الإمبراطورة أوجيني.. قصة المرأة التي أغرق الخديوي إسماعيل مصر في الديون من أجلها

(مواقع التواصل الاجتماعي)
(مواقع التواصل الاجتماعي)

من أهم الدروس التي يوضحها  التاريخ لكل الأمم أن الحكم الفردي الاستبدادي هو سبب هلاك الدول وخرابها.. وأن هذا الحكم أيضا يمكن أن يؤدي إلى إذلال المستبد وإهانته وسقوطه.

والطغاة يفرحون بقوتهم وسطوتهم وقدرتهم على إسكات كل صوت معارض، ولا يدركون أن ذلك قد يكون أهم عوامل السقوط.

هناك الكثير من التجارب في تاريخ الأمم، لكن تجربة الخديوي إسماعيل يمكن أن تكون كاشفة وشاهدة على أن الدول تنهار عندما يحكم الفرد بهواه، ويطلق العنان لشهواته.. ولا يستطيع أحد أن يعارضه، وأنه عندما يزداد الحاكم الفرد قوة وسطوة وجبروتا يضعف الشعب، وتسوء الإدارة، ويتزايد الفقر.. فلا يوجد في العالم فرد يفهم في كل الشؤون ويستطيع أن يتخذ قرارات صحيحة دون شورى.

لذلك أدركت الدول أن المعارضة من أهم عوامل القوة.. فماذا لو كانت في مصر معارضة كشفت مساوئ قرارات الخديوي إسماعيل وأجبرته على ترشيد سلوكه، واستشارة المتخصصين والعلماء، والتوقف عن الإنفاق السفيه؟!!

لذلك لم يتمكن إسماعيل العاشق من إشباع طموحها، فتركته لتتزوج الإمبراطور نابليون الثالث.

الإمبراطورة أوجيني

قصة الخديوي إسماعيل مع الإمبراطورة أوجيني توضح أهمية دور الصحافة الحرة في الكشف عن الحياة الخاصة للأشخاص الذين يتولون المسؤولية، فهذه الحياة الخاصة قد تكون المدخل لتهديد الأمن القومي، وقد تؤدي إلى انهيار الدولة. وأن الحاكم يجب أن تكون حسن سيرته من أهم مؤهلاته لتولي الحكم، فالشخص الذي ينطلق وراء غرائزه دون الالتزام بالمبادئ والأخلاق يدمر نفسه ودولته.

تجمع الكثير من المصادر على وصف أوجيني بأنها تتمتع بقدر من الفتنة التي تخلب لب الرجال، وبالذكاء والطموح الذي يجعلها قادرة على تحقيق أهدافها، وبحبها للترف والسلطة وأبهة الملك.

لذلك لم يتمكن إسماعيل العاشق من إشباع طموحها، فتركته لتتزوج الإمبراطور نابليون الثالث.

وكان نابليون الثالث قد عاد إلى فرنسا عام 1848 بعد سقوط الملك لويس فيليب، وتحولِ فرنسا إلى جمهورية، فرشّح نفسه للرئاسة واستطاع أن يفوز في الانتخابات على أساس برنامج يقوم على القضاء على الفقر في المجتمع الفرنسي، وتعزيز دور الكنيسة الكاثوليكية في المدارس الفرنسية لإرضاء المتدينين.

بعد انتهاء مدة رئاسته، حاول تعديل الدستور لكي يتمكن من الترشح لمدة جديدة، لكن المجلس الدستوري رفض ذلك، فقام بانقلاب عام 1852 وعيّن نفسه إمبراطورا، وحوّل النظام الفرنسي إلى نظام ملكي.

أدى ذلك إلى تزايد كراهية الشعب له، والطعن في شرعية حكمه.. لكنه لم يهتم بذلك وانطلق يتحكم في الدولة كمستبد نفى المعارضين، وفرض الرقابة على الصحافة، وتحكّم في البرلمان ومنعه من مناقشة قضايا الدولة.

واستخدم نابليون الأموال والثورات التي تدفقت من المستعمرات خاصة الجزائر لإعادة بناء باريس وإنشاء القصور الفاخرة.

عشق نابليون الثالث أوجيني، ولكن عائلته رفضت أن يتزوجها لأنها من عامة الشعب، وليست فرنسية، ولكنه أصر على الزواج منها عام 1853، وبنى قصر التوليري دي باري الذي كان من أهم معالم باريس في ذلك الوقت.

وأغرق نابليون أوجيني في الترف حتى إنه أمر بأن لا تلبس حذاء إلا مرة واحدة.. وعلى الرغم من أن الشعب الفرنسي أحبها في البداية لأنه اعتبرها إحدى بنات الشعب، فإن كراهية الفرنسيين لها بدأت تتزايد بعد أن انتشرت القصص عن بذخها وإسرافها وتحكمها في الإمبراطور، لذلك تعرضت لمحاولة اغتيال عام 1858 وهي في طريقها إلى دار الأوبرا.

فلقد أصبح الشعب الفرنسي يشعر أن أوجيني هي التي تحكم فرنسا وتدير شؤونها السياسية، وأن سطوتها أكبر من قدرة الإمبراطور، فهي الحاكم الفعلي لفرنسا.

أفقر مصر من أجلها

أما إسماعيل فقد عاد إلى مصر ليتولى الحكم بعد مصرع شقيقه ولي العهد أحمد رفعت في حادث غامض، تثور حوله الكثير من الشكوك، فبعد حضور الأمير أحمد رفعت وليمةً في الإسكندرية دعاه لها عمه سعيد باشا، سقطت عربة القطار التي كان يستقلها في النيل. فهل تعرض الأمير لعملية اغتيال؟ ومن الذي دبر هذه العملية؟ وهل هناك علاقة بين عملية الاغتيال ومعارضة الأمير أحمد رفعت لمشروع قناة السويس؟!!

عاشت الامبراطورة أوجيني في مصر مع إسماعيل حياة البذخ والترف، لكن مهما قدم إسماعيل لها فإن أوجيني قد عاشت في باريس حياة أكثر ثراء.

تلك تساؤلات من الصعب الإجابة عليها، لكن إسماعيل تولى الحكم ولقّب بالخديوي، ولم يكفه أنه تزوج أربع نساء، فظلت أوجيني تشغل خياله.

لذلك استغل إسماعيل افتتاح قناة السويس لتوجيه الدعوة لأوجيني، واستعدادا لقدومها قام إسماعيل ببناء قصر الجزيرة لتقيم فيه، واستقدم الخديوي الكثير من المهندسين من أوروبا ليصمموا القصر بأساليب تجمع بين مزايا قصر التوليري دي باري الذي تقيم فيه الإمبراطورة لكي تشعر أنها في بلدها، ومزايا قصور الأندلس حيث ولدت ونشأت.. وتقدر تكاليف القصر بـ750 ألف جنيه، وهو ما يوازي مليارات الدولارات بمقاييس ذلك الزمان.

ثم أنشأ الخديوي أمام القصر حديقة الجزيرة، التي تم تزيينها بكل أنواع الزهور التي تحبها أوجيني.

حفل الافتتاح

شغل العالم في ذلك الوقت الحديث عن البذخ والإسراف والسفه في الإنفاق على حفل افتتاح قناة السويس، وهناك الكثير من المصادر التي تحدثت عن الحفل، لكن ما يهمنا هنا هو كيفية استقبال الخديوي إسماعيل للإمبراطورة أوجيني في بورسعيد، حيث بالغ إسماعيل في الاحتفاء بها لدرجة تقلل من قيمته حاكما لمصر، ويمكن أن توحي بأنها هي من تحكم مصر، وأن الخديوي أهدر كرامته.

وكان من فعاليات حفل الافتتاح أوبرا عايدة التي تنتهي بمشهد يقوم على دفن القائد راداميس حيا في غرفة مظلمة، ولكن عايدة تنجح في التسلل إلى الغرفة، ويجلس العاشقان في الظلام ينتظران الموت. فماذا كانت الرسالة التي يريد إسماعيل أن ينقلها إلى العالم من هذا المشهد؟!!

على ظهر حمار

عاشت الامبراطورة أوجيني في مصر مع إسماعيل حياة البذخ والترف، لكن مهما قدم إسماعيل لها فإن أوجيني قد عاشت في باريس حياة أكثر ثراء.

لذلك طلبت أوجيني من إسماعيل أن تركب حمارا وتتجول به في أحياء القاهرة، وأصر خديوي مصر على أن يصحبها في جولتها راكبا على حمار! وبذلك بالغ إسماعيل في امتهان نفسه وإهدار كرامته.

ولقد بدأت باريس تتحدث عن علاقة العشق التي تربط بين إسماعيل وأوجيني، وأنها قد شجعته على التمادي في هذه العلاقة فاستشاط نابليون غضبا، وأرسل سفير فرنسا لينقل لها أمر الإمبراطور بالعودة إلى فرنسا.

وأصر إسماعيل على أن يودع أوجيني بأسلوب خاص، فأهدى لها غرفة نوم من الذهب الخالص، بها ياقوتة حمراء كتب عليها عبارة توضح أنه سيظل معجبا بها إلى الأبد!!

الثورة على أوجيني

وعادت أوجيني إلى باريس التي أصبحت تختلف تماما عن تلك التي تركتها.

كان الإمبراطور نابليون قد أعلن الحرب على بروسيا، وعلى الرغم من أنه قد حشد جيشه واستخدم كل موارد فرنسا، فإنه قد تعرض لهزيمة قاسية في معركة سيدان التي أدت إلى حصار باريس. وعانى الشعب الفرنسي الفقر والجوع حتى اضطر الفرنسيون إلى أكل الكلاب.

وتزايد سخط الشعب وغضبه على الإمبراطور نابليون وزوجته أوجيني، فاتجهت المظاهرات إلى قصر التوليري دي باري، واضطرت أوجيني إلى الهرب مع ابنها وهي فقيرة لا تملك شيئا إلى إحدى قرى الريف الإنجليزي لتعيش سنوات طويلة ذليلة وحيدة بعد أن قامت عصابة بقتل ابنها.

أما الإمبراطور نابليون الثالث فقد تعرض لهزيمة مريرة، وكان يتمنى الموت الذي لا يأتي في اللحظة المناسبة عندما يحتاج له الإنسان. وظل يعاني مرارة الفقر والهوان والذل والهزيمة لمدة عامين حتى مات عام 1873 في لندن بعد عملية جراحية.

وظل الشعب الفرنسي يكره هذا الإمبراطور وزوجته أوجيني.

نهاية إسماعيل

أما نهاية الخديوي إسماعيل فإنها لا تقل قسوة وبشاعة عن نهاية نابليون الثالث وأوجيني، فبعد أن أغرق مصر في الديون، تزايدت حالة مصر سوءا ولم تستطع تسديد الفوائد، مما أدى إلى فرض الوصاية الأوروبية عليها.

ولقد شعرت كل الدول الدائنة بخطورة الأوضاع، وأن مصر أصبحت تعاني من أزمة مالية، لذلك تم تعيين وزير إنجليزي ووزير فرنسي في الحكومة المصرية.. لكن رئيس الوزراء شريف باشا اعترض على تحكّم الوزيرين في الميزانية فأقالهما.. وأدى ذلك إلى زيادة عجز الحكومة المصرية على تسديد الفوائد الباهظة للديون التي اقترضها إسماعيل.

لذلك طلبت الدول الأوروبية خلعه وتعيين ابنه توفيق، واضطر إسماعيل لأن يرحل عن مصر ذليلا تاركا بلده تواجه أطماع الإنجليز.

وعاش إسماعيل في منفاه في نابولي، وانتشرت في جسده الأمراض الناتجة عن الحزن ومنها السرطان.

مات الخديوي إسماعيل عام 1895 بعد سنوات تمنى فيها الموت، وعندما عادت جثته لتدفن في القاهرة تجاهل الشعب المصري جنازته، فكانت تلك هي النهاية التي تليق بحاكم يطلق العنان لشهواته ويغرق بلاده في الديون.

وتظل قصة إسماعيل والإمبراطور نابليون الثالث وأوجيني توضح أهمية الديمقراطية لتحقيق الحكم الرشيد، وحماية الدول من الانهيار.

لذلك فإن الدول التي تريد أن تبني مستقبلها لا بد أن تقرأ تاريخها بعمق، وتستنتج منه أسباب الهزائم والفشل والفقر لتتمكن من أن تتجنبها.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة