حين تتحدث الضحية

(الجزيرة)
(الجزيرة)

نشأ جيلنا على مذكرات المعتقلين السياسيين في سجون الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وذلك في سنيّ الستينيات والسبعينيات. كذلك سمعنا عن مآسي السجون والمعتقلات في العراق تحت حكم صدام حسين في الثمانينيات والتسعينيات. ثم أفقنا على مجزرة سجن "أبو سليم" التي ارتكبها العقيد معمر القذافي منتصف عقد التسعينيات والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن 1200. وعشنا على مدار العقد الماضي، ولا نزال، مع أهوال سجون بشار الأسد سواء سجن "تدمر" أو سجن "صيدنايا".

أما الآن فنحن نعيش مأساة حقيقية ضحيتها عشرات الآلاف من الشباب والشابات العرب الذين يقضون أفضل سنوات عمرهم خلف القضبان في مرحلة هي من أسوأ مراحل الخزي والعار في التاريخ العربي الحديث. ففي مصر وحدها يقبع آلاف الشباب خلف أسوار ما يقارب 65 سجنًا شُيّد أكثر من نصفها منذ انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، وذلك كي تستوعب آلاف المعتقلين خاصة من جماعة "الإخوان المسلمين" الذين يقضون زهرة شبابهم في السجون ليس لشيء سوى لتعبيرهم عن رفضهم نظام السيسي.

وقد باتت أسماء السجون، من كثرة ترددها في الفضاء العام، أكثر شهرة من أسماء المدن المصرية. فسجون مثل سجن "مزرعة طرة"، وسجن "العقرب"، وسجن "العازولي"، وسجن "وادي النطرون"، وسجن "المرج"، وسجن "برج العرب" باتت معروفة لدى العامة والخاصة بسبب آلاف القضايا والأحكام التي صدرت بحق معتقليها.

تستمع لهؤلاء الشباب وأنت تحاول أن تحبس دموعًا تكاد أن تسقط، ليس فقط تعاطفًا وتضامنًا مع أوجاعهم وذكرياتهم المؤلمة، بل هو حزن وقهر على بلد قاسٍ، ونظام ساديّ، يقوم بعملية تدمير منظمة وممنهجة لأفضل أبنائه، لا لشيء إلا من أجل التمكّن من السلطة والبقاء فيها مهما كان الثمن.

بيد أن أكثر ما يؤلم النفس هو أن تتعرف على ما يحدث خلف أسوار هذه السجون من مآس وجرائم، وأن تستمع لها وهي تجري على لسان أصحابها وضحاياها. فعلى مدار الأيام الماضية استمعت لعدد من القصص المروّعة يحكيها عدد من الشباب المصريين الذين اعتُقلوا منذ انقلاب السيسي، وقضوا سنوات تحت التعذيب النفسي والجسدي. كان ذلك عبر لقاءات نظمها مجموعة من شباب المعتقلين السابقين على منصة "كلوب هاوس"، تحدّثوا فيها عن تجاربهم وخبراتهم الشخصية منذ لحظة القبض عليهم، حتى خروجهم من المعتقل، سواء بأحكام براءة أو على ذمة قضايا، لا يزال بعضها قائمًا، لكنهم تمكنوا من مغادرة البلاد.

أعمار معظم هؤلاء الشباب لا تتجاوز الـ25، وبعضهم اعتُقل وهو صبي لم يتجاوز 16 عاما من عمره، وقضى فترات متراوحة في السجن ما بين عام و7 أعوام، حتى تم البتّ في قضاياهم. حكى بعضهم عن المعاناة النفسية والجسدية داخل السجن وتعرضهم للضرب والإهانة والإذلال من أجل كسرهم، والانتقام منهم بسبب خلفياتهم السياسية والفكرية، وكيف حاولوا التكيّف مع الحياة داخل السجن سواء في ما يتعلق بالنوم أو الأكل أو الذهاب إلى دورة المياه.

تستمع لحكاياتهم وهم يروونها بألسنتهم، وليست نقلًا عنهم، فيصيبك الصمت من هول ما تسمع، وتسرح بخيالك بعيدًا، وتشعر وكأنما تشاهد فيلمًا من أفلام الرعب أو الكوميديا السوداء التي تأخذك إلى عالم آخر. في الوقت نفسه لا يمكنك أن تهرب من مقارنة ما تسمعه من هؤلاء الشباب، وما كنت تأمل أن تسمعه منهم لو لم يُعتقلوا. فبدلًا من أن تستمع لحكايات مؤلمة عن السجن والتعذيب والترهيب والإذلال، كنت ستستمع لخطط هؤلاء الشباب عن المستقبل سواء ما يخص الدراسة أو العمل أو السفر. شباب وشابات في عمر يافع يتحدثون عن حرمان من النوم والأكل والزيارات ورؤية الأهل، وكأنهم في صراع صفري مع عدو خارجي يحاول التخلص منهم، ويسعى إلى قتل أحلامهم قبل إنهاك أجسامهم.

تستمع لهؤلاء الشباب وأنت تحاول أن تحبس دموعًا تكاد أن تسقط، ليس فقط تعاطفًا وتضامنًا مع أوجاعهم وذكرياتهم المؤلمة، بل هو حزن وقهر على بلد قاسٍ، ونظام ساديّ، يقوم بعملية تدمير منظمة وممنهجة لأفضل أبنائه، لا لشيء إلا من أجل التمكّن من السلطة والبقاء فيها مهما كان الثمن.

تحدّث الشباب عن تجاربهم في المعتقل، وفي حديثهم شفاءٌ لهم ولأوجاعهم، ولو قليلًا، في حين يعتصر القلب ألمٌ على ما أصابهم من دون ذنب سوى وقوفهم في وجه آلة القمع والاستبداد. بعضهم لا يزال يعاني نوبات ذعر وخوف، واضطرابات في النوم والتفكير. فالسجن ومآسيه وتجربته لا تبارحهم، في نومهم وصحوهم، يحاولون التغلب عليها تارة بالهرب، وأخرى بالضحك عليها، وعلى مفارقات الحياة داخل المعتقل. وبينما يفعلون ذلك، فإن جزءا منهم قد انكسر، ولن ينصلح إلا بعدالة ناجزة تُنصفهم وتقتصّ من جلاّدهم مهما طال الزمن.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة