واجهها الإنجليز بكل قوة.. أول مظاهرة في التاريخ دفاعا عن حرية الصحافة

(مواقع التواصل الاجتماعي)
(مواقع التواصل الاجتماعي)

قرر إلدون جورست المندوب السامي البريطاني وحاكم مصر الفعلي عام 1909 إعادة العمل بقانون المطبوعات الصادر عام 1881، والذي يتضمن عقوبات قاسية، من أهمها إغلاق الصحف.

وكان هذا القانون من أهم أخطاء الثورة العرابية، فبعد هزيمة الثورة وسيطرة الاحتلال البريطاني على مصر تم استخدامه لإغلاق كل الصحف المصرية ما عدا الصحف التي تمتعت بالحماية الأجنبية، مثل الأهرام، أو الصحف التي التزمت بعدم المساس بالاحتلال.

كان الشيخ علي يوسف من تلاميذ الشيخ جمال الدين الأفغاني، وتمكن من أن يجمع في صحيفته رموز الحركة الوطنية الذين يرفضون الاحتلال البريطاني ويطالبون بالجلاء

وعاشت مصر بدون صحافة تعبر عن شعبها، وكانت تلك فترة مظلمة في تاريخ مصر، فلم يستطع أحد أن يعبر عن رفضه الاحتلال، وعلى الرغم من ذلك لا يمكن التسليم بأن المصريين أصابهم اليأس من مقاومة الاحتلال، لكن لم يتمكن الوطنيون من إصدار صحف لاستخدامها في التعبير عن مقاومتهم.

ويتضح ذلك من تحليل مضمون بعض المقالات التي نشرتها "الأهرام" التي تمتعت بالحماية الفرنسية، فلم يستطع الإنجليز تطبيق قانون المطبوعات عليها.

المرجل والبخار

اتجه اللورد كرومر لإنشاء صحيفة المقطم عام 1889 التي قالت في أول عدد إنه لا نفع للمصريين من معارضة الاحتلال، فالمعارضة تضرهم ولا تخرج المحتلين.

وقالت المقطم إن سياستها تقوم على ما سمتها "السياسة الفائزة" التي تقوم على مسالمة المحتلين واكتساب صداقتهم.

وقد وفر الإنجليز لجريدتهم كل الإمكانيات فأنشؤوا لها مطبعة حديثة، وأصدر اللورد كرومر أمره للعمد بشراء نسخ منها.

في الوقت نفسه، كان رئيس الوزراء مصطفى رياض يشعر بالإهانة، فهو بلا سلطات ولا يستطيع أن يتخذ قرارا، وكرومر يتصرف في مصر باعتبارها مملوكة للإنجليز، لذلك بدأ يجمع حوله بعض الشخصيات الوطنية التي فكرت في إنشاء جريدة يومية تعبر عن الحركة الوطنية، لذلك منح الشيخ علي يوسف رخصة إصدار جريدة المؤيد عام 1889.

كان الشيخ علي يوسف من تلاميذ الشيخ جمال الدين الأفغاني، وتمكن من أن يجمع في صحيفته رموز الحركة الوطنية الذين يرفضون الاحتلال البريطاني ويطالبون بالجلاء.

وكان من أهم المطالب التي رفعتها "المؤيد" منذ صدورها إلغاء قانون المطبوعات، لكن وزارة مصطفى رياض لم تستطع ذلك.

كان تولي الخديوي عباس حلمي الثاني بداية مرحلة مهمة في تاريخ مصر، فقد أدرك أنه بلا سلطات، وتعرض للكثير من الإهانات على أيدي الإنجليز، فقرر الانحياز إلى الحركة الوطنية، وإلى جريدة المؤيد التي دافعت عنه.

لذلك قرر اللورد كرومر إغلاق "المؤيد" بتطبيق قانون المطبوعات عليها، فقرر الخديوي عباس تطبيق القانون على جريدة المقطم، ورفض كرومر ذلك.

وللتوصل إلى حل للأزمة قرر كرومر تجميد العمل بقانون المطبوعات قائلا "إذا وضعت الغطاء على المرجل (القدر) انفجر، أما إذا تركت البخار يخرج فإن سلامة المرجل مضمونة".

استند بعض المؤرخين إلى تلك المقولة لتبرير تجميد العمل بقانون المطبوعات بأنه يرجع إلى الذكاء السياسي للورد كرومر الذي دفعه لإعطاء المصريين الفرصة للتعبير عن غضبهم ومعارضتهم للاحتلال البريطاني حتى لا يتحول الغضب إلى ثورة.

لكن الحقيقة أن اللورد كرومر لم يكن يؤمن بحرية الصحافة، وكان يرى أن جريدته المقطم هي الأقوى، وأنه يضمن لها النجاح والتفوق، وأن "المؤيد" لن تستطيع أن تصمد في منافستها.

لكن "المؤيد" انتشرت وتزايد تأثيرها بعد أن انضم مصطفى كامل إلى هيئة تحريرها، وشكلت الجريدة بداية نموذج جديد هو صحافة الكفاح الوطني.

وقد أثبتت "المؤيد" أن الصحافة عندما يتاح لها قدر من الحرية تستطيع أن تؤثر في حياة المجتمع، وأن الإمكانيات المادية ليست مهمة في تحقيق نجاح الصحف، لكن المضمون الذي تقدمه هو الذي يحقق التأثير.

وقد تزايدت أهمية نموذج صحافة الكفاح الوطني بعد أن أصدر مصطفى كامل جريدة اللواء عام 1900.

وكان مصطفى كامل قد قرر الانفصال عن الخديوي عباس بعد أن أدرك أنه يمكن أن يدافع عن القضية الوطنية بشكل أفضل عندما يتحرر من كل القيود التي يشكلها الاقتراب من الخديوي.

وقد وفر ذلك لجريدة اللواء عوامل النجاح والتأثير بشكل أكبر من جريدة المؤيد، حيث انطلقت تدافع بوضوح عن حق مصر في الاستقلال والجلاء.

ثورة الصحافة

دراسة تاريخ "المؤيد" و"اللواء" توضح أن الصحافة المصرية تمكنت من نشر الوعي وتعبئة الشعب المصري لمقاومة الاحتلال، لذلك مهدت لثورة 1919.

وهذا يوضح أهمية إعادة كتابة التاريخ ليكون أساسا لبناء النهضة والتقدم، فالتاريخ يوضح لنا أن معركة الوعي هي معركة الشعوب الأولى في كفاحها لتحقيق الاستقلال والحرية.

وعلى الرغم من ضعف الطباعة والتحرير بالمقاييس الحديثة فإن الصحافة المصرية تمكنت من تحقيق تأثير كبير، حيث كان المتعلمون في ريف مصر يقومون بشراء جريدة اللواء ويجلسون مع الفلاحين فيقرؤون لهم مقالات مصطفى كامل.

وقد رفضت الصحف المصرية مقولة إن حرية الصحافة هي منحة من الإنجليز، فالحرية حق لشعب مصر، حيث قالت "المؤيد" إنه من الظلم تقديس حقوق الأجانب وإطلاق الحرية لهم في إصدار الصحف، فيما يتم تقييد حقوق المصريين وحرياتهم.

وعلى الرغم من تجميد قانون المطبوعات فإن الحركة الوطنية كانت تشعر أن وجوده خطر عليها حيث يمكن إعادة العمل به في أي وقت، لذلك كانت تطالب بشكل مستمر بإلغائه، وفكرت في إرسال بعض الوطنيين إلى دول أوروبية للحصول على جنسيتها ثم العودة لإصدار صحف وطنية.

وقد أشار كرومر في مذكراته إلى دور الامتيازات الأجنبية في تجميد العمل بقانون المطبوعات لعدم قدرته على تطبيقه على الصحف التي تتمتع بحماية فرنسا.

ومع وعي الصحف الوطنية (المؤيد واللواء) بهذه الحقيقة إلا أنها تمكنت من استغلال الواقع، وقامت بتعبئة الشعب لمقاومة الاحتلال، كما طرحت الكثير من الأفكار المهمة، منها إنشاء مجلس نيابي يصدر قرارا في أول جلسة له بالمطالبة بجلاء الإنجليز عن مصر، كما طرحت مشروع إنشاء جامعة أهلية.

هزيمة كرومر

وقد نجحت الصحافة المصرية في هزيمة اللورد كرومر على الرغم من كل قوته الغاشمة، ففي عام 1906 تم إصدار أحكام قاسية على الفلاحين بالإعدام والجلد في حادثة دنشواي، ونجحت "المؤيد" و"اللواء" في تغطية المذبحة بأساليب جديدة، مثل التحقيق الصحفي.

كما تمكن مصطفى كامل من جذب الصحافة الفرنسية لتغطية الحدث، وتوضيح قسوة الأحكام وعنصرية الإنجليز واحتقارهم لشعب مصر.

لذلك اضطرت الحكومة الإنجليزية لتهدئة المصريين بإقالة اللورد كرومر، وبذلك تمكنت الصحافة المصرية من هزيمة كرومر.

لكن الحكومة الإنجليزية قامت بتعيين إلدون جورست الذي ثبت بعد ذلك أنه كان أكثر دهاء، فأعطى للخديوي عباس بعض الامتيازات لإبعاده عن الحركة الوطنية، وكان من بين تلك الامتيازات الحق في تعيين بعض الوزراء، لكن الحقيقة أن جورست هو الذي أمره بتعيين بطرس غالي رئيسا للوزراء.

ثم أمر جورست بطرس غالي بإعادة العمل بقانون المطبوعات الصادر عام 1881 ليطبقه على "المؤيد" و"اللواء".

وقد شكلت إعادة العمل بقانون المطبوعات ضربة شديدة للحركة الوطنية، لذلك تقدم الزعيم محمد فريد بعريضة للخديوي عباس يطالب فيها بإلغاء القانون، وقاد المظاهرات ضده في 31 مارس/آذار 1909، ويقدر الدكتور إبراهيم عبده عدد المشاركين في هذه المظاهرة بأكثر من 25 ألفا.

واجه الإنجليز هذه المظاهرة بقوة غاشمة، وقاموا بتفريقها واعتقال عدد من الصحفيين -منهم رئيس تحرير جريدة اللواء الشيخ عبد العزيز جاويش، ورئيس تحرير جريدة القطر المصري أحمد حلمي- وقدمتهم للمحاكمة بتهمة تكدير السلم العام والعيب في الذات الخديوية.

ولم يتنبه الخديوي عباس إلى أن تقييد حرية الصحافة وإضعاف الحركة الوطنية سيمكنان الإنجليز من التخلص منه، وأن الصحافة الحرة هي التي مكنته من الصمود في وجه اللورد كرومر، وأن شعب مصر لن يحزن عليه بعد أن قبل الخضوع للإنجليز والموافقة على إعادة العمل بقانون المطبوعات، وأنه مكن الإنجليز من انتزاع أهم الأسلحة التي استخدمها المصريون في مقاومة الاحتلال.

لكن نتائج استخدام الحركة الوطنية المصرية للصحافة خلال الفترة من 1889-1909 تجلت في ثورة 1919، فلم يكن أمام المصريين سوى الثورة كطريق وحيد للحصول على الاستقلال وإجبار الإنجليز على الجلاء.

ويوم أن تمت إعادة العمل بقانون المطبوعات وقف شاعر الوطنية المصرية الشيخ علي الغاياتي في المظاهرة ينشد:

لئن قيدوا مني اليراع وأوثقوا لساني.. فقلبي كيفما شئت ينطق

فلا يأمنوا تلك القلوب فإنها.. دماء أراها أوشكت تتدفق



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة