مصر الحائرة بين "النهر" و"القصر"

(مواقع التواصل الإجتماعي)
(مواقع التواصل الإجتماعي)

تنقبض صدور المصريين مع كل مرة يتم الإعلان فيها عن "فشل" مفاوضات سد النهضة بين إثيوبيا والسودان ومصر، وعدم التوصل لاتفاق حول ملء وتشغيل السد. وقد جرت آخر جولات التفاوض، التي فشلت ولم تفض إلى شيء، في كينشاسا (عاصمة دولة الكونغو الديمقراطية)، التي يترأس رئيسها فيليكس تشيسيكيدي الدورة الحالية، للاتحاد الأفريقي، الذي يرعى المفاوضات بين البلدان الثلاثة، إثيوبيا والسودان ومصر.

تبادلت الأطراف الثلاثة اللوم حول فشل المفاوضات علنا وعبر بيانات مكتوبة، مصر والسودان لامتا إثيوبيا على عدم الجدية في التفاوض وعدم القبول بمقترحاتهما، خاصة تشكيل رباعية دولية تضم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة للتوسط بين الدول الثلاث، ويوكل إليها ملفات الخلاف خاصة صياغة اتفاق نهائي لقواعد الملء والتشغيل، والاتفاق على آلية واضحة لفض المنازعات، التي قد تنشأ مستقبلا حول تشغيل السد وملئه. بينما اتهمت إثيوبيا السودان ومصر بعرقلة المفاوضات ورفضت ما تسميه "تدويل القضية" عبر مجلس الأمن.

شرعية أي حاكم في مصر ارتبطت، بمعنى من المعاني، بقدرته على "ضبط مياه النهر"، وضمان سريانها ووصولها وتوزيعها على الشعب

لا يتصور المصريون، ولا يمكن لعقلهم الجمعي، استيعاب أن "نهر النيل"، الذي شكّل هويتهم وملامحهم، وصاغ تاريخ بلدهم، منذ أكثر من 10 آلاف عام، قد يتوقف عن الجريان، أو أن تنحسر مياهه أو تجف، ليس بفعل عوامل طبيعية أو جيولوجية، وإنما بقرار سياسي من أحد دول المنبع. ولا يتعلق الأمر هنا بالمياه فحسب بكل ما تعنيه من كافة مقومات الحياة للبشر والحيوان والزرع والطير ولكل ما هو حي؛ وإنما أيضا بتاريخ طويل من العلاقة العضوية الممتدة والمعقدة ما بين النهر والإنسان، وما تركته من آثار تاريخية وسياسية عميقة على العلاقة بين الحكومة والشعب. فنهر النيل، كما يرى العبقري جمال حمدان في موسوعته "شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان"، هو بمثابة العمود الفقري في "معمور ضئيل للغاية، داخل معمور بلا نهاية.."، كما أنه لا يمكن ضبط النهر بدون "ضبط الناس"، وذلك أنه بدون وجود ضابط للنهر، يتحول النيل، حسب حمدان، إلى "فيضان حطام جارف"، وبدون وجود ضابط للناس تتحول عملية توزيع المياه إلى "عملية دموية يسيطر عليها قانون الغاب". إذا اقترن جريان النيل وتنظيمه بسلطة الضبط والتحكم، التي تمارسها الدولة أو بالأحرى حاكمها.

وعليه، فإن شرعية أي حاكم في مصر، ارتبطت، بمعنى من المعاني، بقدرته على "ضبط مياه النهر"، وضمان سريانها ووصولها وتوزيعها على الشعب. وهي مسألة ليست جديدة، وإنما قديمة قدم مصر ونيلها نفسه. وكأن "نهر النيل" هو الذي صاغ طبيعة العقد الاجتماعي الذي يربط بين الدولة والشعب، والذي يقايض التسليم للسلطة/الحاكم مقابل توزيعه لمياه النهر/الحياة. سار هذا الأمر منذ الفراعنة وما يزال مفعوله ساريا حتى الآن. وهو العقد الذي ساهم في نشوء الظاهرة الفرعونية سياسة وحكما على نحو ما سمّاها وشرحها حمدان في عمله الموسوعي.

لذا، فإن قصة "نهر النيل" هي قصة العلاقة بين "النهر و"القصر"، نهر الحياة والمعنى، وقصر "الحكم" و"السلطة"، وكثيرا ما انصاع المصريون للقصر، وقبلوا بجبروته وقهره، وذلك من أجل حماية "النهر". أما الآن فيبدو أن "القصر" عاجز عن حماية "النهر"، ولا يبدو أن من يسكن "القصر" قادرٌ على حماية وضمان تدفق "مياه النهر" وسريانه كما كانت عليه الحال لقرون طويلة. ولو أنه أدرك أن شرعيته معلّقة في جزء مهم منها على مسألة النهر، لما سمح لأحد بالتجرؤ على شريان حياة المصريين، ولما وقّع على اتفاق أعطى بموجبه سكينا للخارج كي يضعه على رقاب شعبه، ويتحكم في مصيره لقرون قادمة.

أما الأنكى من ذلك، فإن من يقطن "القصر" الآن، يمارس كافة أنواع القمع والقهر مع شعبه، في حين يبدو أكثر نعومة وليونة وضعفا في مواجهة المخاطر، التي تتهدد "النهر". وهو أمر ليس بجديد، فقد التقط ذلك جمال حمدان قبل 7 عقود حين لخّص العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر بهذه الفقرة البليغة لغة ومضمونا "وهكذا بقدر ما كانت مصر تقليديا، من البداية إلى النهاية، شعبا غير محارب في الخارج، كانت مجتمعا مدنيا يحكمه العسكريون كأمر عادي في الداخل، وبالتالي كانت وظيفة الجيش الحكم أكثر من الحرب، ووظيفة الشعب التبعية أكثر من الحكم، وفي ظل هذا الوضع الشاذ المقلوب، كثيرا ما كان الحكم الغاصب يحل مشكلة الأخطار الخارجية والغزو بالحل السياسي، وأخطار الحكم الداخلية بالحل العسكري؛ أي إنه كان يمارس الحل السياسي مع الأعداء والغزاة في الخارج، والحل العسكري مع الشعب في الداخل، فكانت دولة الطغيان عامة استسلامية أمام الغزاة، بوليسية على الشعب".

لذا نقف نحن، المصريون، على مفترق طرق، فيما يخص مصيرنا ومصير أجيال أخرى قادمة، وكذا العلاقة الشائكة ما بين "النهر" و"القصر"، وبأيهما يجب أن نُضّحي إذا لزم الأمر.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة