ماذا تريد إيران من إدارة بايدن؟

(الجزيرة)

أثناء لقائه الأسبوعي مع وسائل الإعلام حذّر السيد علي ربيعي، المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، يوم الثلاثاء، الدول الغربية من مغبة اتخاذ أي خطوة يمكن أن تؤثر في مسار الدبلوماسية، وأصرّ على ضرورة إثبات واشنطن حسن النية وبناء الثقة عبر رفع العقوبات عن إيران سلفًا، وأضاف أنها (أي واشنطن) لم تتحرك في هذا الاتجاه ورفضت حتى اللحظة اتخاذ الخطوات اللازمة.

وهنا يُطرح سؤال: ماذا تريد إيران من إدارة بايدن؟

ولماذا يتحدث ربيعي كأن هناك خطوات لازمة أو متفقا عليها كان من المفترض أن تقوم حكومة بايدن باتخاذها ولم تفعل؟

للإجابة عن هذا السؤال لربما يجب أن نعود إلى عام 2017، حين انتشرت صور وأخبار عن لقاء سرّي جمع بين جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة السابق، وكمال خرازي رئيس لجنة تخطيط السياسة الخارجية لبيت المرشد، بمطعم "L’Avenue" في باريس، وما تبعته من لقاءات خاصة بين شخصيات إيرانية عالية المستوى ذات مناصب رسمية أو غير رسمية مع أعضاء من الحزب الديمقراطي الأميركي قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية.

واعترف أخيرا السيد روبرت مالي، مسؤول ملف إيران في وزارة الخارجية الأميركية، بوجودها في مقابلة مع إحدى الصحف الأميركية.

في حين كان العراق يهاجم شتى المدن الإيرانية بصواريخ سكود التي كانت بحوزته فإن الإيرانيين كانوا بالكاد يستطيعون استهداف البصرة أو تخطيها بأسلحتهم.

وفي كل هذه اللقاءات طلب الديمقراطيون من الإيرانيين مقاومة ضغوط ترامب ومحاولاته عرقلة الاتفاق النووي، والاستمرار بتنفيذ الاتفاق النووي كي لا يُدمَّر الاتفاق، ووعدوا الإيرانيين بأن الديمقراطيين سيعودون إلى الاتفاق النووي وسيرفعون العقوبات عن إيران بمجرد وصولهم إلى البيت الأبيض.

ولا يخفى على أحد أنه في هذه الأثناء كانت هناك رسائل ترسل إلى الإيرانيين من قبل ترامب بأنه مستعد أن يرفع العقوبات عن إيران بمجرد لقاء يجمعه بالرئيس الإيراني حسن روحاني، وقبول إيران بمفاوضات على اتفاق جديد مع ترامب بدل الاتفاق النووي السابق.

ولو كان الإيرانيون يريدون إجراء مفاوضات جديدة على الاتفاق النووي لربما كان من الأفضل لهم مفاوضة ترامب، وعدم تحمل كل العقوبات الإضافية التي فرضها عليهم، وعدم الانتظار حتى يأتي بايدن ويعود بهذا الطلب.

عقدة المفاوضات الجديدة

والكل يتصور أن العقدة كانت دوما فقط في مسألتين طُرحتا حتى في أثناء المباحثات النووية قبل عام 2015؛ وهما برنامج إيران لتصنيع الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإيراني في المنطقة.

لكن الإيرانيين متخوفون دوما من أنهم حتى لو دخلوا مفاوضات كهذه، فإن الحبل سيكون على الجرار.

وعلى كل حال فبعد الحرب العراقية-الإيرانية اتخذت إيران أصلا أساسيا في سياستها؛ هو أن تقوم بتصنيع كل الأسلحة التي تحتاج إليها داخليا بأي ثمن كان، وأن توسع حدودها السياسية كي تصبح حدودها الافتراضية أراضي دول معادية لإيران، وعموما فإن إسرائيل في هذا السياق.

ومنشأ هذه السياسة أنه على الرغم من أن شاه إيران كان يشتري أحدث أنواع الأسلحة الموجودة في العالم، فإن القوات المسلحة الإيرانية في أثناء الحرب العراقية-الإيرانية واجهت نقصا كبيرا في قطع غيار الطائرات والأسلحة التي كانت بحوزتها، مما جعلها غير قابلة للاستفادة منها في الدفاع عن البلاد.

وفي حين كان العراق يهاجم شتى المدن الإيرانية بصواريخ سكود التي كانت بحوزته فإن الإيرانيين كانوا بالكاد يستطيعون استهداف البصرة أو تخطيها بأسلحتهم.

من جهة أخرى فإن إيران تعلم أن الجرح الذي يوجع الأميركيين هو إسرائيل فقط، ولو أن المنطقة دُمّرت بالكامل فلا يهم أميركا إلا بقاء إسرائيل، ولهذا فإن على إيران أن تتمكن من إيصال صواريخها إلى الحدود الإسرائيلية، فالصواريخ الباليستية الإيرانية لا تشكل تهديدا واقعيا على إسرائيل إذ يمكن تدميرها قبل الوصول إليها بسبب بعد المسافة، كما حدث مع صواريخ سكود التي أطلقها صدام حسين على إسرائيل.

ولهذا فإن بقاء خط "إيران-العراق-سوريا-لبنان" مفتوح يعدّ حياة بالنسبة لإيران عليها الاحتفاظ به بأي ثمن كان.

وترى إيران أن هذه المعادلة، أي صواريخها الباليستية ونفوذها الإقليمي يشكلان نوعا من توازن الردع للقوى بينها وبين خصومها في المنطقة، فعمليا إسرائيل والمملكة العربية السعودية تمتلكان أحدث الأسلحة الأميركية، وإذا لم تكمل الولايات المتحدة مسيرتها في احتلال إيران بعد احتلال أفغانستان والعراق فإن السبب الوحيد هو قوة الردع الإيرانية واستطاعة إيران توسيع رقعة اللعبة إلى كل المنطقة، الأمر الذي يزيد من كلفة الهجوم على إيران.

اتفاق سابق على تأجيل البتّ في موضوع البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي الايراني

كان عليّ طرح هذا الموضوع لفهم خلفية التفكير الإيراني بالنسبة لموضوع تصنيع الصواريخ والنفوذ الإقليمي وأهميته الحياتية بالنسبة لهذا البلد.

فأثناء المباحثات النووية قبل عام 2015 توصل الجانبان الإيراني والأميركي إلى نتيجة مفادها أن إصرار واشنطن على إدراج موضوع تصنيع الصواريخ الباليستية الإيرانية والنفوذ الإقليمي الإيراني سوف يعقّد كل المفاوضات، ولن يتوصل المفاوضون إلى نتيجة، ومن الأفضل للجانبين التوصل إلى صيغة تفاهم أولية تشكل أرضية تعاون بينهما وتكسر الجليد، وإذا ما نجحت هذه الصيغة فبعد ذلك يمكنهما بحث موضوعات أخرى.

والجانبان توصلا إلى تفاهمات أساسها أن موضوع الصواريخ الإيرانية والنفوذ الإقليمي الإيراني لا يمكن بحثه بشكل منفرد مع إيران بل يمكن بحثه عبر مؤتمر عام، لعله يكون تحت إشراف الأمم المتحدة، للحدّ من انتشار أنواع الأسلحة في منطقة الشرق الأوسط، ووصول جميع دول المنطقة إلى صيغة تفاهم يحدّ من تدخلات الجميع في شؤون دول المنطقة.

لا يجب أن ننسى أن الرئيس روحاني هو ابن الطبقة السياسية الأرستقراطية الإيرانية، وهو يريد أن يستمر في حياته السياسية بعد انتهاء رئاسته، حتى إنه يأمل أن يكون خليفة للمرشد مستقبلا، وإذا لم يستطع حلّ عقدة الاتفاق النووي أثناء دورة رئاسته، فإن عليه أن ينسى كل مستقبله السياسي في هذا البلد.

والجدير بالذكر أن عددا من الشخصيات الأميركية التي شاركت في هذه الاجتماعات وكانت على علم بما حدث خلف الكواليس هي اليوم ذات مناصب عالية في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، مثل جون كيري وجيك سوليفان وأنتوني بلينكن وروبرت مالي وويندي شيرمان وغيرهم.

وإعادة طرح موضوع المفاوضات على البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي الإيراني في المنطقة تعني بالنسبة للإيرانيين سوء نية من قبل فريق بايدن للدخول في مفاوضات لا نهاية لها، وإبقاء العقوبات والضغوط على إيران إلى ما لا نهاية.

ماذا كان يأمل الإيرانيون بعد انتخاب بايدن؟

وكان الإيرانيون يأملون أنه بمجرد وصول بايدن إلى البيت الأبيض، وحسب الاتفاقيات السابقة خلف الكواليس، فإنه سوف يقوم على الأقل برفع العقوبات التي فرضها ترامب على الإيرانيين، ويعلن رسميا أن الولايات المتحدة سوف تعود إلى الاتفاق النووي بشطبة قلم، كما كان الأمر بالنسبة لاتفاقية المناخ مثلا، لكن ما حدث أن الوسطاء أخبروا الإيرانيين أن بايدن سوف يحتاج على الأقل إلى 100 يوم ليسيطر على الوضع في الإدارة الأميركية، وهو لن يستطيع أن يفي بوعوده ما لم يقم الإيرانيون بخطوات تقوّي موقفه السياسي داخل الولايات المتحدة، أدناها الالتزام بالاتفاق النووي حتى ذلك الحين.

الأمر الذي أغضب الإيرانيين، خاصة حكومة الرئيس روحاني التي وضعت كل ثقلها في نجاح الاتفاق النووي، وليس بإمكانها الانتظار 100 يوم أخرى كي ترى ما سوف تقرره إدارة بايدن.

فلا يجب أن ننسى أن الرئيس روحاني هو ابن الطبقة السياسية الأرستقراطية الإيرانية، وهو يريد أن يستمر في حياته السياسية بعد انتهاء رئاسته، حتى إنه يأمل أن يكون خليفة للمرشد مستقبلا، وإذا لم يستطع حلّ عقدة الاتفاق النووي أثناء دورة رئاسته، فإن عليه أن ينسى كل مستقبله السياسي في هذا البلد.

خصوم روحاني وإمكانية إجراء مفاوضات مع الحكومة الإيرانية المقبلة

وبالطبع فإن خصوم روحاني السياسيين لا يريدون نجاح روحاني في الوصول إلى أي نتيجة قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية، خاصة في مجال الاتفاق النووي، ولهذا فإنهم يضعون ضغوطا وعراقيل أمام أي خطوة من الممكن أن تتخذها حكومة روحاني في هذا السياق، مثلما حدث -كما لاحظنا- بالنسبة لاتفاق الحكومة الإيرانية الأخير مع المنظمة الدولية للطاقة الذرّية إذ احتاج الموضوع إلى تدخل المرشد لحسم الموقف.

وإقرار قانون "الخطوات العملية لرفع العقوبات" في مجلس الشورى الإسلامي قيّد يد حكومة الرئيس روحاني في القيام بأي مناورات، وألزمها الاستمرار في الخروج من الاتفاق النووي رويدا رويدا ما دامت العقوبات لم ترفع عن إيران.

وهدف هذا القانون هو أن تبلغ إيران في النهاية ما كانت عليه قبل الاتفاق النووي، أو أن تتخطى ما كانت عليه في برنامجها النووي، وإذا ما كانت هناك مفاوضات جديدة فإن على الجميع أن يبدؤوا من الصفر أو يكتفوا بما تم توقيعه سابقا.

وهذا يعني جمع الأوراق، وكل يوم يمر فإن إيران تستطيع جمع أوراق أكثر في حين أن الأميركيين والغرب يخسرون أوراقهم أمام إيران، لأنهم عمليا في عهد ترامب فرضوا كل ما كان بوسعهم من عقوبات ضد إيران، وحتى العقوبات الأممية لم تعد تمثّل تهديدا بالنسبة للإيرانيين، إذ إن العقوبات الأممية عمليا أقل من العقوبات الحالية المفروضة على إيران.

شدّ الحبال حتى وصول الحكومة الإيرانية الجديدة إلى السلطة

البعض يتصور أن الأميركيين ينتظرون الحكومة الإيرانية المقبلة لكي يدخلوا في مفاوضات معها، لكن الذي يفكر على هذا النحو بالتأكيد ليس لديه أي معلومات عن ماهية التركيبة السياسية الإيرانية، فقرار المفاوضات هو قرار مرتبط بالنظام في إيران وليس مرتبطا بالحكومة، وعليه فإن تغيير الحكومة لن يؤثر في الموقف العام للبلاد، فضلا عن أن أي رئيس سوف يصل إلى السلطة في إيران سوف يفكر في آخرة روحاني وحكومته التي كانت تنادي بالمفاوضات مع الغرب.

هل الحكومة غير مؤثرة كليا في الموقف العام من المفاوضات؟

ومع أن قرارا كهذا لا يعود إلى الحكومة لكن إيران، على كل حال، هي دولة مؤسسات، وعموما فإنه وبتغيير الحكومة فإن ممثلي الحكومة الجديدة سوف يمثلونها في هذه المؤسسات، وبالطبع إذا كانت الحكومة تنادي بالمفاوضات فمن الممكن أن تستطيع إيجاد نوع من الإجماع في النظام للمضي نحو المفاوضات، وبالعكس فمن الممكن أن نرى معارضة أقوى ضد أي مفاوضات مع الغرب، وتوجه إيران لتقوية علاقاتها وتحالفاتها مع الشرق خاصة روسيا والصين.

وهذا الاتجاه بات أقوى في الظروف الحالية ولديه فرصة كبيرة للسيطرة على الحكومة المقبلة في البلاد.

ما الذي تريده إيران؟

وكخلاصة يمكن القول إنه من المؤكد بالنسبة للنظام الإيراني، وعلى رأسه المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، أنه يريد رفع العقوبات في أسرع وقت ممكن، لكنه ليس على عجلة من أمره إذ يرى أن إيران استطاعت التأقلم مع العقوبات القصوى التي رفضتها أميركا، وفقط الإلغاء العملي للعقوبات يمكن أن يكون مرضيا، وإلا فالأفضل عدم تغيير الظروف الحالية والاستمرار في عملية شدّ الحبال.

وهنا عندما يتكلم عن الإلغاء العملي للعقوبات فهو يقصد رفع العقوبات بشكل كامل، وليس تعليقها بشكل مرحلي لمدة معينة كما علقها أوباما بعد الاتفاق النووي مدة 3 أشهر قابلة للتمديد، ثم أوقفها ترامب.

وحسب ما أعلنه جميع المسؤولين الإيرانيين فإن إيران مستعدة للعودة إلى الاتفاق النووي بشكل متزامن أو دفعة واحدة دون أي مشكلة.

حتى إن بعض الدبلوماسيين في طهران بدؤوا أخيرا يتداولون موضوع إمكانية رفع العقوبات الأميركية وعودة إيران إلى كل التزاماتها في الاتفاق النووي دفعة واحدة، وبعد ذلك إن لم تلتزم إيران بالاتفاق فإن الدول الأوروبية تهدد بتفعيل آلية الزناد وإعادة العقوبات الدولية على إيران، على أساس أن إيران اليوم تواجه أشد أنواع العقوبات وأنه ليس هناك أي عقوبات جديدة يمكن أن تهددها، وأن ترامب قام عبر فرضه العقوبات القصوى بحرق ورقة التهديد التي كانت بيد الغربيين، لكنه إذا ما تمّ رفع العقوبات فبالتأكيد سوف يكون لدى الطرف المقابل ورقه ضغط يهدد بها إيران وهي إعادة العقوبات مجددا.

بالمقابل، بالنسبة لحكومة الرئيس روحاني فهي على عجلة من أمرها إذ إن رفع العقوبات في الزمان المناسب من الممكن أن يعطيها فرصة لطرح شعار المضي في حلّ الخلافات مع الغرب عبر المفاوضات، ومطالبة الناس بالتصويت لمصلحة مرشحها في الانتخابات المقبلة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن المهم بالنسبة لحكومة روحاني ليس عودة الولايات المتحدة أو عدم عودتها إلى الاتفاق النووي بل المهم فقط "رفع العقوبات".

ويمكن القول -في الظروف الحالية- إن الناخبين الإصلاحيين والرماديين الذين يشكلون نحو 75% من الأصوات مستاؤون من الظروف الاقتصادية التي تشهدها البلاد والوعود الكبرى التي التزمتها حكومة روحاني ولم تحققها، فزاد ذلك حدّة غضبهم؛ ولهذا فمن المستبعد أن يصوّتوا إلا إذا صعقتهم مسألة رفع العقوبات وأعطتهم الأمل للتصويت لمرشح ينادي باستمرار الحل السياسي للخلافات مع الغرب.