نظرات وعبرات | المُطبّعون الجدد: (6) التحديات والمقاومة

(رويترز)
(رويترز)

تناولنا في المقالات الخمسة السابقة من هذه السلسلة موجة التطبيع الجديدة التي قامت بها بعض الدول العربية مع الكيان الصهيوني، وأوضحنا أن هذه الموجة وما سيليها تختلف عن سابقاتها، وأنها جزء من مخطط متكامل لإحياء مشروع الشرق الأوسط الجديد، وفقا للرؤية التي عبرت عنها "اتفاقيات إبراهيم"، وبعد أن استعرضنا السياق العربي الراهن المصاحب للمشروع، والمركزات التي يقوم عليها، وآليات تنفيذه، والشروط الأساسية لنجاحه؛ نختم السلسلة في هذا المقال بالحديث عن التحديات التي يواجهها المشروع، واحتمالات المقاومة المتوقعة.

قد يتوفر النجاح للمشروع الصهيوني على المديين القصير والمتوسط، ولكن المؤكد أنه لن ينجح على المدى البعيد، لأن ما بني على باطل فهو باطل، وإذا كان عرّابو المشروع يراهنون على الأجيال القادمة، فإن معارضي المشروع أيضا يراهنون على تلك الأجيال نفسها.

نقاط الضعف القاتلة

على الرغم من الفرص الكبيرة المتاحة أمام الكيان الصهيوني لإحياء مشروع الشرق الأوسط الجديد، وتوفر الأسس والشروط اللازمة لذلك، وعلى الرغم من مواءمة السياق العربي الراهن للاختراق الناعم للدول العربية المتبقية، فإن المشروع ينطوي على عدد من نقاط الضعف القاتلة التي تشكل تحديا كبيرًا يضاف إلى التحديات الإقليمية والدولية الأخرى، وتكمن هذه النقاط فيما يأتي:

1. غياب المرجعية الشعبية

حيث تعتمد الاتفاقيات التي يبرمها الكيان الصهيوني مع الدول العربية على أنظمة شمولية تفتقد إلى المرجعية الشعبية ضمن الأطر الدستورية الديمقراطية الحقيقية، مما يجعل هذه الاتفاقيات معرضة للإلغاء عند حدوث تحولات سياسية رئيسية تختلف توجهاتها مع المشروع.

2. عدوانية الكيان الصهيوني

فرغم الجهود التي سيبذلها الكيان الصهيوني على المستويين الاجتماعي والثقافي، ورغم التضليل والتعتيم اللذين ستفرضهما الدول العربية الموقّعة مع الكيان الصهيوني، لتزيين وجهه وتسويغ إدماجه في وعي مواطنيها وأمزجتهم ونفسياتهم، فإنها لن تستطيع شطب التاريخ، وحرق الحقائق الخاصة بعدوانية الكيان الصهيوني وجرائمه واغتصابه للأرض العربية الإسلامية المقدسة.

3. مخالفة ثوابت التاريخ

فإذا كانت بضعة ملايين من أبناء الكيان الصهيوني يزعمون أنهم منذ 5 آلاف سنة وهم يرددون، سنويا في أعيادهم الدينية، مقولة "العام القادم يكون عيدنا في القدس"، فإن أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين يرددون يوميا دعاءهم "اللهم عليك بالصهاينة ومن والاهم، اللهم حرر الأقصى من أيدي الصهاينة الغاصبين"، حتى وإن خفتت أصواتهم، ومنعت أئمتهم من ترديدها على المنابر.

ومن الطبيعي أن يكون الكيان الصهيوني والأنظمة الشريكة له على وعي تام بنقاط الضعف هذه، وسيبذلون جهودا كبيرة لمواجهتها وإضعاف تأثيرها، وسيمارسون المزيد من القمع والبطش والتضليل والتغييب والمصادرة، ولكنهم حتمًا لن يتمكنوا من القضاء عليها والتخلص منها.

التحديات الإقليمية والدولية

إضافة إلى نقاط الضعف السابقة، فإن المشروع يواجه العديد من التحديات التي قد تعصف به من جديد كما عصفت به قبل 30 عاما، وأبرز هذه التحديات:

  1. القضية الفلسطينية

عدم التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، يرضي تطلعات الشعب الفلسطيني، سيؤدي إلى استمرار العمليات العسكرية بين الكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية، تتسع حينا وتضيق حينا آخر، مما سيؤثر بصورة كبيرة على استقرار المنطقة، وموقف شعوبها من الكيان الصهيوني، فضلا عن احتمالات ظهور تكتيكات عسكرية جديدة لدى فصائل المقاومة، تؤدي إلى تصعيد عسكري غير متوقع لجميع الأطراف.

2. السياق العربي

صحيح أن السياق العربي الراهن في صالح الكيان الصهيوني، لكنه ليس بالمطلق، فرغم الضعف والتفكك والأزمات التي يعاني منها، فإنه يشكل تحديا كبيرا للمشروع الصهيوني من عدة جوانب، نذكر منها:

  • غياب الاستقرار السياسي والعسكري والأمني، بسبب القمع والاستبداد والفساد، يرفع مستوى التذمر والسخط والاحتجاج، ويجعل الدول العربية قابلة للاشتعال في أي لحظة، مع تفاوت فيما بينها.
  • المنافسة على الزعامة، فقد تجاهل الكيان الصهيوني مكانة مصر في صدارة الزعامة العربية، ووقع اتفاقيات مع عدد من الدول العربية التي لم تصغ للنصائح المصرية، وخلاصة تجربتها مع الكيان الصهيوني، مما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات الداخلية بين دول المنطقة.
  • الأدوار التحريضية للكيان الصهيوني مع دول الجوار الإقليمي ضد الدول العربية، كدوره مع إثيوبيا والهند.

3. الدول الإقليمية

تشكل كل من إيران وتركيا تحديا كبيرا للمشروع الجديد، حيث سيؤدي أي تصعيد عسكري ضد إيران إلى سيناريوهات معقدة وعاصفة، قد تخرج عن كل التوقعات، في المقابل أصبحت تركيا لاعبًا أساسيا في الإقليم العربي، تربطه علاقات إستراتيجية مع عدد من دوله، تساعده في ذلك النجاحات العسكرية والتكنولوجية التي حققها في السنوات الأخيرة، ولن تسمح تركيا لهذا المشروع أن يتجاوزها أو أن يشكل تهديدا لمصالحها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية.

4. التنافس الدولي

يمثل مشروع الشرق الأوسط الجديد نقطة التقاء مصالح اقتصادية وأمنية كبيرة في منطقة إستراتيجية حيوية متعددة الجوانب، لا تخص الكيان الصهيوني والولايات المتحدة وحدهما، بل تخص اللاعبين الكبار، وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، إضافة إلى روسيا والصين، اللتين تخوضان مع الولايات المتحدة صراعًا وتنافسا محتدما، لا يزال معظمه تحت السطح، ولا يظهر لنا سوى قشرته الخارجية. هؤلاء اللاعبون الكبار لن يسمحوا للولايات المتحدة بالانفراد بتخطيط مشروع الشرق الأوسط وتنفيذه من دونهم، كما فعلت في رعاية الموجة الثالثة من موجات التطبيع، والموجات التي ستليها.

5. تمويل المشروعات

المشروعات الاستثمارية المفترض إقامتها في الشرق الأوسط الجديد مشروعات عملاقة، وتحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، لا تقدر عليها موازنات الدول العربية، مما سيفتح الباب واسعا أمام الدول المستثمرة والشركات عابرة القارات بالدخول والاستثمار مقابل ضمانات دولية قاسية، تلزم الدول العربية المنخرطة في المشروع بالمحافظة على أمن الاستثمار، والالتزام البعيد المدى بالاتفاقيات التي يتم التوقيع عليها، وهذا لن يتم إلا بمشاركة الدول الكبرى بقواتها في حماية استثماراتها واستثمارات شركاتها برّا وبحرًا وجوا.

ولمواجهة هذه التحديات سيؤخذ بالحسبان القيام -دون تهاون- بالعديد من الإجراءات، من قبيل:

1. توقيع الدول العربية المشتركة على "اتفاقيات إبراهيم"، وإلزامها بالعمل الفوري بمقتضاها، وإحداث التغييرات اللازمة الإعلامية والتعليمية والفكرية والثقافية والدينية، وتحويل اتفاقيات إبراهيم إلى ثقافة سائدة في المنطقة، تضبط المناهج التعليمية والعمل الإعلامي والتواصل الاجتماعي والنشاطات الإدماجية المشتركة.

2. تحقيق الاستقرار السياسي في المنطقة، وحل الأزمة السورية والأزمة اليمنية والأزمة السودانية، وإدخال تلك الدول جميعا في المشروع باعتبارها دولا مرشحة لتكوين جماعات مناهضة له في المستقبل.

3. الوصول إلى تسوية سريعة للقضية الفلسطينية، وإلزام القيادة القادمة باتفاقيات دولية تمنعها من القيام بأي أعمال من شأنها زعزعة الاستقرار.

4. وضع تصورات مشتركة بين الولايات المتحدة واللاعبين الكبار، إلى جانب الكيان الصهيوني ودول المنطقة، لضمان أمن المشروع والاستثمارات التي ستضعها فيه برّا وبحرا وجوّا.

5. تضييق الخناق على الجماعات الإسلامية والقومية المعارضة للمشروع، وإصدار تشريعات إضافية ذات صفة دولية تضعها تحت طائلة القانون عند قيامها بأي ممارسات تضر بمصلحة المشروع.

6. ضخ المزيد من الكوادر الليبرالية العربية التي يتم إعدادها في مصانع قادة المستقبل لدى الدول الغربية، وتمكينها من قيادة المؤسسات التنفيذية في الدول العربية.

مقاومة المشروع الصهيوني

يبدو أن احتمالات مقاومة المنطقة العربية لمشروع الشرق الأوسط الجديد في الوقت الراهن ستكون ضعيفة، وغير قادرة على إيقافه أو إعاقة تقدمه، ومن أسباب ذلك ما يأتي:

  • هيمنة الأنظمة الشمولية وغياب المؤسسات النيابية الحقيقية المعبرة عن الشعب.
  • شدة القمع والبطش ومصادرة حرية الرأي والتعبير، وهيمنة الإعلام ذي الصوت الواحد.
  • تعديل المناهج التعليمية في العديد من الدول العربية، بما يتوافق مع مبادئ "اتفاقيات إبراهيم"، وتنشئة الأجيال عليها.
  • رفض الأنظمة الحاكمة لأي فعاليات شعبية أو فئوية تعارض المشروع.
  • انشغال مؤسسات الدولة الرسمية بالترويج للمشروع، وغياب أي مراجعة علمية للمخاطر والنتائج السلبية.
  • انشغال معظم دول المنطقة بأزماتها الداخلية السياسية والاقتصادية والأمنية، عما يدور في الإقليم أو العالم، مثل سوريا واليمن والعراق وليبيا والسودان وموريتانيا والصومال ومصر والسعودية ولبنان وتونس والجزائر.
  • عجز القضية الفلسطينية عن ضخ المزيد من الوقود لإشعال الشارع العربي لمناصرتها من جديد، وإعلاء مكانتها على غيرها من القضايا.
  • قيام العديد من دول المنطقة بتجريم جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وانكفاء أفرادها على أنفسهم، وانحسار فعالياتهم المناهضة للتغلغل الصهيوني.
  • هيمنة المؤسسات الدينية الحكومية على شؤون التوجيه الديني في المساجد والمحاضرات والمنابر الإعلامية، وهي جميعها تؤيد النظام وتصدر له ما يحتاجه من الفتاوى، وتقدم له ما يطلبه المقام من الدفاع والتبرير.
  • ضعف الأصوات المعارضة من خارج المنطقة العربية في وجه الآلات الإعلامية الشرسة التي تمتلكها الأنظمة الشمولية.

ومع وجود هذه الأسباب، فإن أنظمة الدول الشمولية بكل قمعها وبطشها، لن تتمكن من تحقيق ما يأتي:

  • تغيير الحقائق الدينية.
  • إلغاء التاريخ وإقناع الأجيال بمشروعية الكيان الصهيوني.
  • خنق الأصوات الوطنية الرافضة للمشروع.
  • شطب الحركات الإسلامية الكبيرة وإلغاؤها من الوجود، والتاريخ يشهد على ذلك.
  • الاستمرار في التضليل والتعتيم، لأن عمرها قصير.
  • تجنب الهزّات والانتكاسات المفاجئة.

وهذا يعني أن المشروع قد يتوفر له النجاح على المديين القصير والمتوسط، ولكن المؤكد أنه لن ينجح على المدى البعيد، لأن ما بني على باطل فهو باطل، وإذا كان عرّابو المشروع يراهنون على الأجيال القادمة، فإن معارضي المشروع يراهنون أيضا على تلك الأجيال نفسها.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة