طارق البشري والترابط بين الشخصي والفكري

(مواقع التواصل الاجتماعي)
(مواقع التواصل الاجتماعي)

يمكن القول إن أهم ما ميّز المستشار طارق البشري -رحمه الله تعالى- أنه قدم نموذجًا يؤتسى لرجل عاش زمنه وشهد عليه. فسيرته الشخصية والفكرية نموذج للحياة التي تستحق أن تعاش بجوانبها المتعددة؛ إنسانًا ومواطنًا ومفكرًا ومؤرخًا وقاضيًا، وهي جوانب يظهر فيها أثر عناصر متعددة (كالنشأة والتربية الأسرية الممتدة، والمجتمع بتشكيلاته المختلفة، والزمان بأحداثه المتعاقبة، والسياقين الخاص والعام)، في صياغة الإنسان بشخصيته وأفكاره والأدوار التي يقوم بها على المستويات: الوطنية والمهنية والفكرية والسياسية، بشكل يأخذ بعضه بحُجُز بعض بطريقة نادرة.

فلا يمكن الفصل بين انشغالات البشري وكتاباته، وشخصيته وأحداث عصره، فهو يعكس خصوبة وثراء عصر حافل ومولّد للأفكار ولهذا خرّج لنا جيلًا مختلفًا.

ومفتاح شخصية البشري الذي يعكس انشغالاته الفكرية وأدواره هو مفهوم الاستقلال الذي تتفرع عنه المسائل الأخرى كالواجبات الوطنية، والتجديد القانوني، والديمقراطية، والتحول من اليسار إلى المرجعية الإسلامية كإطار جامع ومستوعب للتعددية.

والاستقلال -في نظره- مفهوم شامل لا يتجزأ، فهو يشمل 4 مستويات فيبدأ بالاستقلال عن الذات ويمرّ باستقلال الأزهر، واستقلال القضاء، وينتهي باستقلال الوطن، ومنشأ هذه الفكرة يرجع إلى تلك التجربة التي عاشها وتمازج فيها الوجداني والتربوي والاجتماعي والتاريخي والوطني.

ففي ما يخص المستوى الأول وهو الاستقلال عن النفس أو الذات، يرى أنه شرط للموضوعية والبحث عن الحقيقة، كما أنه شرط للتخلق والاعتراف بالنعم الإلهية واجبة الشكر، وشرط لإتقان العمل الذي يقتضي ألا يدخل العاملُ في منافسة مع أحد؛ لأن التنافس مع الآخرين يُخلّ بالتفاني الواجب لإتقان العمل من جهة، ويحوّل الاهتمام من الموضوع إلى الذات من جهة أخرى. فالعمل واجب يستحق أن يؤدّى على كماله وبحسب الطاقة لا بحسب الأجر الموعود. وهذه مسألة شديدة الأهمية في شخصية وأخلاق البشري، وقد شهدته مرة عمل عملًا فرّغ له وقتًا على مدار 3 أيام، ثم ألحّ في ردّ المكافأة الرمزية المتعلقة به؛ لمجرد أنه أحسّ أنه لم يعط في المقابل ما يُقنع ويرضي الطرف الآخر!

حين عُيّن في مجلس الدولة سنة 1954 لم يكن قد تجاوز الـ22 من عمره، ولم يكن بعدُ جرَّب نفسه ليعرف ما يَصلح له وما لا يصلح. شقّ طريقه بشغف الاطلاع وباستغراق شديد في العمل، اكتشف نفسه وتحسّس ملكاته، فأخافته قدرة الحجاج والجدال فيه خشية أن تؤول إلى اللَّدَد واللَّجاجة، فخرج من ميدان عابدين إلى حي السيدة زينب حيث مدافن عائلة البشري.

وهو يرى أنه يصعب جدًّا الجمع بين الموضوعية في النظر إلى الأمور والنظر إلى الذات، ولذلك لم يعتد أن ينشغل بنفسه، كما أنه لا يحب شعوره عن نفسه وهو منشغل بها، وكان يردد كلام الصوفية "وجودي أن أغيب عن وجودي"، ويضرب لذلك مثلًا طريفًا بالميكانيكي الذي يدخل تحت السيارة غير عابئ بظروف ومحيط عمله في مقابل إصلاح سيارات الآخرين. وقد قال لي مرة "إن كنتُ شأنًا فسأكون شأنًا لغيري لا لنفسي".

وتوضح وصيته التي كتبها قبل أكثر من عقد حرصه على التحرر من الذات والذاتية؛ رغباتٍ وانشغالًا، وفيها يقول "وقد دعوت الله تعالى أن أكون لا على ملك أحد من الناس، وأن أكون على ملكه تعالى، ورجوته وأرجوه تعالى أن يُبقي على ملكي التام تلك المساحة الصغيرة التي لا تجاوز حجم الحصاة، والتي تقع بين سنّ القلم وسطح الورق، وأن يبقيها لي حرمًا آمنًا لا تنفتح لغير النظر والفهم، ولا تنفتح لدخَل أو غصب أو غواية"، وهي وصية تجسد قيمة الاستقلالية عن الذات وعن الضغوط التي تتوسل عادة بالرغبة أو الرهبة خضوعًا وإخضاعًا. فالصواب والخطأ واردان على ما يكتب، لكنهما صواب مجتهد وخطأ مجتهد، بعد أن يستفرغ وسعه ويحيّد الذات التي ترغب أو ترهب؛ لأن المحرك الوحيد له هو البحث عن الحقيقة، وهو ما جعل من التواضع خلقًا مركزيًّا له، بل طبيعة لا يتكلفها.

وحين عُيّن في مجلس الدولة سنة 1954 لم يكن قد تجاوز الـ22 من عمره، ولم يكن بعدُ جرَّب نفسه ليعرف ما يَصلح له وما لا يصلح. شقّ طريقه بشغف الاطلاع وباستغراق شديد في العمل، اكتشف نفسه وتحسّس ملكاته، فأخافته قدرة الحجاج والجدال فيه خشية أن تؤول إلى اللَّدَد واللَّجاجة، فخرج من ميدان عابدين إلى حي السيدة زينب حيث مدافن عائلة البشري. دخل مسجد السادة المالكية الذي كان يحبه (كما يحب مساجد مصطفى محمود والسيدة زينب والسيد البدوي)، وصلى فيه ركعتين عاهد الله تعالى فيهما بما عبَّر عنه القرآن الكريم في سورة القَصص (ربّ بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرًا للمجرمين)، ونشهد أنه لم يكن ظهيرًا لمجرم أو ظالم.

أما المستوى الثاني -وهو استقلال الأزهر- فيرجع إلى حادثة تاريخية تتصل بجده شيخ الأزهر سليم البشري رحمه الله تعالى الذي فُصل من الأزهر بسبب مواجهة جرت بينه وبين الخديوي عباس الذي أراد أن يتدخل في شؤون الأزهر، وكان جده يرفض ذلك التدخل. لم يدرك طارق البشري جدّه، لكن وجدانه تشكل على وقع تلك الحادثة بفضل الروايات الكثيرة التي كانت تتدوالها العائلة عن تلك المواجهة بين الشيخ والخديوي. ولهذا تعلّق وعيه بفكرة استقلال الأزهر، ورضع في طفولته تلك القصص التي تدور حول المعاناة والشموخ وكرامة العلم، وأن القيمة الاجتماعية هي قيمة العلم والموقف الأخلاقي لا غير. والبشري يستصحب ذلك الوعي حين يُعلّق في صالة منزله التي يعرفها كل من اتصل به، صورة لجده تُظهر عزّة وأنفة الشيخ سليم وإعراضه عن اللورد كتشنر المعتمد البريطاني في مصر، في حين أن أعين كبار رجال الحكومة المصرية آنذاك كانت معلَّقة به!

المستوى الثالث يتعلق بفكرة استقلالية القضاء، وهي مسألة يرجع الفضل فيها إلى أبيه الذي كان قاضيًا، كما أن فكرة استقلال القضاء كانت فكرة أساسية سيطرت على جيل شباب العشرينيات في مصر، وقد مارس البشري هذه الاستقلالية قبل أن يكتب عنها وينظّر لها، وله في ذلك وقائع مشهودة يعرفها المصريون، من أشهرها عدم إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية.

أما المستوى الرابع، وهو استقلال الوطن، فقد كان يمثل -في وعي البشري وأبناء جيله- المدينة الفاضلة التي تملأ الأرض عدلًا؛ فقد وعى صبيًّا صورة مصر في الحرب العالمية الثانية (1939-1945) حين أغارت الطائرات الألمانية على الإسكندرية والقاهرة، وعلى معسكرات الإنجليز والحلفاء في ضاحية حلمية الزيتون حيث نشأ في بيت العائلة. وعلى وقع هذه الحرب تشكّل وعيه المبكر، فقد كان أبوه يوقظه مع انطلاق صفارات الإنذار في الليل للذهاب إلى المخبأ المجاور، وقد شكل هذا بداية احتكاكه بالأحداث العامة والحركة الوطنية المصرية، ومشاهدة الوجود الأجنبي على أرض مصر. وهو ما انعكس عليه وعلى جيله الذي تفاعل مع هذه الأحداث بقدر ما يستطيع. فالشأن العام هنا لم يكن انشغالًا نخبويًّا أو فكريًّا، بل كان مسألة معيشية تمسّ عامة الناس وهو منهم؛ حيث تلاشت المسافة الفاصلة بين الشأن الفردي والشأن العام، وعلى هذا تكوّن وجدانه، ورؤيته للعالم، وأدرك أثر الشأن العام فيه شخصيًّا وفي الآخرين من جهة، وإمكان أن يكون له ولغيره أيضًا تأثير في الشأن العام من جهة أخرى.

وسيتعزز هذا الأمر في عام 1956م حين أُجليت قوات الإنجليز عن مصر، وأعلن جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، فشنّت القوات الإنجليزية والفرنسية والإسرائيلية العدوان على مصر فيما عُرف بالعدوان الثلاثي. وقد عايش البشري هذا العدوان وهو في عزّ الوعي بالأحداث، وكان حينئذ يعمل في مجال القانون في مجلس الدولة. وفي الأشهر الستة تبدَّلت الأحوال وتزلزلت العقول، وتحوّل فيها البشري -بإحساسه المرهف وطنيًّا ونفسيًّا- من حال إلى حال، فتساءل عن جدوى عمله القانوني فيما إذا جاءت قارعة الحرب فدكّت الأرض دكًّا. وبعد تَفَكُّر، اندفع بشعور الواجب تجاه الجماعة إلى أن يُقلص علاقاته الاجتماعية ليبني ذاته ويقرأ خارج حقل القانون سنين عددًا، بعد أن كان يرى أن زكاة مواطنتِه تؤدَّى من خلال تخصصه في القانون متأثرًا بأبيه، فجاءت الحرب فغيَّرت كلَّ شيء.

وعلى طريقته المعتادة في التفكر والتحليل، رأى البشري أن القانون بناء تنظيمي بل شبكة أبنية تنظيمية، وهذا البناء لا يقوم إلا على أرض، لكن ماذا لو سُحبت الأرض من تحته؟ حينئذ لا يعود شيئًا مذكورًا، ويغدو كل هذا الذي يبذل فيه جهده معرَّضًا للضياع بسبب حدث سياسي يمكن أن يؤدي إلى احتلال في 24 ساعة! أدرك البشري وقتئذ نسبية عمله القانوني، وأن ثمة أشياء أهم من القانون، وهنا اكتشف أهمية التاريخ الذي يشبّهه بأنه كالسباحة يحرك كل العضلات الفكرية للإنسان، ويتقاطع فيه الاقتصاد والسياسة والمؤسسات المختلفة ومنها المؤسسات القانونية. كذلك تتقاطع في وعي البشري أهمية القانون والتاريخ على أرضية استقلال الوطن ومؤسساته من جهة، واستقلال الفرد نفسه من جهة أخرى.

فكان من الطبيعي -بناء على هذا المسار التاريخي والشخصي المترابط- أن يتأثر البشري تأثرًا بالغًا بزلزال 1967 الذي "انكسرت فيه آمال، وسُدَّت آفاق، وتحطمت آراء ونظريات"، فانقلب كيانه للمرة الثانية، وأذابت هذه النقلة ما أذابت من بنائه الفكري، فاستنفر -بدافع مسؤولية التصويب- لاستكمال النقص وإصلاح الخلل. قام بذلك بصحة كهل لم يحتمل قلبُه الضغط فانجرح، وراح يردّد "أليس عجيبًا أن تكون الحربُ هي العنصر الأساسيّ في تشكيل هوية جيله ومزاجه؟".

وهنا يتساءل البشري بعد أن اهتمّ وأبناء جيله بالشأن السياسي والجماعة الوطنية "أين الخلل؟ ما الذي قصرنا فيه حتى وقعت الهزيمة؟ وكيف يمكن تحويلها إلى نصر؟"، وبعد تأمّل توصّل إلى سببين: الأول يتعلق بفكرة الديمقراطية وأن البناء الإداري (ويعني به الجهاز السياسي للدولة) كان فرديًّا؛ مما أعاق إمكانات إصدار القرار الرشيد في الوقت المناسب. والثاني تلك العزلة التي كانت قائمة بين الاتجاه العلماني والاتجاه الإسلامي، وأنه لكي تقيم تيارًا أساسيًّا في مصر عليك أن تجمع بين الوطنية والإسلامية في تيار واحد، وأن توجد صيغة لتجميع هذه الأمة بأساسها الفكري العقائدي الذي لا بد من أن نعترف به كمكوّن أساسي بالإضافة إلى الجوانب الأخرى، كالجانبين الاقتصادي والسياسي. كان هذا هو الدرس الذي خرج به من هزيمة 1967.

لم توسّع فكرة الاستقلال آفاق البشري وانشغالاته فحسب، ولم تُدخله ميدان التاريخ الرحب فقط، بل قادته أيضًا إلى أفكار الديمقراطية والتيار الأساسي في الأمة والحوار العلماني الإسلامي، والجماعة الوطنية، والبحث في الثورات المصرية المختلفة (شهدت مصر 5 ثورات بين 1800-2011)، ودراسة حياة بعض الزعماء المصريين. بل إنها نقلته في مرحلته الثانية بعد الهزيمة إلى المرجعية الإسلامية في السياسة تحديدًا. فقد كان، شأن آخرين، يفكر بالسياسة بعيدًا عن أن يكون فيها مرجعية دينية أو عنصر ديني كما قال لي عام 2010. كان الدين قبل 1967 حاضرًا لديه بوصفه عقيدة ومصدرًا من مصادر القانون، لكن الدين كان أيضًا خارج السياسة لديه، وهذه هي النقلة التي وقعت له وتقاطع فيها مع تيار الإسلام السياسي وإن لم يَنتم إليه، وهي مسألة التبَست على بعض الناس فخلطوا بين الأمرين. ولا ينبغي الخلط هنا بين مستوى تدين البشري وصلته بالله تعالى التي هي قديمة كما أشرنا من قبل في مرحلة الخمسينيات حين ذهب إلى مسجد السادة المالكية، والتحول إلى المرجعية الإسلامية في السياسة تحديدًا التي أوضحها أكثر من مرة فهو يميز بين الصلة الدينية بالله وهي سابقة على 1967، وما يسميه "الصلة السياسية بالدين".

وقد أثّر هذا التحول في المرجعية في تصورات البشري الشخصية وقناعاته، بل وفي عمله التاريخي أيضًا، ومن منظور فكرة الاستقلال مجددًا. فقد كان يتساءل "كيف يمكن للشعب المصري أن يشعر بقداسة حركته الوطنية من دون وجود مرجعية دينية؟"، ومن هنا بدأ -كما قال لي- يراجع أحكامه التاريخية، وخاصة ما يتعلق منها بالحركة الوطنية والسياسية، والحركة الإسلامية كذلك، ومن هنا أدخل المرجعية الإسلامية في إطار التكوين الثقافي والعقدي والسياسي للمجتمع المصري، ومن ثمّ أعاد -بحسب تعبيره- بناء أحكامه الكلية والجزئية في ضوء وقائع التاريخ المصري، ووفق منظور يوحّد بين عقيدة المجتمع وأهدافه السياسية ومسائل الاجتماع. لم يتسنّ للبشري ذلك إلا بعد صراع داخلي استغرق زمنًا، وفي أثناء ذلك خاض مرحلة نقد ذاتي وتقويم ومراجعة فكرية، توقف فيها عن الكتابة محاولًا إعادة ترتيب الذات وتصحيح الأفكار.

إن التلاحم بين الشخصي والفكري لدى البشري تعبّر عنه أبلغ تعبير واقعة وقعت له أثناء بحثه التاريخي. فقد كانت تصاحبه -وهو صغير- مشاعر القلق من الموت والحزن والأسى مخافة فقد من يُحب، فلم يعش طفولة معتادة حتى إن أحد أساتذته وصفه مرة بأنه "طفل وقور"، الأمر الذي أثار استغراب أبيه حينذاك، فما هذا الوقار الذي يتّسم به طفل! ولم يتسنّ للبشري فهم تلك المشاعر إلا بعد الـ40 حين كان يطالع في دار الكتب المصرية الصحف القديمة لإعداد دراسة تاريخية، فعثر على خبر نعي عمّه عبد الله سليم البشري الذي كان الجار والصديق لأبيه، وكان منفيًّا لأسباب سياسية، فقد كان حرسًا شخصيًّا للخديوي (تسمى "ياور" بالتركية، وهي رتبة عسكرية عثمانية)، وظل إلى جانبه عندما أعلنت الحماية على مصر بعد خلع الخديوي، وقد عاد إلى مصر عام 1921 ثم مات في 1937، الأمر الذي خلف مشاعر حزن لدى الأسرة. هنا تجمعت في ذهن البشري كل الصور السابقة فترك موضوع البحث وبدأ يتأمل خبايا نفسه المطوية في لفائف الذكريات الأولى ليعي نفسه بأثر رجعي وبحثي في آن واحد.

ففكرة الاستقلال قادت البشري إلى دراسة التاريخ، والتاريخ أعاد البشري إلى فهم نفسه ورؤية العالم والجماعة الوطنية. فلم يتسنّ له فهم الواقع والوعي بالعالم إلا من خلال حركة التاريخ وخاصة التاريخ الاجتماعي وعمل مؤسسات الدولة والعمل فيها أيضًا. كما يمكن فهم شخصيته المستوعبة والمنفتحة على مختلف المكونات الوطنية والدينية من خلال الاستقلال ومتطلباته أولًا، ومن خلال المحيط الذي نشأ فيه ثانيًا، فقد نشأ بين العمائم الأزهرية من جهة الجدَّين والأعمام، وكان الأزهر والصوفية والموالد تصوغ أواصر الربط الثقافي بين الثقافة التقليدية والأحياء القديمة في المدينة والريف المصريّين.

لا يمكن فصل البشري في كل مرحلة عن الأخرى. فالبشري الذي نعرفُ ونحبُّ، والذي تعلمنا منه، هو حصيلة كل مراحله مجتمعة، وهي مراحل لا قطائع فيها؛ بقدر ما تشكل نضجًا وطلبًا دؤوبًا -بلا كلل- للحق والصواب وللتصحيح والمراجعة والتقويم الذاتي. ولا يمكن فهم شخصيته من دون فهم نتاجه الفكري وأدواره، كما لا يمكن فهم فكره ومواقفه السياسية من دون فهم شخصيته

وبذلك نجد أن التداخل بين الجانبين: الشخصي والفكري، وفكرة الاستقلال التي ملأت حياته وعالمه، كل ذلك شكل مدخلًا لفهم شخصيته وفكره، ومواقفه، بعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف معه في كلها، وهاتان الفكرتان تصلحان لتفسير 3 مواقف سياسية تحديدًا.

أولها: أنني أبديت له انزعاجي من صمته عن الثورة السورية في سبتمبر/أيلول 2011، فقال لي "إن عينه على إسرائيل وأميركا فقط"، أي إنه كان يخشى التدخل الخارجي وهو ما يعكر على المفتاح المركزي في شخصيته وهو الاستقلال.

وثانيها: أننا في الحوار نفسه في سبتمبر/أيلول 2011 اختلفنا في توصيف دور الجيش المصري في الثورة المصرية، فقد كان يرى أن الثورة في مصر لم تكن لتتمّ لولا أن الجيش أجبر مبارك على التنحّي، واستخدم للتعبير عن ذلك التمييز القانوني بين الفاعل الأصيل والفاعل الشريك، فالجيش -في رأيه- هو فاعل أصيل في الثورة، كما أنه لا توجد جهة في مصر قادرة على ملء الفراغ في إدارة الدولة، في حين أنني رأيت أن الجيش ركب على الثورة لإزاحة مبارك والتخلص من التوريث.

وثالثها: قبوله التكليف بمسألة التعديلات الدستورية التي طالب بها المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو وافق عليها، ولا شك عندي أنه إنما وافق عليها بناء على قناعاته واتساقه مع نفسه وأفكاره، من منظورين: دستوري وتاريخي. فمن الناحية الدستورية، ثمة 3 مؤسسات تتولى الشأن السياسي في مصر وهي الرئاسة ومجلسا الشعب والشورى، وبعد ثورة يناير/كانون الثاني قد غابت جميعًا وحلّ محلها المجلس العسكري، فهو كان حريصًا على ضبط المرحلة الانتقالية أو المؤقتة بأقل الخسائر الممكنة للحفاظ على منجزات الثورة. ومن الناحية التاريخية، هو يقرأ دومًا الحاضر بمنظور التاريخ، وقد شهدت مصر 5 ثورات في 211 عامًا، وأن الفعل الثوري لا يقاس بالأيام والشهور، وأن صياغة الدستور إنما تأتي بعد حراك شعبي يُفرز القوى السياسية الجديدة التي تقود إلى صياغة دستور جديد على وقع الحراك الثوري وبطريقة مؤسسية، ومن هنا فقد رأى أن التعديلات التي شارك فيها إنما كانت تهدف إلى التمهيد للظروف الملائمة لصياغة دستور جديد يعبر عن القوى السياسية الجديدة وبعد تشكل المؤسسات الثلاث السابقة، وأن صياغة دستور جديد في ظل وجود فرد أو مجلس سيضرّ بفكرة الديمقراطية ومستقبل الثورة.

من يعرف البشري ويفهم عنه كتاباته ومواقفه يدرك جيدًا أنه من طينة الأشخاص الذين يعني لهم الاتساق الذاتي شيئًا كثيرًا، والذين ينشدون القناعة لأنفسهم أولاً قبل إقناع الآخرين، ومن كان على هذه الشاكلة يجد أن مناقشة الذات والاتساق الداخلي أصعب بكثير من مناقشة الآخرين وإقناعهم. وقد تعرّض البشري لهزّات ومراجعات عدة في أثناء مسيرته التي تتسم بالحساسية الشديدة، وبالتلاحم بين طرفيها، الشخصي والفكري. وهذه الهزات النفسية والفكرية لا تحدث إلا لمن يتّسم بالجدّية العالية والصدق مع النفس والحساسية الشخصية والوطنية؛ فقد كان باحثًا دؤوبًا عن الصواب، ومتنقلًا من صواب إلى صواب آخر أكثر إقناعًا واتساقًا، ثم هو يعتقد قبل ذلك ومعه وبعده أن رعاية الله وحده هي التي تقود المرء في سبيل ذلك.

ولا يمكن فصل البشري في كل مرحلة عن الأخرى. فالبشري الذي نعرفُ ونحبُّ، والذي تعلمنا منه، هو حصيلة كل مراحله مجتمعة، وهي مراحل لا قطائع فيها؛ بقدر ما تشكل نضجًا وطلبًا دؤوبًا -بلا كلل- للحق والصواب وللتصحيح والمراجعة والتقويم الذاتي. ولا يمكن فهم شخصيته من دون فهم نتاجه الفكري وأدواره، كما لا يمكن فهم فكره ومواقفه السياسية من دون فهم شخصيته. والله أعلم.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة