عامل نظافة أميركي ودرس للمجتمع العربي

ميدان - البيت الأبيض
(مواقع التواصل الاجتماعي)

ذات يوم فاجأت صحيفة "واشنطن بوست" (Washington Post) قرّاءها في صدر صفحتها الأولى بصورة ضخمة للسيد "رون هايلير"، مصحوبة بتحقيق طويل عن عمله وعن حياته، وذلك بمناسبة إطلاق اسمه على إحدى أكبر قاعات "مدرسة جيني الابتدائية" (Janney Elementary School) بمنطقة تانلي تاون بشمال غربي العاصمة الأميركية.

لم يكن أحد يعرف هايلير، فلا هو مسؤول بارز ولا هو حاصل على جائزة نوبل، كما أنه ليس من مشاهير السياسة أو الفن أو الرياضة.

لم ينكر هايلير ندمه على عدم تحقيقه أحلامه الوظيفية، إلا أنه أكد أن "العمل في مجال النظافة ليس عيبا خاصة عندما تدرك أن عملك من أهم الأعمال، وعندما يحترمك الجميع لما تقوم به".

يبلغ هايلير من العمر 60 عاما، قضى منها 35 عاما كعامل نظافة في المدرسة التي كرّمته، وبدأت قصته عندما طلب أحد تلاميذ الصف الثالث الابتدائي من ناظرة المدرسة أن يُطلق اسم الرجل، وهو من الأميركيين السود، وقد قضى عمره الوظيفي في تنظيف المدرسة وفي جمع مخلفات الطلبة والمدرسين، على أكبر قاعات المدرسة. وما كان من ناظرة المدرسة إلا أن طرحت الفكرة على المدرّسين والعاملين بالمدرسة، ووافق الجميع خاصة بعد ما أعلن هايلير أنه سيتقاعد نهاية ذلك العام.

لم ينشأ هايلير في واشنطن حالما بالوظيفة التي قضى فيها معظم سنيّ حياته، بل هو حلم أبيه، الذي كان يعمل سائقا لسيارة أجرة، أن يكمل ابنه تعليمه الجامعي. وحلم هايلير أن يعمل مذيعا للراديو أو ممثلا إلا أنه لم يكمل تعليمه الجامعي رغم قبوله في جامعة ولاية ميرلاند لأسباب مالية، وقبِل بعد ذلك وظيفة عامل نظافة بإحدى المدارس خارج واشنطن، قبل أن ينتقل إلى العمل بمدرسة جيني الابتدائية عام 1981.

ولم ينكر هايلير ندمه على عدم تحقيقه أحلامه الوظيفية، إلا أنه أكد أن "العمل في مجال النظافة ليس عيبا خاصة عندما تدرك أن عملك من أهم الأعمال، وعندما يحترمك الجميع لما تقوم به".

لم يكن هايلير عامل نظافة عاديًا، فقد كان يثق به التلاميذ الصغار نظرا لأنهم اعتادوا رؤيته كل يوم يقوم بأعمال النظافة بجدية شديدة. وكان هايلير يحكي للتلاميذ قصصا كثيرة عن الصراع من أجل الحقوق المدنية الذي خاضه الأميركيون السود في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

وصوّرت واشنطن بوست، التي تعد من أهم صحف العالم، ويزيد توزيعها على 750 ألف نسخة يوميا، فضلا عن ملايين ممن يتابعونها إلكترونيا، في تقريرها، منزل السيد هايلير، ولفت نظر صحفي الجريدة وجود كبير لتراث حركة الحقوق المدنية وصور لكبار قادتها مثل الداعية مارتن لوثر كينغ، إضافة إلى صور عمالقة موسيقى الجاز الكلاسيكيين مثل "إيلا فيتزجرالد" و"دوق إلينغتون".

كما وجد الصحفي رسالة تلغرافية معلقة على أحد حوائط منزل هايلير مرسلة له من البيت الأبيض بتاريخ 2 يونيو/حزيران 1967 وموقعة من السيدة بيرد جونسون، حرم الرئيس الأميركي آنذاك ليندون جونسون، تدعوه فيها لحضور حفل استقبال بالبيت الأبيض تشارك فيه بعض فرق الكشافة من تلاميذ مدارس واشنطن.

ما قامت به واشنطن بوست يعدّ درسا مجانيا للصحافة والإعلام العربي، فكم تتشابه، بل تتطابق عناوين الصفحات الأولى في الصحف العربية داخل كل دولة على اختلاف توجهاتها. ورغم التقدم الكبير الذي تشهده حركة النشر والإعلام حول العالم، فإن الصحافة العربية لم تخرج بعد على قيود النظام الاجتماعي. وما زالت تنتهج "أسلوب القطيع الصحفي" تجاه اختيار الموضوعات التي تعالجها، ولم تجرؤ بعد على اختيار موضوعات مختلفة تعلي من قيمة المواطن العادي غير المشهور، وتبرز بعض القيم التي نحن في أمسّ الحاجة إليها، وعلى رأسها قيمة العمل الشريف بغض النظر عن نظرة المجتمع له.

وكثيرا ما ألتقي زوارا أميركيين بعد عودتهم من مصر، واعتدت دوما سماع عبارات المديح عن تميز جمال مصر وخصوصية القاهرة عن غيرها من الدول والمدن، إلا أن جميعهم يذكرون على استحياء أن القاهرة رغم عظمتها لكنها مدينة شديدة القذارة، ويتعجبون من قذارة شوارعها رغم نظافة بيوت المصريين التي زاروها!

قضية قذارة القاهرة أو بيروت أو غيرهما من المدن العربية أخطر في جوهرها من مجرد وجود تلال من المخلفات هنا أو هناك، بل تتعلق برؤيتنا ورؤية المجتمع العربي في إجماله لقيمة النظافة وقيمة العاملين بها.

ولا تتعرض الصحافة المرئية أو المكتوبة لأزمة النظافة بصورة تتناسب مع مخاطرها، قذارة القاهرة أو بيروت أو غيرهما من مدن العرب تعد قضية أمن قومي يتم تجاهلها وتبسيطها، مثلها في ذلك مثل فوضى المرور وحوادث الطرق.

وينظر المجتمع العربي إلى عمال النظافة نظرة دونية، ويُعاملون كا لو أنهم شحاذون أو محتاجون. أما في الولايات المتحدة فيبلغ متوسط أجر عامل النظافة ما يقارب 3 آلاف دولار شهريا، ويزداد الأجر مع زيادة عدد سنوات الخبرة، ويعادل ذلك متوسط دخل خريج الجامعة، لذا لا يقوم أحد بتقديم حسنة لعامل النظافة أثناء تأديته مهام وظيفته.

وفي اليابان، يطلق على عامل النظافة لقب "مهندس الصحة والنظافة" فهو شخص مسؤول عن صحة المدينة، ويخضع عامل النظافة هناك إلى اختبارات عدة للتأكد من قدرته الصحية والعقلية على القيام بمهماته!

تصنف المجتمعات إلى مراتب عدة في ما يتعلق بالنظافة؛ فئة أولى لا يمكن أن نتخيل فيها مواطنا يلقي ورقة أو مخلفات في الشارع، ويصاحب ذلك احترام شديد لوظيفة عمال النظافة، والفئة الثانية دول تقوم فيها البلديات ليلا بجمع ما يلقيه المواطنون المستهترون في الشوارع نهارا، وهذه الدول تكون غير نظيفة نهارا ونظيفة ليلا. أما الكثير من الدول العربية، فمع الأسف تقع ضمن الفئة الثالثة التي يقوم مواطنوها بإلقاء مخلفاتهم في الطرقات، وتتكدس القمامة في شوارعها ليلا ونهارا، وهو ما يؤدى إلى انتشار الأمراض والأوبئة، ويعجز عامل النظافة في هذه الفئة من الدول عن توفير قوت يومه، ويعتمد في دخله على ما تجود به الأيدي.

ولو كان رون هايلير لبنانيا أو مصريا، لكان عاش مهمشا يشحذ قوت يومه، ومات في وظيفة وصمها المجتمع بالوضاعة، ولكان انسحب قدره إلى أبنائه. أما "رون هايلير" الأميركي الأسود، فقد تقاعد فخورا بما أسهم به في خدمة مجتمعه، وذلك بعد ما اطمأن على ابنته الوحيدة التي تدرس حاليا في جامعة جورج واشنطن المرموقة بالعاصمة الأميركية.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة