وثائق أميركية حاضرة.. وثائق عربية غائبة

(الجزيرة)
(الجزيرة)

اطّلعت أخيرا على حزمة من وثائق حكومية أميركية عن حقبة مهمة من التاريخ العربي المعاصر بعد ما رفعت وزارة الخارجية السرّية عن مئات الوثائق والخطابات والرسائل والبرقيات ومحاضر الجلسات، والمذكرات الرسمية، الخاصة بعلاقات واشنطن مع حكام عرب وعواصم عربية عدة في نهاية سبعينيات القرن الماضي. ورغم مرور أكثر من 40 عاما على تاريخ هذه الوثائق، فإننا لا نزال نحيا في الموضوعات نفسها التي تناولتها الوثائق سواء تعلق الأمر بالصراع العربي الإسرائيلي، أو بتعقيدات علاقة إيران بجيرانها العرب وبالولايات المتحدة، وقضايا الخلافات في العلاقات العربية-العربية، والبحث عن حلّ مقبول لمعضلة قطاع غزة والضفة الغربية، فضلًا عن أزمة القدس وتطوراتها الدرامية.

والكشف عن هذه الوثائق، وغيرها، عمل روتيني تقوم به الجهات الحكومية الأميركية بصورة دورية طبقا لقوانين تلزمها بذلك. وتنضم هذه الحزمة من الوثائق إلى آلاف الوثائق الأخرى التي رُفعت عنها السرّية في السنوات القليلة الماضية سواء من الوزارة نفسها أو من جهات أخرى كالبيت الأبيض، أو وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه" (CIA).

من الوثائق المهمة التي تضمنتها هذه الحزمة مذكرة صدرت عن وكالة الاستخبارات المركزية يذكر فيها أن الزعيم الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، أبلغ مدير المخابرات العسكرية المصرية (وعرّفته الوثيقة فقط باسم اللواء شوكت) حينئذ أنه لا يثق بالرئيس السادات، ويفضّل التفاوض المباشر مع واشنطن.

وبالاطلاع على الوثائق يظهر أنه على الرغم من رفع السرية عنها وإتاحتها للعامة، فإنها ممتلئة بأجزاء لم تُرفع عنها السرية بعد؛ بضعة أسطر في حالات عدة، ومقاطع كاملة في حالات أخرى.

ويُلزم القانون رقم 13526 الخاص بالحصول على المعلومات الحكومية بالكشف الدوري عن الوثائق الرسمية بعد مرور 25 عاما عليها، إلا أن القانون ذاته وفّر للحكومة 9 استثناءات تمكنها من عدم النشر، وهذه الاستثناءات تتعلق بالحفاظ على حياة أشخاص ومسؤولين أجانب ممن تعاونوا سرًّا مع الولايات المتحدة.

ومن الاستثناءات أيضا ما قد يكون لحماية طرق جمع معلومات وتجسس، أو أي وثائق قد تكشف عن طرق صنع أسلحة دمار شامل، أو تكشف عن انتهاكات أميركية للقوانين أو المعاهدات الدولية. كذلك تشمل تلك الاستثناءات أي وثائق تكشف عن طرق التخطيط لعمليات عسكرية أو عمليات استخباراتية.

وأخفت الوثائق هوية ومناصب مسؤولين عرب تعاونوا مع واشنطن من أجل تحقيق أهدافها في إنجاح مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. وكان من أهم ما استوقفني تظليل أجزاء في مذكرة تقدير موقف صدرت عن وكالة الاستخبارات المركزية بتاريخ 16 فبراير/شباط 1979 تحدثت عن تحدي "القوى الإسلامية" لخطوات الرئيس المصري السابق أنور السادات تجاه التوقيع على اتفاقية سلام مع إسرائيل، وقد حُجبت المعلومات والتحليلات المرتبطة بهذه النقطة.

ومن الوثائق المثيرة تلك التي ركّزت على جهود واشنطن فى مفاوضات "الحكم الذاتي للفلسطينيين". ومن الوثائق المهمة التي تضمنتها هذه الحزمة مذكرة صدرت عن وكالة الاستخبارات المركزية يذكر فيها أن الزعيم الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، أبلغ مدير المخابرات العسكرية المصرية (وعرّفته الوثيقة فقط باسم اللواء شوكت) حينئذ أنه لا يثق بالرئيس السادات، ويفضّل التفاوض المباشر مع واشنطن، وأن عليه إبلاغ السادات بذلك. وتؤكد "سي آي إيه" (CIA) في الوثيقة أن اللواء شوكت رفض أن يقول للسادات ما سمعه من عرفات، وفضّل أن يقول إن عرفات يعتقد أن واشنطن جادّة في مسعاها لإحلال السلام، ولذا فهو لا يمانع التفاوض المباشر معها.

فصّلت الوثائق (وأخطأت في توقعاتها) توقّع واشنطن انهيار نظام الرئيس السوري، حافظ الأسد، عام 1980 على خلفية تزايد التحديات أمام حكمه من جماعات سورية مختلفة. وطالبت برقية صدرت في 19 سبتمبر/أيلول 1980، بعنوان "مراجعة السياسة الأميركية تجاه سوريا"، بضرورة الاستعداد لحماية المصالح الأميركية إزاء ما يبدو أنه "مستقبل غامض أمام سوريا". وأشارت البرقية إلى أنه رغم صعوبة تحديد عمر نظام حافظ الأسد، وإلى أي مدى سيستطيع البقاء، فإنه من الواضح أن "النظام يموت".

وكشفت بعض البرقيات عن عدم تمسك الحكام العرب بإقامة دولة فلسطينية، وأشار إلى ذلك محضر اجتماع عُقد فى البيت الأبيض يوم 17 يناير/كانون الثاني 1980 بين نائب الرئيس المصري حينئذ، حسني مبارك، والرئيس الأميركي وقتئذ، جيمي كارتر؛ "وأكد مبارك أن قضية القدس هي الأهم عند القادة العرب، وذكر أن الأمير فهد بن عبد العزيز آل سعود والملك خالد بن عبد العزيز آل سعود لا يعرفان إلا القدس. ولقد كان الرئيس السادات على حق عندما ذكر منذ أشهر قليلة أن لا أحد من القادة العرب يريد دولة فلسطينية مستقلة. هم يخشون الفلسطينيين، ويخشون من النفوذ السوفياتي الذي سيتمدد داخل أي دولة فلسطينية".

وتدفعني تجربة الاطلاع الدوري على الوثائق الحكومية الأميركية إلى طرح تساؤل طرحه في الماضي كثير من الباحثين والمهتمين وسيطرح في المستقبل كذلك، ويتعلق بوثائقنا العربية. نحن دول وشعوب عريقة لها تراث غني به الكثير من الوثائق التي نستطيع عن طريقها التفهم والتحليل والاستفادة من خبرة تاريخ مرّ بنا وعلينا بما يفيد الحاضر، ويُعدّ للمستقبل. نعم هناك جهات رسمية تقوم بوظيفة التأريخ وجمع الوثائق، إلا أن وظيفتها شكلية بالأساس، إذ لا تتاح لها أي وثائق جادّة مهمة للاطلاع عليها. تفاصيل فصول تاريخنا العربي غير متاحة لنا، وليس من الجيد التعرف على أسرار وتفاصيل موضوع مهم كمفاوضات السلام المصرية الإسرائيلية وغيرها من وثائق أميركية أو إسرائيلية فقط. وعلى سبيل المثال فقط، أين يوميات الرئيس السادات التي كتبها بخط يده؟ أين محاضر وبرقيات وزارة الخارجية المصرية من سفارتها بواشنطن وديوان الوزارة بالقاهرة؟ أين مذكرات وتعليمات مؤسسة الرئاسة لفريق التفاوض؟ أين خطابات ومراسلات ومداولات السادات مع فريقه التفاوضي؟

إن ما تقوم به الأنظمة العربية من حظر الاطلاع على وثائقها الرسمية يتيح لنا وللآخرين فهم تاريخنا من وجهة نظر خارجية فقط، وأميركية في كثير من الأحيان، إذ لا تتاح وثائق عربية مماثلة لما توفره تلك الدول. والإفراج عن الوثائق العربية الرسمية سواء لكل مواطني تلك الدول، أو فقط للباحثين والصحفيين، لن يهدد الأمن القومي لهذه الدولة أو تلك، بل على العكس يزيدها قوة بانفتاحها.

وقد يقول بعضهم إنها أسرار أمن قومي. نعم، قد تكون كذلك لكن لمدة زمنية محددة قد تبلغ 20 عاما، أقل أو أكثر قليلا. تاريخنا بما فيه من وثائق ملك لنا ولشعوبنا وللأجيال القادمة التي من حقها أن تعرف كيف حدث ما حدث، وأن تعرف ذلك على لساننا ومن وثائقنا وليس على لسان ووثائق الآخرين.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة