ديمقراطية الأمن القومي الأميركي

بايدن (الفرنسية)
بايدن (الفرنسية)

قام تحالف القيادة العالمية بالولايات المتحدة بمراجعة أكثر من 100 تقرير من مراكز أبحاث ومعاهد سياسية رائدة عبر الطيف السياسي بشأن السياسة الخارجية والأمن القومي بحثا عن سياسات التوافق بين المؤسسات السياسية الأميركية وعقلها الإستراتيجي؛ وانتهى تقريره هذا العام إلى أن الدفاع ضد الاستبداد المتزايد أحد 6 تحديات تواجهها الولايات المتحدة في العالم.

وقد انعكس هذا الاجماع الإستراتيجي على مضمون وثيقة الأمن القومي الأميركي المؤقتة التي صدرت هذا الشهر(مارس/آذار 2021) عن البيت الأبيض.

إذ استخدم لفظ الديمقراطية ومشتقاتها 53 مرة في حين ورد لفظة التسلطية 9 مرات، وهنا يصبح التساؤل عن علاقة الديمقراطية بالفلسفة التي أُسست عليها الوثيقة، ولماذا احتلت وزنا معتبرا بها، وما علاقتها بالأمن القومي الأميركي وتحقيق المصالح، وما المضمون الذي تشير إليه؟

تعزيز مصالحنا وقيمنا

حمل التوجيه الإستراتيجي للأمن القومي الأميركي عنوان "تجديد مزايا أميركا" ويبدأ ذلك "بتنشيط الميزة الأساسية لدينا: ديمقراطيتنا"، على حد قول بايدن في مقدمة الوثيقة. تدرك الوثيقة بشكل جلي أن مصير أميركا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأحداث التي تقع خارج أراضيها، وتجعل من هذه القضايا أهم تحديات الأمن القومي "نحن نواجه وباء عالميًا، وتراجعًا اقتصاديًا ساحقًا، وأزمة عدالة عرقية، وحالة طوارئ مناخية عميقة. نحن نواجه عالمًا من القومية المتصاعدة، وتراجع الديمقراطية، وتزايد التنافس مع الصين وروسيا والدول الاستبدادية الأخرى، وثورة تكنولوجية تعيد تشكيل كل جانب من جوانب حياتنا".

وفي مواجهة هذه التحديات تبرز المزايا التي تعيد أميركا إلى قيادة العالم مرة أخرى "جميع مصادر قوتنا الوطنية: تنوعنا، واقتصادنا النابض بالحياة، ومجتمعنا المدني الديناميكي وقاعدتنا التكنولوجية المبتكرة، والقيم الديمقراطية الدائمة، والشبكة الواسعة والعميقة من الشراكات والتحالفات، وأقوى جيش في العالم"، وتصبح المهمة هي ضمان استمرار هذه المزايا، من خلال إعادة البناء بشكل أفضل في الداخل وتنشيط القيادة في الخارج، لذا فهناك إدراك لأزمة الديمقراطية الأميركية يجب أن تقود الولايات المتحدة بقوة نموذجنا، وسيتطلب ذلك:

1- عملًا شاقًا في الداخل: لـ"تحصين الركائز التأسيسية لديمقراطيتنا، والتصدي حقًا للعنصرية النظامية، والوفاء بوعدنا كأمة من المهاجرين".

2- مواجهة النظم التسلطية في الخارج: "تتعرض الدول الديمقراطية أيضًا لتحديات متزايدة من الخارج من قبل القوى الاستبدادية المعادية؛ إذ تستخدم القوى المناهضة للديمقراطية المعلومات المضللة والتضليل والفساد لاستغلال نقاط الضعف المتصورة وزرع الانقسام داخل الدول الحرة وفيما بينها، وتقويض القواعد الدولية القائمة، وتعزيز نماذج بديلة للحكم الاستبدادي". ومن ثم فإن عكس هذه الاتجاهات أمر ضروري للأمن القومي.

حرب باردة جديدة

ترى الوثيقة أن الصين وروسيا -وهما دولتان استبداديتان- التحدي الأساسي الذي يواجه الولايات المتحدة، وإذا أضيفت إليهما إيران وكوريا الشمالية اللتان تهددان الاستقرار الإقليمي وتسعيان إلى امتلاك وتطوير السلاح النووي نكون بإزاء محور الاستبداد في مواجهة محور الديمقراطيات؛ كما تشير الوثيقة.

وتتعامل الوثيقة مع هذا التحدي بـ3 مداخل: الأول إدراك تأثير  محور الاستبداد على تقويض المثال الأميركي من خلال هزّ الثقة فيه عبر المعلومات المضللة والتدخل في الانتخابات والاختراق السيبراني ..إلخ.

وتعد الديمقراطية -ثانيا- أحد محاور مواجهة التنافس مع القوى الكبرى خاصة الصين؛ المنافس الوحيد القادر على الجمع بين قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية لتشكيل تحدّ مستدام لنظام دولي مستقر ومنفتح. في هذا السياق تطرح الوثيقة قضيتي الديمقراطية في هونغ كونغ والإبادة الجماعية في إقليم تركستان الشرقية من ضمن قضايا عدة في المواجهة مع الصين.

والمدخل الثالث هو تحالف الديمقراطيات، فـ"ضمان أمننا القومي في جوهره القيام بما يأتي: قيادة نظام دولي مستقر ومنفتح والحفاظ عليه، تدعمه تحالفات ديمقراطية قوية وشراكات ومؤسسات وقواعد متعددة الأطراف". وهذه التحالفات "تمكننا من تقديم جبهة مشتركة، وإنتاج رؤية موحدة، وتجميع قوتنا لتعزيز المعايير العالمية، وإنشاء قواعد دولية فعالة، ومحاسبة دول مثل الصين".

رفع مستوى حقوق الإنسان في العلاقات مع الأنظمة الرسمية مما اتفقت عليه معظم تقارير مراكز التفكير عن الأمن القومي والسياسة الخارجية؛ فالولايات المتحدة يجب أن ترفع مستوى حقوق الإنسان كأولوية في السياسة الخارجية، وأن تستخدم بنشاط أدوات مثل القانون والعقوبات وقدرات وزارة الخارجية لمحاسبة الأنظمة الاستبدادية على انتهاكات حقوق الإنسان الموثقة جيدًا، إلا أن علاقة ذلك بالمصالح الأميركية مما يستحق النقاش.

 

مضمون الديمقراطية

تعطي الوثيقة معنى متسعا للمسألة الديمقراطية؛ فتدركها في إطار علاقة الداخل الأميركي بالخارج كما قدمت، وتوسع من معناها فلا تقصره على الجوانب السياسية فقط بل تشمل حقوق العمل، وتكافؤ الفرص، والإشراف البيئي؛ "سنكافح قمع الناخبين والحرمان المؤسسي من حق التصويت. سنطلب الشفافية والمساءلة في حكومتنا، ونقضي على الفساد، ونواجه الدور المشوه للمال في سياستنا. سنعيد الالتزام بسيادة القانون، ونستعيد الاحترام للفصل الدستوري بين السلطات واستقلال القضاء، ونجدد الإيمان بالطبيعة غير السياسية لوكالات إنفاذ القانون الفدرالية، ومجتمع الاستخبارات، ودبلوماسيينا، وموظفينا المدنيين، والجيش، وإعادة تأكيد أهمية حرية التعبير، وحرية الصحافة، والحق في التظاهر السلمي، وغيرها من الحقوق والحريات المدنية الأساسية".

وتتسع القائمة لتشمل "التهديدات الجديدة التي تستهدف ديمقراطياتنا، بدءًا من العدوان عبر الحدود والهجمات الإلكترونية والمعلومات المضللة والاستبداد الرقمي إلى البنية التحتية وإكراه الطاقة. هدفنا الخاص هو مواجهة الفساد الذي تفسد الديمقراطية بسببه".
وتشير الوثيقة إلى ضرورة الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايته والتصدي للتمييز والظلم والتهميش بجميع أشكاله؛ "سنقوم بقمع الملاذات الضريبية والتمويل غير المشروع الذي يساهم في عدم المساواة في الدخل، ويمول الإرهاب، ويولد نفوذًا أجنبيًا خبيثًا".
وعودة الولايات المتحدة لتؤدي دورا بارزا في المؤسسات  الدولية تعني بالضرورة أن تسهم هذه المؤسسات في دور مقدر في تنشيط الديمقراطية؛ "سوف نعاود الاننتظام بمشاركة كاملة وسنعمل على الوفاء بالتزاماتنا المالية بالكامل وفي الوقت المحدد، عبر مجموعة من القضايا الحاسمة من تغير المناخ إلى الصحة العالمية، والسلام والأمن، والاستجابة الإنسانية، وتنشيط الديمقراطية وحقوق الإنسان، والاتصال الرقمي وإدارة التكنولوجيا، والتنمية المستدامة والشاملة، والنزوح القسري والهجرة والتعاون العالمي الفعال والإصلاح المؤسسي".

وستكون الديمقراطية -وفق هذه الرؤية- محورا لتحرك دولي متسع متعدد المستويات وفي مجالات عدة  ويشمل ذروة تشكله التنظيمي عقد قمة عالمية من أجل الديمقراطية لضمان تعاون واسع بين الحلفاء والشركاء بشأن المصالح والقيم، وهنا يثار السؤال عن مصير دول المنطقة التي تراجعت فيها أوضاع الحريات هل تكون مشمولة في هذا التحرك أم يتم عزلها؟

وتبقى نقطة أخيرة وهي أن رفع مستوى حقوق الإنسان في العلاقات مع الأنظمة الرسمية مما اتفقت عليه معظم تقارير مراكز التفكير عن الأمن القومي والسياسة الخارجية؛ فالولايات المتحدة يجب أن ترفع مستوى حقوق الإنسان كأولوية في السياسة الخارجية، وأن تستخدم بنشاط أدوات مثل القانون (الذي يلزم الرئيس بالتحقيق في تجاوزات حقوق الإنسان) والعقوبات وقدرات وزارة الخارجية لمحاسبة الأنظمة الاستبدادية على انتهاكات حقوق الإنسان الموثقة جيدًا، إلا أن علاقة ذلك بالمصالح الأميركية مما يستحق النقاش.

الديمقراطية في منطقتنا

يعد الجزء الخاص بمنطقتنا في الوثيقة مثالًا بارزًا على معضلة الجمع بين المصالح والقيم؛ المصالح الأميركية في المنطقة 4: "سنحافظ على التزامنا الصارم بأمن إسرائيل، في حين نسعى إلى تعزيز تكاملها مع جيرانها واستئناف دورنا كمشجع لحل الدولتين القابل للحياة. سنعمل مع شركائنا الإقليميين لردع العدوان الإيراني والتهديدات للسيادة والسلامة الإقليمية، وتعطيل القاعدة والشبكات الإرهابية ذات الصلة ومنع عودة داعش، ومعالجة الأزمات الإنسانية ومضاعفة جهودنا لحل النزاعات المسلحة المعقدة التي تهدد المنطقة".
وفي ضوء هذه المصالح لن "نعطي شركاءنا في الشرق الأوسط شيكًا على بياض لمتابعة سياسات تتعارض مع المصالح والقيم الأميركية"، ويصير الهدف "تهدئة التوترات الإقليمية وخلق مساحة للناس في جميع أنحاء الشرق الأوسط لتحقيق تطلعاتهم"، ولا تصبح القوة العسكرية هي الرد على تحديات المنطقة؛ فهي الملاذ الأخير وليس الأول بما يتطلب تصحيح حجمه إلى المستوى المطلوب لتعطيل الشبكات الإرهابية الدولية وردع العدوان الإيراني وحماية المصالح الأميركية الحيوية الأخرى.

ويعد الاختبار السعودي في قضيتي خاشقجي واليمن مثالا جيدا على معالجة إدارة بايدن للتناقض بين المصالح والقيم، أو على حد تعبير مارتن إنديك-مبعوث السلام السابق للشرق – كيفية وضع القيم في سياسة بايدن الخارجية – وينتهي في هذا المقال إلى أن الادارة الجديدة -في تقديره- قد انتهجت مسارا وسطا بين الحفاظ على مصالحها مع السعودية باعتبارها قوة استقرار في الإقليم، ومواجهة مع إيران، ومزودًا أساسيًا للنفط، وبين التأكيد على أولوية حقوق الإنسان في علاقتها مع السعودية حين أعادت النظر في توصيف العلاقة مع المسؤولين عن حادث خاشقجي بمن فيهم ولي العهد السعودي.

وتحدث أفظع انتهاكات حقوق الإنسان في الجوار السعودي في اليمن، فقد ساعدت طريقة إدارة المعركة على التعجيل بأسوأ أزمة إنسانية في العالم. وقد دعا بايدن إلى إنهاء الحرب، وعلق الدعم العسكري الأميركي لحملة القصف السعودية، وعين مبعوثًا خاصًا للحث على حل تفاوضي.

اليمن ليس أولوية إستراتيجية للولايات المتحدة، لكن إنهاء الصراع هناك سيفعل المزيد لتعزيز حقوق الإنسان -كما يشير إنديك- أكثر من معاقبة المسؤولين الكبار. ومع ذلك، فإن هذا الهدف لن يكون من السهل تحقيقه.
وينهي إنديك مقاله ناصحا الإدارة الجديدة معتبر أنه "يمكن لإدارة بايدن .. وضع القيم الأميركية في العلاقة بطريقة لم تُجرّب من قبل. للقيام بذلك، على بايدن الإصرار على أن تتواصل الإصلاحات لتحديث المجتمع السعودي ومنح المرأة حقوقًا متساوية لكن دون القمع المصاحب والسلوك العدواني في الخارج الذي أصبح السمة المميزة له".



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة