كلوب هاوس وحوارات المصريين

(الجزيرة)
(الجزيرة)

أدركت مبكرا من خلال عملي في إسلام أونلاين 2000-2010، إبان ما أطلق عليه الموجة الأولى من الإنترنت؛ أن من خصائصه الأساسية الكشف عن المستور، وفضح ما تحاول أي سلطة -بالمعنى الواسع لها: اجتماعية أو أبوية أو دينية أو ثقافية، وبالطبع سياسية- أن تغطيه، ومن سماته -وقتئذ- التفاعل الشديد الذي تحوّل في الموجة الثانية إلى ما بعد التفاعلية، والتنوع الذي بات تشظيًّا، والوسيلة التي أصبحت رسالة لأنها تعيد تعريف الأشياء وتحديد مضمونها ودلالاتها.

عرفت مبكرا أن الأونلاين تجسيد لنموذج معرفي جديد من خلال قراءتي في «الثورة المصرية والإعلام الجديد».

يختفي فيه المركز، وتتوارى فيه المطلقات، ويقوم على التنوع ويبرز التعدديات، وتتراجع فيه المرجعيات، وتختفي فيه حدود المكان والزمان، لكن أدواره تتحدد بالسياقات والبنى الثقافية والسياسية والاجتماعية التي يتحرك فيها ومن خلالها، ومعينه لا ينضب أبدا بالابتكارات والإبداعات؛ ففيه دائما الجديد الذي يعجز من في مثل عمري أن يلاحقه، فضلًا عن أن يفهمه أو يدرس تأثيراته.

كلوب هاوس مخترع هذه الأيام الجديد والأسرع نموا في عالم التواصل الاجتماعي، والمعتمد على الدردشة الصوتية التي لا يمكن الاحتفاظ بها، ويعاقَب من يسجلها؛ عاد المصريون فيه أو قطاع معتبر منهم إلى استعادة إنسانيتهم بالإنصات لبعضهم بعد عقد من الاستقطاب السياسي والأيديولوجي، والإنصات أول مراحل التعارف.

انطلقت حوارات المصريين في كل مجال وشملت عددا من القضايا والموضوعات، واتسمت بالجرأة ولم يكن لها سقف كشأن سائر وسائل التواصل الاجتماعي، وشابتها السيولة التي تمثل إعادة صياغة لعلاقة المصريين بـ"التيمات" الكبرى في حياتهم؛ علاقتهم بالدين والوطن، والذكر والأنثى، والأسرة.. إلخ.

وقد استفاد عدد من الناشطين ممن لا يزالون مهتمين بالعمل العام من هذا الزخم بفتح حوارات متعددة تحاول أن تستدرك ما لم يتم بعد يناير/كانون الثاني 2011 ويونيو/حزيران 2013، وقد حملت عناوين أكبر من حجمها وحقيقتها؛ مثل الحوار الوطني.

سياق الحوارات

حوارات كلوب هاوس السياسية بين المصريين تأتي في 3 سياقات: فشل الصيغ المطروحة بما تركته من إنهاك لدى الجميع، وأزمة كورونا، وعقد على يناير/كانون الثاني. يستشعر كثير من المصريين أن الدروب التي سارت فيها مصر بعد يناير/كانون الثاني قد فشلت جميعا؛ فلا النهج الثوري حقق مقاصده، ولا حكم الإخوان القصير حقق أهدافه، ولا 30 يونيو/حزيران وما أعقبها غيّر أوضاع المصريين نحو الأحسن .. وكذلك فهناك إحساس بعدم الرضا تستشعره قطاعات متسعة، وهناك إدراك لم يتبلور لوعي كامل بأن الجميع قد ضلّ طريقه نتيجة تفشي جائحة الخيارات الخاطئة في مصر ما بعد يناير/كانون الثاني.

جاء وباء كورونا ليفرض مزيدا من العزلة والاعتزال بعيدا عن التواصل الاجتماعي والإنساني، ومع فرض الإغلاق، وحظر السفر، ومنع ساحات الترفيه، والعمل من المنزل؛ احتاج الناس إلى الاتصال والتواصل، وتطورت أدوات الأونلاين وازدادت المساحات السيبرانية وأدوارها، وأعاد الناس اكتشاف ذواتهم والآخرين من حولهم.

ومن يتابع الحوارات السياسية بين المصريين في الكلوب هاوس يلحظ أن حلم يناير/كانون الثاني لا يزال يداعب الأفئدة والقلوب ليس باعتبارها لحظة يوتوبيا لن تتكرر فقط، لكنها تاريخ لا يمكن تجاوزه وينبغي التعلم من تجاربه. عقد على يناير/كانون الثاني أنضج كثيرا من المشاركين فيها ودفعهم إلى إعادة التفكير في ما كان وما ينبغي أن يكون، والبدائل التي كان من الممكن أن نسلكها، والمواقف التي اتخذناها، وما إذا كان هناك ما هو أفضل منها، والأهم أن هناك محاولة لفهم ما جرى بتطلع مستقبلي وإن حاول بعضهم جرّنا إلى ما مضى.

إن أي حوار في السياسة لا يبدأ بواقع الناس كما هو، لا كما ندركه نحن، يعني عزوفا منهم عن السياسة وهدما للثقة برموزها ومؤسساتها.

خصائص الحوارات

سمات خمس طبعت الحوارات السياسية: أولها تنوع الحضور؛ فتجاور الإخواني مع الليبرالي، والمعارض مع المحسوب على النظام، والذكر والأنثى، ومصريو الدياسبورا/الشتات مع شخصيات الداخل، والعرب المهتمون بالشأن المصري مع المصريين، والأكاديمي مع الناشط السياسي.. وبهذا التنوع تمت استعادة بعض من الجدل العام في مصر في مواجهة تصحر وتصحير ساد السنين الخمس الماضية.

ولا يعني ذلك تمثيل جميع المصريين؛ فالأداة لا تتصف بالشمول لأنها حتى الآن تعتمد نظام آبل، ولا تدعم الأندرويد، إلا أن حجج الجميع حاضرة ومحلّ نقاش مع جرأة في الطرح.

خاصيته الثانية هي الاستمرارية؛ فجلساته لا تنتهي وحواراته لا تنقطع، وأوقاته ممتدة بلا زمن ولا كلل وكأن الإدراك أن الاستمرارية وعدم الانقطاع شرط لتحقيق بعض نتائجه وإن لم تتضح بعد أهدافه ومقاصده. التواصل والاستمرار شرط في تصميم عمليات الحوار، فإن لم تكن له نتائج عملية ومستهدفات واضحة فإن زهوة البدء سرعان ما تتبدد، وقد تفتر الحماسة وتنصرف عنه النفوس وتنشغل بغيره العقول.

وثالثا: فإن لغة الخطاب أكثر واقعية وعملية وفي أحيان براغماتية، وأكثر هدوءا من قبل وإن لم تخل من بعض التوترات والمزايدات التي يحاول بها بعضهم -بقصد أو من غير قصد- تأجيج الاستقطابات. ورغم أنه حوار يقع في قلب السياسة فإنه لا يزال يعاني أمراضها في مصر؛ حين سيطر عليه الثقافي عند العلمانيين، وخلط بين الدعوي والسياسي عند الإسلاميين. ولأنه لا تاريخي -بمعنى أنه لم يقرأ ويستوعب الخبرة التاريخية المصرية في تنوعها وخصوصيتها- فقد أعاد إنتاج القضايا والموضوعات نفسها التي بددت يناير/كانون الثاني وبالاقترابات نفسها وصيغ الأسئلة التي كانت مطروحة؛ وكأن النهر لم تجر فيه مياه جديدة تحتاج إلى إعادة هندسة الاستقطابات. (الإسلاميون والعلمانيون في مصر)

السياسة حديث في البرامج والسياسات وتقديم للبدائل والحلول لمعضلات الواقع ومشكلات الناس. السياسة تشكل تنظيمي يعبئ الموارد والناس خلف هذه السياسات والبرامج، لكنه -على ما يبدو- نتيجة تصحر وتصحير المجال العام في مصر بات الفعل السياسي عملا ثقافيا دعويا. معضلة هذه الحوارات الكبرى أنها تبدأ من الداخل إلى الخارج وليس العكس بمعنى أن أولوية قضاياها وطرق الاقتراب تتحدد من خلال إشكاليات الذات وإدراكها المختزل للواقع، وليس وفق تطلعات المصريين (تطلعات المصريين.. نظرة مختلفة) التي باتت أولويتهم الأولى كرامتهم وطيب معاشهم. إن أي حوار في السياسة لا يبدأ بواقع الناس كما هو، لا كما ندركه نحن، يعني عزوفا منهم عن السياسة وهدما للثقة برموزها ومؤسساتها.

وأخيرا تغيب العلمية عن جلّ الحوارات فلا استناد إلى أوراق عمل تقدم التعريفات، وترسم ملامح ما نتكلم عنه، وتحدد طبيعة التطورات ومآلات الوقائع والأحداث رغم سرعة التغير الجيوستراتيجي من حولنا، وأزعم أنه بغياب العلمية لن يتقدم الحوار وستغلب عليه إعادة إنتاج للقديم واجترار للخطابات السائدة؛ خاصة أن جل المشاركين لا يزال حبيس لحظة يناير/كانون الثاني وما حدث فيها، وصراعات 2013 وما تمخضت عنه، ولم تتجدد قضايا الحوار أو يعاد النظر في كيفية الاقتراب منها.

النتائج والآثار

يزعم كاتب هذه السطور بحكم تخصصه في تصميم عمليات الحوار أن حوارات كلوب هاوس يمكن أن تساعد على بناء الثقة بين المشاركين؛ خاصة وقد استعملت آلية النقد الذاتي، وهو أحد آليات معالجة الهواجس والمخاوف التي تسود الفترات الانتقالية، وقد سبق أن استخدمناها في أحد مشروعات المركز الإقليمي للوساطة والحوار في الفترة بين 2014-2017 كمدخل للحوار بين القوى السياسية في مصر بعد يونيو/حزيران 2013. النقد الذاتي في علاقته بالفترات الانتقالية يمكن أن يساعد على بناء الثقة، والطمأنة المتبادلة بين القوى السياسية المتصارعة.

الحوار حاجة إنسانية عامة، لكن سياسة الطور الانتقالي سبيل بناء التوافقات التي من دونها لا يمكن الحديث عن تحول ديمقراطي أو استعادة السلم الأهلي وبنائه.

 

بناء الثقة والطمأنة يتأتّى من الاتّساق القيمي فمن دونه لا يمكن التحدث عن ثقة متبادلة أو طمأنة خاصة أن الفترات الانتقالية في مصر شهدت تراجعا عن الالتزامات التي أعلنت وتشفّيا بالانتهاكات التي مورست. النقد الذاتي يخلق الالتزام الأخلاقي القوي الذي هو ضرورة لعمليتي الثقة والطمأنة. وبما يحقق توافق الحد الأدنى على أساس صلب، كما يسهم في القطع مع الممارسات السابقة للكيانات السياسية، ويفكك الاستقطابات الداخلية -داخل الكيان- تمهيدًا لمعالجة الاستقطابات بين الكيانات السياسية.

طبيعة النقد الذاتي/المراجعات المساعدة على تجاوز المواقف الحدّية المغلقة واللغة المطلقة في القضايا الخلافية، كما أنه يتضمن تجاوز الثنائيات المتعارضة المتوهمة (إصلاحي ثوري-سياسة شارع/احتجاجي وبناء المؤسسات-الدستور أولا أم الانتخابات أولا؟)، إذ إن أحد تجليات اللغة المطلقة حديث المؤامرات الذي يسود الفترات الانتقالية.

وأخيرا؛ فإن النقد الذاتي يسهم في إيجاد قوى ديمقراطية عبر دمقرطة الكيان السياسي بما يساعد على نجاح التحول الديمقراطي، كما يقدم الإسناد الثقافي/القيمي للتحول الديمقراطي عبر تفعيل عمليات الحوار الذاتي وبما يخلق ثقافة ديمقراطية تفتقدها أغلب مؤسساتنا السياسية والاجتماعية والدينية، ويسهم في بلورة هويات الكيانات السياسة ويساعدها على تجاوز ارتباكها الذي ينشأ نتيجة طبيعة الطور الانتقالي.

وتدلنا تجارب تصميم الحوار أن نقطة البدء به هي الاتفاق على هدف مشترك يضم الجميع، وهو ما لم يحدث حتى الآن، كما لا يظهر بشكل جلي لي ما الذي ينتوي القائمون عليه أن يسيروا به، وفي أي وجهة ووفق أي أجندة ستتم هيكلته.

الحوار حاجة إنسانية عامة، لكن سياسة الطور الانتقالي سبيل بناء التوافقات التي من دونها لا يمكن الحديث عن تحول ديمقراطي أو استعادة السلم الأهلي وبنائه.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة