هل ينتفع الكافر بعمله الصالح في الآخرة؟

(الجزيرة)
(الجزيرة)

ناقشت في مقال الأسبوع الماضي مسألة الدعاء لغير المسلم بالرحمة والمغفرة، ونظرًا إلى "بعض" التعليقات التي التبس عليها الأمر، فذهبت بها الفهوم مذاهب شتى؛ أوضح أن مقالي السابق (وهو المقال الأول) التزم شرطًا محددًا هو إبطال دعوى الإجماع على حرمة الدعاء للكافر مطلقًا، وإثبات أن المسألة خلافية، وخلخلة الفهم الشعبي الذي يرى أن المسألة شديدة الوضوح بل بديهية! ولذلك فصّل مقالي في إثبات الرأي الغائب، وأن الخلاف قويّ وقديم، وقد استمر قرونا قبل شيوع الفهم الشعبي الذي يقف عند السطح ويجتزئ بعض الآيات أو الأحاديث لتصوير أن المسألة واضحة، دون محاولة البحث والغوص في كتب التفسير وشروح الحديث، ودون استيعاب جميع الأدلة والنصوص التي حار فيها المفسرون وشراح الحديث أنفسهم ومن مذاهب فقهية مختلفة.

ومن الطريف أن بعض الإخوان فهموا أن المقال دفاع عن موقف قديم للشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله؛ لمجرد أن المقال استهل بذكر ذلك الموقف، في حين أن بعض السلفيين فهم أنني ألصقت مسألة تحريم الدعاء للكافر بالفكر السلفي فقط! وأود أن أقول نصًّا واضحًا: مقالي لم يكن دفاعا عن الشيخ القرضاوي ولا انتقادًا للشيخ الألباني رحمه الله (ولي انتقادات سابقة للشيخين معًا)، كما أن المقال لم يقل إن المسألة من منتجات الفكر السلفي فقط، كيف وأنا أثبت أن الخلاف قديم ومستمر والنقاش فيه ثري؟!

وإنما كانت قصة دعاء الشيخ للبابا مجرد استهلال ليس إلا، كعادتي في الانطلاق من واقعة محددة لربط النقاش النظري بالواقع/الواقعة، ولبيان أن النقاشات القديمة التي تبدو لبعضهم معزولة ليست ذات صلة بواقعنا فقط، بل يمكن أن تسهم في إثراء نقاشاتنا الحالية. فالموضوع أكبر من ثنائية الإخواني/السلفي، وأكبر من قصة القرضاوي/الألباني؛ لأن المقال يهدف إلى تحرير مسائل كلامية وفقهية، وإلى توسيع أفق النقاش فيها بأدوات وتأويلات متعددة. وإن شئتَ قل: هو تمرين فكري أنقله من بطون الكتب لأقدمه لك سائغا سلسًا، أبين فيه سعة التراث الفقهي والكلامي ورحابته وعمق أسئلته ومباحثاته، بعيدًا عن الصراعات الأيديولوجية الحالية، وبعيدًا عن مزاج التشدد والضيق الذي يهيمن على الفضاء العام.

ذهب القاضي المالكي عياض -رحمه الله تعالى– إلى أن العمل الصالح من الكافر لا ينفعه، وقال "قد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشد عذابًا من بعض بحسب جرائمهم"

خلص مقالي السابق إلى أنه يجوز -لدى فريق من العلماء على الأقل- الدعاء للكافر أو المشرك بأمر أخرويّ، على أن يتناول ذلك الدعاءُ مغفرةَ الذنوب التي هي دون ذنب الكفر أو الشرك، وبالغ المقال في بيان أن ذلك هو الراجح من مذهب الشافعية، وإن كان ليس قاصرًا عليهم وحدهم.

وقد أثار مقالي بعض التساؤلات التي تستحق التوقف، وهي ثلاثة:

الأول: أن المقال لم يوضح موقفي النقدي من المسألة التي تناولتها، وهذا طبيعي بناء على المقصد الذي شرحته قبل قليل؛ وهو إثبات وجود خلاف قوي وقع الجهل به أو تم تجاهله؛ ولذلك بالغت في الاستقصاء وعزو الأقوال إلى أصحابها بإيجاز شديد وتكثيف، وإلا فإن حكاية النصوص تطول، وبين يدي الكثير من تلك النصوص التي تتحدث عن هذا الخلاف.

الثاني: أن المقال لم يناقش الحجج والتعليلات التي استند إليها القائلون بجواز الدعاء للكافر بمغفرة ما دون الكفر أو الشرك، وهذا سيكون موضوع المقال القادم بمشيئة الله، وقد ذكرت في المقال الماضي أنه المقال الأول، هذا فضلًا عن أن كتب الفقه -لمن هو خبير بها- تعتني بذكر الأحكام دون أدلتها في الغالب، فكتب الأدلة نجدها مفصولة عن فروع المذهب، وعندما يتم الجهل أو تجاهل الخلاف فمن الطبيعي أن ينصرف المقال الأول إلى إثبات الخلاف أولا وتحريره.

الثالث: أن المقال لم يناقش البعد الأخلاقي في المسألة على غير عادتي، وهذا سيكون موضوع المقال بعد القادم بمشيئة الله، وهكذا يكون المجموع -مع المقال الحالي- 4 مقالات، وفي ذهني حاليا أن يعقبها جميعًا مقال أو مقالان آخران عن مفاهيم الكفر، والله الموفق وعليه التكلان.

وينصرف هذا المقال إلى مناقشة مسألة أوسع من مجرد الدعاء للكافر، وهي تقويم العمل الصالح من الكافر، وهي الأصل الذي تُبنى عليه مسألة الدعاء له بأمر دنيوي أو أخروي، كما أن تقويم أعمال الكافر يتصل بأصل كلي هو العدل الإلهي وتَعَيناته، وهو النقاش الذي سينقلنا إلى حقل الأخلاق.

ذهب القاضي المالكي عياض -رحمه الله تعالى- إلى أن العمل الصالح من الكافر لا ينفعه، وقال "قد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشد عذابًا من بعض بحسب جرائمهم". وكلام القاضي محل إشكال من جهتين:

الأولى: حكايته للإجماع وهي غير صحيحة؛ فهي خلاف الواقع؛ إذ المسألة خلافية قبله وبعده وفي زمنه كما سأوضح، وقد رد عليه ادعاء الإجماع غيرُ واحد، منهم العلامة شهاب الدين الخفاجي (1069هـ) والعلامة شهاب الدين الآلوسي (1270هـ) وغيرهما.

الثانية: أن عياضًا فصل بين مسألتين متصلتين: الأولى هدر أعمال الكفار، والثانية الإقرار بتفاوت درجات الكفار في الآخرة، وهذا أمر محل إشكال؛ إذ يلزم من تفاوت درجات الكفار في الآخرة تفاوت أعمالهم؛ إذ التفاوت لا يقوم إلا بناء على أعمالهم وسيرتهم في الدنيا، ولهذا قال الإمام أنور الكشميري "لا أعرف وجهًا للتفاوت بين كافر وكافر في دركات جهنم إلا التفاوت بين أعمالهما".

ولو رجعنا إلى ما قبل القاضي عياض، نجد أن المسألة خلافية بين إمامين محدثين شافعيين؛ هما أبو عبد الله الحليمي (403هـ) الذي انتصر لفكرة أن أعمال الكفار هباء منثور يوم القيامة، رغم أن كلامه يُفيد بوجود خلاف أيضًا، وتلميذه أبو بكر البيهقي (458هـ) الذي أثبت الخلاف في المسألة، وأن هدر الأعمال هو فقط قول "بعض أهل العلم والنظر"، ولعله يعني بذلك شيخه. قال البيهقي "وقد يجوز أن يكون حديث بن جدعان وما ورد من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر: ورد في أنه لا يكون لها موقع التخلص من النار وإدخال الجنة، ولكن يُخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر؛ بما فعل من الخيرات".

أما الإمام المالكي ابن الفرس (597هـ) فقد قال "وقد اختُلف في الكافر يفعل في حال كفره شيئًا من أفعال البر، كصلة الرحم ونحو ذلك، هل يثاب عليه في الآخرة أم لا؟ على قولين"، وبعد أن أورد طرفًا من أدلة القولين، قال "والكلام في هذا طويل وفيما ذكرناه غُنية".

فالخلاف أثبته من هم قبل عياض ومن عاصروه ومن جاؤوا بعده، وممن تأخر عن عياض مثلاً ابن رجب الحنبلي الذي قال "وفي إثابته عليها في الآخرة بتخفيف العذاب نزاع مشهور". وقد استمر هذا إلى زمن متأخر جدًّا، فهذا شهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي (1126هـ) يورد الخلاف فيحكي 3 أقوال في أعمال الكافر، فيقول "وما عمله من الخير الذي لا يتوقف على نية، (1) فقيل: يُجازى عليه في الدنيا بالتنعيم ومعافاة البدن وكثرة الولد، (2) وقيل في دار العذاب بتخفيف عذاب غير الكفر عنه؛ لأن الصحيح من مذهب مالك كغيره أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة (…) وأما الإيمان فمخاطبون به اتفاقًا، (3) وقيل: لا يجازى منهم في الآخرة على عمل الخير إلا جماعة مخصوصة جاء فيها النص (…) ولعل التخفيف الحاصل لهؤلاء الجماعة إنما هو فيما يستحقونه من العذاب بجنايتهم التي ارتكبوها سوى الكفر، وأما عذاب الكفر فلا يخفف ولا يَفتر ولا يُغفر كما قدمنا".

توضح هذه النماذج -وغيرها كثير- أن الخلاف في المسألة معتبرٌ، وأن عمل الكافر مسألة مركبة وقد وقع الخلاف في تقويمه على حالين:

الحال الأولى: أعمال الكافر قبل إسلامه إذا أسلم

وتقويم هذه الأعمال يشتمل على 3 مسائل: (1) مصير حسناته في الآخرة، (2) ومصير سيئاته التي عملها قبل إسلامه في الآخرة، (3) ومصير عبادات الكافر في أحكام الدنيا.

ففي المسألة الأولى: وهي مصير حسناته، يرجع أصل الخلاف -إلى جانب الخلاف حول تأويل الآيات والأحاديث- إلى مفهوم اشتراط الإيمان للاعتداد بالأعمال وعدم إحباطها، فهل هو (1) بمعنى وجود الإيمان عند العمل (2) أو وجوده مطلقًا ولو بعد وقوع العمل؟ فمن أبطل ثواب أعماله الصالحة ذهب إلى شرط مصاحبة الإيمان للعمل، ومن جعله مثابًا عليها ذهب إلى اعتبار مطلق الإيمان -ولو بعد العمل- ما دام أنه قد تحقق قبل موته.

والذي رجحه غير واحد من العلماء، أن الكافر إذا أسلم أُثيب على أعماله الصالحة قبل إسلامه. قال القُرْطُبِيّ: "الإسلام إِذا حَسُن هدم ما قبله من الآثام، وأحرز ما قبله من البر". ولكن خالف في هذا طوائف من المتكلمين وغيرهم، وقالوا "الأعمال في حال الكفر حابطة لا ثواب لها بكل حال"، وتأولوا النصوص الواردة في هذا المعنى تأويلات عدها ابن رجب الحنبلي "تأويلات مستكرهة مستبعدة".

وفي المسألة الثانية: مصير سيئاته، فإن الفريق الأول من العلماء لم يروا أن الكافر بعد إسلامه مثاب على حسناته فقط، بل يبدل مكان السيئات حسنات أيضًا. قال ابن رجب "وقد وردت أحاديثُ صريحةٌ في أن الكافر إذا أسلم وحَسُنَ إسلامُه تبدَّلت سيئاتُه في الشِّرْك حسنات"، بل ثبت ذلك بنص القرآن (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)، ولكن اختلف المفسرون حول توقيت هذا التبديل على قولين:

الأول: أن التبديل يكون في الدنيا، بمعنى أنَّ الله يُبَدِّلُ من أسلم وتاب إليه بَدَلَ ما كان عليه من الكفر والمعاصي: الإيمان والأعمال الصالحة. وهذا قول طائفة من أهل العلم، بل حكاه إبراهيم الحربي عن أكثر المفسرين، وسمى منهم: ابنَ عباس، وعطاء، وقتادة، والسُّدي، وعِكرمة، وهو المشهورُ عن الحسن البصري.

الثاني: أن التبديل يكون في الآخرة، بأن يُجعل لهم مكان كلِّ سيئةٍ حسنة، وذهب إلى هذا طائفة منهم عمرو بن ميمون، ومكحول، وابن المسيب.

وقد استُشكل هذا التبديل بأنه يلزمُ منه أن يكون مَنْ كثرت سيئاته أحسنَ حالاً ممن قلَّت سيئاته حيث يُعطى مكان كلّ سيئة حسنة! وقد حاول ابن رجب حل هذا الإشكال بالقول "إنما التبديلُ في حقِّ مَنْ نَدِمَ على سيئاته وجعلها نصبَ عينيه، فكلما ذكرها ازداد خوفًا ووجلًا وحياء من الله، ومسارعة إلى الأعمال الصالحة المكفرة كما قال تعالى (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا)، وما ذكرناه كله داخل في العمل الصالح، ومن كانت هذه حاله، فإنَّه يتجرَّعُ من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعافَ ما ذاق من حلاوتها عند فعلها، ويصيرُ كلُّ ذنبٍ من ذنوبه سببًا لأعمال صالحةٍ ماحية له، فلا يُستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات".

المسألة الثالثة: وهي مصير عبادات الكافر في أحكام الدنيا، فلو أسلم هل يُعتد -فقهيًّا- بعبادة كان قد فعلها قبل إسلامه؟ قال النووي "وأما قول الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادة، فمرادهم أنه لا يُعتد له بها في أحكام الدنيا، (…) وقد يُعتد ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا؛ فقد قال الفقهاء: إذا وجب على الكافر كفارة ظهار أو غيرها فكفَّر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لم تجب عليه إعادتها. واختلف أصحاب الشافعي -رحمه الله- فيما إذا أجنب واغتسل في حال كفره ثم أسلم، هل تجب عليه إعادة الغسل أم لا؟ وبالغ بعض أصحابنا فقال: يصح من كل كافر كلُّ طهارة من غسل ووضوء وتيمم، وإذا أسلم صلى بها". أما الكشميري فقد خالف النووي في هذا، وقال إن (العبادات) لا تعتبرُ أصلًا لا في الدنيا ولا في الآخرة، قال "وما أول به النووي قول الفقهاء ليس بصواب عندي قطعًا".

الحال الثانية: العمل الصالح من الكافر الذي مات على الكفر

وقد اشتد الخلاف في هذه الحالة، فذهب غير واحد من العلماء إلى أن أعمال الكافر الصالحة إذا مات على الكفر هي هدر (في الآخرة)؛ مشيًا على عموم الآيات بلا تأويل. قال الخطابي "رُوِيَ أَن حسنات الكافر إِذا ختم له بالإسلام محتسبة له، فإن مات على كفره كانت هدرًا". بل ادعى الإمام سعد الدين التفتازاني الإجماع على إحباط أعمال الكفرة في الآخرة، ولو ثبت هذا الإجماع لما وجدنا كل هذا النقاش، ومن هنا فإذا كان البيهقي قد أورد ذلك احتمالًا كما سبق، فإن غيره قد جزم به، من هؤلاء الفقيه والمحدث أحمد الكوراني (893هـ) والفقيه المحدث أنور شاه الكشميري وغيرهما، وقال الكوراني "أعمال البر تنفع الكافر في تخفيف العذاب". ولا بد من توضيح مسوغات الهدر حسب القائلين به ومسوغات الاعتبار حسب القائلين به.

ترجع مسوغات هدر أعمال الكافر جملة -إلى جانب ظواهر وعمومات بعض الآيات- إلى أن الكافر وإن امتثل -حسب الظاهر- للأمر في إتيانه أعماله الصالحة، فإنه لم يَرْجُ ثوابًا في الآخرة؛ لعدم إيمانه، ولا عرف المتقرَّب إليه بهذه الطاعات والقربات، وبذلك صار طائعًا غير متقرّب، ولذلك انحصر جزاؤه في الدنيا التي هي أفق تصوراته، وكانت أعماله مهدرة في الآخرة، ونال جزاءه عليها في الدنيا بمحض العدل وبمقتضى ما رجا لنفسه.

وترجع مسوغات انتفاع الكافر الذي مات على الكفر بأعماله الصالحة في الآخرة، إلى عدة اعتبارات:

الأول: أنه من المقطوع به أن النار دركات، كما أن الجنة درجات، وتفاوت الأعمال هو سبب التفاضل بين الكفار واختلاف درجاتهم، وهذا مقتضى عدل الله تعالى وجزائه. قال الكشميري "ولذا أجمعوا على أن الكافر العادل أخفُّ عذابًا من الكافر الظالم، وكذا عُلم من الشريعة تفاوت دركات العذاب، وليس هذا إلا لنفع الطاعات يسيرًا". بل قال الإمام ابن تيمية "الكفار يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في الإيمان (…) فإذا كان في الكفار من خفّ كفره بسبب نصرته ومعونته، فإنه تنفعه شفاعة النبي في تخفيف العذاب عنه لا في إسقاط العذاب بالكلية".

الثاني: أن أعمال الكافر متنوعة، فمنها ما يستلزم الإيمان، ومنها ما لا يستلزم الإيمان، ومن ثم فإن انعدام الإيمان لا يؤثر في كونها أعمالًا صالحة في أنفسها، وإذا كانت صالحة فهي معتبرة؛ لانفكاك الصلة بينها وبين الإيمان، وإن كان ثوابها لا يرجح على كفة ذنب الكفر، ومن ثم فنفعها لا يُخرج من النار بالكلية؛ نظرًا لذنب الكفر الأكبر.

الثالث: أنه بناء على القول إن الكافر مخاطب خطاب تكليف بالأصول (أصل الإيمان)، وبالفروع (الأوامر التفصيلية)، فإنه سيحاسب عليها جميعًا، ومن ثم فإنه سيعذب على ترك الإيمان وعلى ترك الأوامر كلها، فكذلك يخفف عنه العذاب في الآخرة وينتفع بأعماله الصالحة؛ نظير محاسبته على الفروع إن تركها. بل من المتفق عليه -كما قال العلامة الخفاجي- أن الكفار مخاطبون بالتكاليف في المعاملات والجنايات، قال: ولا شك أنه لا معنى للخطاب بها إلا عقاب تاركها وثواب فاعلها، وأقله التخفيف من العذاب.

ويتضح من الخلاف السابق أن أعمال الكافر الصالحة ليست سواءً، وأن الإيمان والكفر ليس هو المعيار الوحيد في تقويمها، سواءٌ في الدنيا أم في الآخرة، ولذلك لا بد من التمييز فيها بين نوعين:

الأول: ما يستلزم الإيمان كأفعال العبادات، وقد جرى بيان وجهها والخلاف فيها فيما إذا وقع بعدها إسلام، سواء في أحكام الدنيا أو في أحكام الآخرة.

الثاني: ما لا يستلزم الإيمان، ويندرج فيه عامة الطاعات والقُرُبات، كالحِلْم، وصلة الرحم، والصدقة وغير ذلك من أعمال الخير، والخلاف هنا ليس حول استحقاقها للمجازاة بل حول توقيت الجزاء، وهل يقع في الدنيا فقط أم ينفع في الآخرة أيضًا؟ والراجح كما سبق أن هذا النوع مُعتبرٌ، ولذا قال الكشميري -مثلًا- "الطاعات والقُرُبات كلُّها نافعةٌ للكافر"، وهي وإن لم تكن منجية إلا أنها تصير سببًا لتخفيف العذاب شيئًا؛ فإن المنجّيَ من النار هو الإيمان (وفي هذا تفصيل حول من يُعذر يوم القيامة لعل له موضعًا آخر).

ولا بد من توضيح أن كل هذه النقاشات مرجعها نصوص القرآن والحديث النبوي؛ لأنها مسائل غيبية لا يمكن معرفتها إلا بالخبر عن الله ونبيه صلى الله عليه وسلم، وهي جزء من تصورات أوسع تأسست عليها المدارس الكلامية المختلفة.

وإذا كان ما سبق هو حول العمل الصالح من الكافر، فماذا عن العمل غير الصالح منه أيضًا؟ الدلائل النصية ناطقة بأنه (أ) إن كان كفرًا لا يُغفر، (ب) وإن كان عملًا غير صالح دون الكفر فهو تحت المشيئة الإلهية، وهنا جاز الدعاء للكافر بمغفرة هذا، على معنى أن الدعاء طلبٌ من الله بأن تشمل الكافر المشيئةُ الإلهية بالعفو والتخفيف عنه.

يوضح هذا الخلاف الذي أجملته بتكثيف شديد تعقيدات المسألة في علمي الكلام والفقه، وأن الوقوف عند مجرد ظواهر النص القرآني محل إشكال كبير؛ لأن النقاش كله إنما هو حول تأويل هذه العمومات من جهة، وحول تنزيل هذه العمومات على تفاصيل الوقائع والأعيان من جهة أخرى، وسنفصل في الأدلة ومنهج تأويلها في مقال لاحق بإذن الله، والله الموفق.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة