خطبة الجمعة بين الشريعة والسياسة

(رويترز)
(رويترز)

تحول منبر الجمعة خلال العقود الأخيرة -وخاصة في ظل الثورات العربية- إلى أحد أدوات الصراع على السلطة أو معها أو ضدها، وهو الأمر الذي يفرض علينا التفكير النقدي بوظيفة خطبة الجمعة، والبحث عن الوظيفة المنوطة بها والمعايير والضوابط التي ينبغي أن تحكمها؛ بناء على ثلاثة مستويات:

الأول: الهدي النبوي في خطبة الجمعة.

الثاني: رؤية المذاهب الفقهية للخطبة ووظيفتها.

والثالث: الواقع المعاصر ومقتضياته.

أدى تناول خطيب الجمعة لمختلف قضايا الحياة -وخاصة المسائل السياسية والقضايا الفكرية والأيديولوجيّة- إلى مأزق كبير اليوم، سواء كنا نتحدث عن الأيديولوجيا الإخوانية أو السلفية أو التنويرية أو غيرها، مما أدى إلى الإخلال بشعيرة الجمعة وإفراغها من مضمونها؛ حيث تتسم بصفتين مركزيتين: كونها شعيرة من شعائر الإسلام، وكونها جامعة لتعبر عن مقصود تسمية بـ"الجمعة".

إذا ما بحثنا في رؤية المذاهب الفقهية لخطبة الجمعة ووظيفتها، نجد أنهم عرفوا الخطبة في الاصطلاح بأنها "الكلام المؤلف الذي يتضمن وعظًا وإبلاغًا على صفة مخصوصة"، والوعظ أو الموعظة هي النصح والتذكير بالعواقب، والأمر بالطاعة

ويمكن القول: إن هناك ثلاثة تصورات حول خطبة الجمعة اليوم:

الأول: أن الخطبة يجب أن تقتصر على التذكير والموعظة فقط، وهذا الحصر له فوائد وتؤيده اعتبارات عديدة من النص والعقل، ويساعد على تحديد اختصاص واضح ومحدد للخطيب بحيث يُحسنه ولا يتجاوزه.

التصور الثاني: أن الخطبة يجب أن تعكس "شمولية الإسلام"، بحيث تتغلغل في تفاصيل الحياة، وفي القلب منها مسائل السياسة، وخاصة في ظل الصراع مع السلطة من جهة، ومع العلمانية من جهة أخرى، ولكن الذي يمثل شمولية الإسلام في هذه الحالة هو شخص الخطيب الذي عليه أن يخوض في كل القضايا.

التصور الثالث: أن الخطبة شاملة لمختلف مناحي الحياة، ولكن يجب أن يتداول على الخطابة أشخاص من تخصصات مختلفة؛ بحيث يغطي كل صاحب اختصاص المسائل التي تتناول مجاله، فلا يختص خطيب واحد فقط بالحديث في كل التخصصات.

تقوم فكرة هذا المقال على أن التصور الأول هو الذي دل عليه القرآن الكريم، وجرى عليه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف التصورين الثاني والثالث اللذين يتنافسان على سلطة منبر الجمعة. فالتصور الثالث رد فعل على التصور الثاني الذي هو من مواريث الإسلام السياسي الذي أشاع "التدين السياسي" ويخوض بدوره صراعًا مع العلمانية والأنظمة الاستبدادية، ومن ثم يُسخّر كل الأدوات المتاحة لذلك الغرض، ومنها خطبة الجمعة وسلطة الفتوى، في حين أن التصور الثالث يريد سلب السلطة من الخطيب وتفتيتها على شخصيات متعددة بحيث لا يستأثر بها الخطيب التقليدي وحده.

ثمة آية مركزية تعبر عن مقصود خطبة الجمعة وهي قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: 9]، وهي الآية التي دارت حولها المذاهب الفقهية في تحديد أركان خطبة الجمعة. وقد قال الإمام التابعي سعيد بن المسيب: إن ذكر الله هنا هو موعظة الإمام، وأثار الإمام الزمخشري سؤالا مهما هنا وهو: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها ذكر غير الله؟ وأجاب: بأن "ما كان من ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله. فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك، فمن ذِكر الشيطان".

وقد خصص الحافظ ابن خزيمة بابًا للحديث عن "صفة خطبة النبي"، وذكر فيه حديثًا يتضمن موعظة مباشرة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكننا نقف في غير صحيح ابن خزيمة على أحاديث مركزية توضح صفة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، منها حديث مسلم وأبي داود وغيرهما: أنه "كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان، يجلس بينهما يقرأ القرآن، ويذكّر الناس"، وحديث مسلم وآخرين أن "طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة"، وحديث أم هشام بنت حارثة بن النعمان حيث قالت: "ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرؤها في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس" رواه مسلم وغيره. ومن هنا نفهم دقة ما ذهب إليه الإمام ابن قيم الجوزية في وصف هديه -صلى الله عليه وسلم- في خطبة الجمعة حين قال: "كان كثيرًا يخطب بالقرآن.. وكان مدار خطبه على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه. وكان يقول في خطبه: أيها الناس إنكم لن تطيقوا -أو لن تفعلوا- كل ما أُمرتم به، ولكن سددوا وأبشروا".

فآية سورة الجمعة وهذه الأحاديث توضح جميعها أن مدار خطبة الجمعة على الموعظة والتذكير، وشأن الموعظة القِصَر؛ طلبًا للتأثير ومخافة الإملال، وقد قال الشيخ ملا علي القاري: "وأخذوا من قوله [أي في الحديث]: ويُذَكِّرُ الناس أنه لا بُدَّ من الوصية بتقوى الله تعالى؛ لأنها معظم المقصود من الخُطبة".

وإذا ما بحثنا في رؤية المذاهب الفقهية لخطبة الجمعة ووظيفتها، نجد أنهم عرفوا الخطبة في الاصطلاح بأنها "الكلام المؤلف الذي يتضمن وعظًا وإبلاغًا على صفة مخصوصة"، والوعظ أو الموعظة هي النصح والتذكير بالعواقب، والأمر بالطاعة، وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: "هي التذكير بالخير فيما يرق له القلب"، وفي رأيي أن الذكر أو الموعظة مفهوم قرآني أخلاقي يستحق الدرس المعمق، فهو يتضمن بعدين: سلوكي وروحي.

ومن المعلوم أننا حين نتحدث عن خطبة الجمعة وصلاة الجمعة فإننا نتحدث عن عبادة بالمعنى الاصطلاحي الخاص، المرجع فيها هو الشريعة نفسها، ومن هنا تحدث الفقهاء عن أركان الخطبة وسننها ومكروهاتها وغير ذلك، كما أن خطبتي الجمعة (الأولى والثانية) أقيمتا مقام الركعتين عند جمهور الفقهاء، وهو ما يؤكد صفة التعبد في الخطبة التي مدارها على الموعظة.

ويكاد يتفق الفقهاء على أن مقصود الخطبة الموعظة والوصية، ويكثر في كتب الشافعية والحنابلة التصريح بذلك، وأنه لا يجوز الإخلال به، وإن وقع الاختلاف في تفاصيل أركان خطبة الجمعة، فمحمد بن الحسن وأبو يوسف قالا: لا بد من "ذكر طويل" يسمى خطبة وذلك على خلاف أبي حنيفة الذي رأى أن ركن الخطبة هو تحميدة أو تهليلة أو تسبيحة؛ لأن (ذكر الله) يشمل الذكر القليل والكثير، أما المالكية فرأوا أن ركن الخطبة هو أقل ما يسمى خطبة عند العرب ولو سجعتين، نحو "اتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما عنه نهى وزجر". وجزم أبو بكر ابن العربي من المالكية بأن أقل القدر الواجب في الخطبة هو حمد الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم وتحذير، وتبشير، ويقرأ شيئا من القرآن. وذهب الشافعية إلى أن للخطبة خمسة أركان وهي: حمد الله تعالى، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، والوصية بالتقوى، والدعاء للمؤمنين في الخطبة الثانية، وقراءة آية مكتملة المعنى، وقد نصَّ الحنابلة على أن من فروض الخطبة الموعظة، بل إن من السنن المتفق عليها للخطبة: تقصير الخطبتين، وكون الثانية أقصر من الأولى، وقال الحنفية: يكره التطويل من غير قيد بزمن.

وفي الحديث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم يجري الخلط أحيانًا بين خطبه الراتبة (خطبة الجمعة) وبين خطبه العارضة (استعماله صلى الله عليه وسلم للمنبر عند الحاجة لمخاطبة الناس من مكان مرتفع)، ومن هنا وجدنا ابن القيم يوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان "يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم،… وكان يقصر خطبته أحيانًا ويطيلها أحيانًا بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة"، وكذلك فعل الصنعاني إذ قال: "وكان يخطب في غير الجمعة؛ إذا أراد إعلامهم بأمر أو بعث جيش أو نحوه"، ولا بد هنا من توضيح أن وظائف النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يمارسها لا يصح وقوعها من الخطيب؛ فالنبي كان نبيًّا ومبلغًا عن الله، ومفتيًا وقضايًا وإمامًا سياسيًّا. بالإضافة إلى أن المنبر لم يعد يستعمل اليوم إلا للجمعة والعيدين، كما أن المسجد اقتصر على الدور التعبدي فقط؛ نظرًا لنشوء مؤسسات ومرافق أخرى في ظل الدولة الحديثة تقوم بمهام واختصاصات متنوعة في حين كان المسجد تاريخيًّا يشغل أدوارًا متعددة، وكان النبي نفسه يجمع أدوارًا متعددة.

ويمكن للمسجد أن يتحول إلى عمل مؤسسي اليوم، ولكن في هذه الحالة يمكن أن نفرق بين منبر الجمعة والمسجد من خلال مستويين:

الأول: مستوى الفاعلين، حيث إن منبر الجمعة سيقتصر على الموعظة فقط، ويمارس هذا الدور الخطيب الواعظ فقط، في حين أن عمل المسجد بوصفه مؤسسة سيناط بفاعلين آخرين بحسب التخصصات والكفاءات، ولن يكون للخطيب الواعظ ذلك الدور المركزي الذي يتحدث في كل شيء. وضبط حدود ومجال خطبة الجمعة سيساعد في تحديد معايير كفاءة الخطيب نفسه وأسس اختياره لهذا الدور المحدد والواضح (job description).

الثاني: مستوى الأحكام الفقهية المعيارية، حيث إن الخطيب منوط به دور ديني محدد يتصل بالشعائر التي لها أحكام فقهية واضحة تتصل بالواجبات والشعائر الدينية، في حين سيترك الأمر في المسائل الأخرى إلى كفاءات أخرى، وحتى إن أراد الخطيب ممارسة دور من هذه الأدوار فسيبقى خارج إطار الواجب الديني؛ بحيث يكون للناس حرية المشاركة من عدمها؛ طالما أن هذه الأنشطة تقع خارج حدود مساحة الشعائر الدينية التي لها صفة الإلزام، وهكذا نصون الشعائر والواجبات عن أن تُستثمر لخدمة أغراض أخرى، أو عن أن تتداخل بإكراه الناس على الاستماع إلى ما لا يرغبون تحت مسمى "شعيرة الجمعة الواجبة" والتي لا مفر منها للمسلم المتدين، بحيث يتم التمايز بين منبر الجمعة والمنابر الأخرى التي يتم توظيفها للقيام بمهام أخرى اختيارية دون استغلال للشأن الديني أو للمنبر الذي يتصل بالحق العام أو حق الله تعالى.

 العلاقة بين خطبة الجمعة والسلطة:

ثمة مسألتان في هذه العلاقة:

الأولى: أن الحنفية اشترطوا لوجوب وصحة إقامة صلاة الجمعة أن تكون في "المصر الجامع". قال الإمام السرخسي: "وظاهر المذهب في بيان حد المصر الجامع أن يكون فيه سلطان، أو قاض لإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام"، كما اشترطوا أيضا إذن السلطان بذلك، أو حضوره، أو حضور نائب رسمي عنه؛ إذ هكذا كان شأنها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهود الخلفاء الراشدين. ما يعني أن الحنفية ربطوا بين إقامة الجمعة وبين وجود السلطة السياسية، وهو ما قد يُستدل به على خلاف توظيف الخطبة للمعارضة السياسية للسلطة. صحيح أن النقاش يمكن أن يتحول هنا إلى صفة ومشروعية السلطة القائمة، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة إضفاء مشروعية على أي جهة معارضة للسلطة؛ فمشروعية هذه المعارضة نفسها ستكون محل تساؤل أيضًا؛ لأن النقاش هنا سيعود بنا إلى صفة الجامعيّة التي تتأسس عليها الجمعة وحيثيات أخرى.

الثانية: كراهية الدعاء للسلاطين الظلمة في خطبة الجمعة، فقد قال بعض الحنفية إن الدعاء للسلطان في خطبة الجمعة غير مستحب؛ ورأيي أن مرد ذلك إلى أمرين: أولهما أنه خروج عن موضوع الخطبة وهو التذكير، وثانيهما أنه تخلص من الدعاء لحكام الجور، ولذلك اختلفوا في فضل الدنو من الخطيب، لأن الدنو يحيل إلى فضيلة التبكير إلى الجمعة، ولكن بعض الحنفية فضّل ابتعاد المصلي عن الإمام حتى لا يسمع مدح الحكام الظلمة في الخطبة؛ بل إنه جرى التمييز في مسألة الإنصات إلى الخطيب بين الإنصات لحمده ومواعظه وبين عدم الإنصات إلى مدح الخطيب للحكام الظلمة والثناء عليهم، ومن ثم أباحوا الانشغال بالكلام ونحوه عن دعاء الخطيب للحكام الظلمة أثناء خطبة الجمعة. وقد نبه الإمام الزمخشري إلى ما يمكن أن نسميه "اللغو السياسي" فقال: "وإذا قال المنصت للخطبة لصاحبه: صه؛ فقد لغا، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لاغيًا؟! نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام"، وقال محمد بن إسماعيل الصنعاني: "فهذا هديه [صلى الله عليه وسلم] في الخطبة: التذكير وتلاوة آيات الله وحمد الله. وخلط الناس الحقّ بالباطل فأكثروا من ذكر ملوكهم والثناء عليهم وغير ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون". وهذا اللغو السياسي الذي كرهه الحنفية واشتكى منه الزمخشري والصنعاني لا يختص بالدعاء للحكام الظلمة فقط، بل يشمل أيضًا الخوض في زواريب السياسة وصراعاتها وبناء المواقف السياسية؛ لأن هذه التصرفات جميعها خروج عن مقصود الخطبة التي هي عبادة وفريضة بالمعنى الديني.

هنا تتجلى إحدى مشكلات الحركة الإسلامية حيث جعلت شمولية الإسلام مسألة سائلة، وصار المنتمي إلى الإسلام السياسي مثل "مسبع الكارات" (بالسورية الدارجة)، أو "الفهلوي" (بالمصرية الدارجة)، وغاب الاختصاص والكفاءة والتأهيل.

لقد ولّد التطرف العلماني لدينا تطرفا إسلاميا يتشبه به ويعاكسه، فقوبل الإلحاح العلماني على فصل الدين عن الحياة بتحويل السياسة إلى لب الدين ولبابه حتى صار كمال الإيمان بالله لا يتحقق إلا بها، وغلبت ظاهرة تسييس الدين وشعائره، وهذه الآفة هي -في تقديري- أحد أسباب ظهور الإلحاد بين بعض أبناء الحركة الإسلامية؛ في ظل الفشل السياسي (أو الإفشال) الذي منيت به، وهي كذلك أحد أسباب السيولة العقدية التي لاحظناها لدى بعض أبناء الحركة الإسلامية السابقين الذين انتقلوا من النقيض إلى النقيض، فصار الكفر الصريح لديهم وجهة نظر لا يمكن الحكم على صاحبه في الدنيا بالكفر بالرغم من إعلانه هو نفسه الكفر!

إن شمولية الدين لا تتجلى -ولا ينبغي لها ذلك- في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة، فالمنبر مثلا ليس مطلوبا أن يجسد شمولية الدين؛ لأن له وظيفة تعبدية محددة، فالمنبر ليس هو الحياة، وليس هو الدين، كما أن شمولية الإسلام لا يطلب من الخطيب أن يتمثلها في شخصه وحده، بغض النظر عما إذا كان قادرا أو مؤهلا لذلك أصلا؛ فشمولية الإسلام هي حصيلة مجموع نشاطات المجتمع ومؤسساته. وهنا تتجلى إحدى مشكلات الحركة الإسلامية؛ حيث جعلت شمولية الإسلام مسألة سائلة، وصار المنتمي إلى الإسلام السياسي مثل "مسبع الكارات" (بالسورية الدارجة)، أو "الفهلوي" (بالمصرية الدارجة)، وغاب الاختصاص والكفاءة والتأهيل.

ولا يقتصر الأمر فقط على التمييز بين العبادة أو الشعيرة الواجبة دينيًّا وبين ترك الحرية للأفراد أن يختاروا -بحرية- المشاركة (أو عدمها) في الأنشطة المرتبطة بالمسجد، بل إنه يشمل أيضًا فكرة السعي إلى الإبقاء على مساحة جامعة يوم الجمعة وفي خطبته تكون حرمًا آمنًا بعيدًا عن الخلافات والصراعات والانقسامات، وهذا يتجلى من خلال أمور:

الأول: التمييز بين عدم العزلة عن الواقع، وبين الخوض في الشأن السياسي والاقتصادي وغيرهما. فالموعظة هي ترغيب وترهيب وتبشير وإنذار يتصل بترقيق القلوب وحمل الناس على الفضائل والكف عن الرذائل، ليكونوا صالحين، أي إننا نتحدث عن التزام الخطيب بالمشترك الأخلاقي أو ما يسمى (common morality) دون أن يتورط في الخوض في المسائل الخلافية أو الآراء والمواقف الشخصية، أو المبالغات والتهويلات. فالخطيب لا يجوز له الخوض في الخلافات الفقهية بنصرة مذهب على آخر، كما أن إنكاره للمنكر من على المنبر مشروط بأن يكون المنكر مجمعًا على كونه منكرًا بين العلماء. فاتخاذ الخطيب مواقفَ سياسية شخصية أو حزبية، أو الصدور عن تقدير شخصي في مسائل الشأن العام سيجلب إشكالات عديدة، ويحوّل المنبر إلى منبر للخطيب نفسه لا إلى حق عام.

الثاني: التمييز بين الشأن الجاري (current affairs) وبين زواريب السياسة اليومية وصراعاتها، فالواقع الاجتماعي والسياسي يرسم أولويات ويثير إشكالات أخلاقية، ولكن ثمة فرق بين المقاربة السياسية والمقاربة الدينية أو الأخلاقية أو الوعظية؛ من حيث الأسئلة والمقاصد، وطريقة المعالجة، فالحديث عن الظلم مثلا يختلف عن التطبيل للنظام القائم أو الدعوة للخروج عليه، والحديث عن خطر الكفر والردة وخطورة عاقبتهما -مثلا- غير الحديث عن التكفير والحكم بردة شخص معين أو جماعة معينة، والحديث عن فرعون وخطر الطغيان يختلف عن الدعوة إلى الجهاد من على المنبر لمجابهة فرعون من فراعنة العصر، فالجهاد لا يُعلن من على المنابر وفي خطب الجمعة، فضلا عن أن يكون المعلن له هو الخطيب مهما بلغ من العلم والغيرة؛ فإنه يحتاج إلى جهة مختصة يتوفر لها الخبرة والقدرة على تقدير الموقف وبحث العدة والعتاد وحساباتهما في عالم شديد التعقيد.

الثالث: إدخال المسائل الخلافية في الشعائر الدينية الجامعة أو التي يُفترض بها أن تكون كذلك، يؤدي إلى عكس مقصود الشارع منها، وسيُفقد الدين السكينة والطمأنينة التي يُفترض أن تتحقق في العبادات الجماعية على الأقل كالجمع والجماعات. كانت لدى العرب مظاهر عدة تجسد فكرة المشترك الأخلاقي أو الحرم الآمن، منها مثلا الأشهر الحرم، والحرم المكي، فكانوا -كما يقول الإمام الرازي وغيره- "يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم، فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له".

ما أحوجنا اليوم إلى حرمٍ يكون آمنًا من صراعات السياسة والتنافس على مصالح الدنيا أو يكون بمنأى عن خلافاتنا الفكرية والأيديولوجية. فحتى مناسبات الموت والمرض -التي هي ظواهر إنسانية تقتضي التعاطف والمواساة- حولناها إلى عناوين لمعارك بسبب صراعات السياسة والعقيدة، في حين لو تأملنا كلام الفقهاء نجد أنهم -في الوقت الذي تحدثوا فيه عن عدم جواز الترحم على غير المسلم مثلا- أوجدوا صيغًا بديلة تراعي الجوانب الإنسانية والاجتماعية التي من مقصود الدين أن يرسيها كالدعاء له بخيرات الدنيا، مثل القول: أحسن الله عزاءك مثلا، وكتعزية الكافر بولده المسلم، أو المسلم بوالده الكافر، والصيغ التي تقال في هذا؛ رعاية للجوانب الإنسانية. والله أعلم.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة