الماضي.

تعاني السلفية الجهادية -إذن- من ارتباك أيديولوجي عميق؛ نتيجة التراجع الحالي، الذي يدور حول انهيار الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، والذي حدث بعد سنوات من النجاح، فعندما بدا أن الزخم سيستمر، على خلفية الظروف الإقليمية والدولية التي كانت مثالية للأوساط الإسلامية المتحمسة لإنشاء "الخلافة"؛ إلا أن السقوط على أرض الواقع كان شديدا، ويجد المنتمون والمتحمسون لهذا الطرح صعوبة أكبر بكثير في تفسير أن هذا مجرد نكسة مؤقتة في طريق الخلاص.

خلاصة مأزق هذه الأطروحة تتأتى من "قمة التحقق مع قمة الفشل"؛ فقد تم الكشف -وفق الباحثين- عن مقامرة تنفيذ الجهاد "حتى النهاية" على أنها خطأ؛ ليس فقط لأنها حشدت المجتمع الدولي ضد "الدولة الإسلامية"، ولكن أيضا بسبب الخوف المعرفي الذي تركته في الشرق الأوسط.

الإسلام الشيعي: من الثورة إلى الانحدار الأيديولوجي

أدى استيلاء رجال الدين الشيعة على السلطة من الخميني إلى تحويل نهج الأقلية القائم على المظلومية التاريخية وغيبة الإمام إلى العنصر المفاهيمي المهيمن، من حيث الربط بين الدولة/السلطة وبين الخطاب الشيعي، وكانت النتيجة مأسسة الخطاب -أي تحوله إلى مؤسسة- وقد ترتب على ذلك ركود وانحطاط الفكر الديني في مدارس قم ومشهد، على حد قول الباحثين.

كما نمت الصلة السياسية بين الشيعة وإيران وصارت أكثر إحكاما، وأصبح الخطاب الشيعي خارج إيران – أيديولوجيا وسياسيا- رد فعل على إملاءات المؤسسة الدينية الإيرانية، كما أدى الاتصال المباشر (أو بالأحرى الابتلاع) بين النظام الإيراني والمسلمين الشيعة في العالم العربي (والعالم الإسلامي بشكل عام)، والذي كان محدودا في السابق بسبب الاختلافات في اللغة والتكنولوجيا، إلى زيادة التوترات بين السنة والشيعة.

وفاقم الصراعات نظر النظام الإيراني للربيع العربي -في موجته الأولى- على أنه فرصة نادرة لإعادة تشكيل ميزان القوى التاريخي بين السنة والشيعة، وإضعاف الأنظمة السنية الموالية للغرب، وتشديد رعايتها للطوائف الشيعية في المنطقة، وتعزيز عناصر ما يسمى بالمحور الشيعي.

وبرغم ذلك، فإن الربيع العربي -في موجته الثانية خاصة- قد فاقم ارتباك الخطاب الشيعي العميق ومتعدد الأوجه، فمن المتوقع -وفق الباحثين- أن الاحتجاجات العامة في المسارح الشيعية -في إيران والعراق ولبنان- ستستمر، وتتجمع وتزداد كثافة في عالم ما بعد كوفيد-19، وهنا يصبح السؤال المطروح هو هل من الممكن بناء صلة بين الاحتجاج الاقتصادي والاجتماعي والمدني، الذي له أيضا سمات معادية للدين، وصحوة أيديولوجية دينية جديدة، أم أن الصدام بين المؤسسات الشيعية و"الموجودين على الأرض" سيصبح أكثر صعوبة في التغلب عليه؟

هل يمكن أن تمتلك الخطابات الإسلامية نظرية للدولة وتحديدا لموقع السلطة في هيكل المشروع الإسلامي اللذين يعدان شرطا أساسيا للحد من إعادة إنتاج الاستبداد والتفاوتات الاجتماعية والقمع والعنف والهيمنة على المجتمع، الذي حكم مسار دولة ما بعد الاستقلال.

هل الإسلام هو الحل أيضا في عالم ما بعد كورونا؟

إن أي مناقشة للمسارات الأيديولوجية والدينية والسياسية للفصائل الإسلامية في أعقاب أزمة كوفيد-19 تنطوي بطبيعة الحال على نظرة بعيدة المدى؛ لكن في هذه المرحلة يطرح المؤلفان عددا من الأسئلة الرئيسة، التي من المحتمل أن تؤثر على تلك المسارات، "هل سيتمكنون من ربط الاحتجاجات الاقتصادية والاجتماعية والمدنية، التي كانت حتى الآن لها سمات معادية للدين بإيقاظ أيديولوجي ديني؟ أو هل الطريق بين المؤسسات ومن هم على الأرض أصعب في التفاوض؟ وهو السؤال الذي عبرت عنه بالعلاقة بين سردية الربيع العربي بسماتها العديدة، والتي من أهمها الطبيعة غير الأيديولوجية وبين الفواعل السياسية المختلفة.

ويضيف المؤلفان للأسئلة كيف ستبدو الموجة التالية من الإحياء الدوري للإسلام السياسي ومتى ستحدث؟ وإلى أي مدى سيكون من الممكن ربطه بالفيروس التاجي باعتباره المحفز المباشر؟ وإلى أي مدى سيتأثر الخطاب الأيديولوجي في الشرق الأوسط بالأفكار الغربية التي يمكن أن تكتسب زخما بعد الوباء؟ هل من الممكن، على سبيل المثال، تخيل شكل جديد من "الاشتراكية العربية" يتحدى الفضاء الديني المحافظ كما كان يتحدى ذلك قبل 60 عاما؟ وأخيرا، هل ستخصب النماذج المدنية-العلمانية الأخرى؟

وأضيف أخيرا، هل يمكن أن تمتلك الخطابات الإسلامية نظرية للدولة وتحديدا لموقع السلطة في هيكل المشروع الإسلامي اللذين يعدان شرطا أساسيا -من وجهة نظري-للحد من إعادة إنتاج الاستبداد والتفاوتات الاجتماعية والقمع والعنف والهيمنة على المجتمع، الذي حكم مسار دولة ما بعد الاستقلال.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة