المتاهة بين الخطاب الفئوي وبين الرشاد الوطني

blogs - التفكير
(مواقع التواصل الاجتماعي)

في روايته الساعة الخامسة والعشرون يذكر الروائي فيرجيل جيورجيو على لسان الكاهن كوروغا أن (الفئوية هي الانحراف الأكثر وحشية والأكثر شيطانية التي أنجبها العقل البشري لا يجب أن ننسى أن عدونا، هو أيضاً، رجل وليس فئة).

ولابد أن نعرف أن الفئوية فكر بدائي فردي وجماعي يقوم على نزعة الامتلاك والإدارة غير المنضبطة والخارجة على الثوابت والقواعد، يحدث هذا في دول العالم أجمع بصيغة فردية، أي بين الأفراد بعضهم مع بعض، وجماعية بين الأحزاب السياسية، وحتى بين الدول المتصارعة على المصالح بمختلف أنواعه والتصنيف الفئوي يعمق التناحر والتدابر ويزيد من المشاكل تعقيداً.

جراء الخطابات الفئوية حلت  كوارث سياسية واقتصادية وفجائع اجتماعية هنا وهناك وبمقدور كل إنسان أن يحمل (الله) أو (الشيطان) أو المتطرف المسلم  مسؤولية ما يحصل بل إن البعض يمارس هوايته المريحة فيشتم الأديان والسياسة وشرعة حقوق الإنسان  ثم يذهب إلى سريره وينام  مرتاح البال ظناً منه أن ممارسة هذه اللعبة المحزنة تعفيه عن العمل وهي في الواقع لعبة مخزية لا تفيد شيئاً بل تعمق حالات الجنون وعدم الاستقرار والاستسلام ، لكن سيبدو أكثر واقعية إذا تم تحييد (الله) وكذلك (الشيطان) جانباً وقيل بهدوء إن كل هذا الخراب الواقع هو في الواقع نتيجة عجز الإنسان وتأليه السياسة والخطابات الفئوية.

 

 إلى أي مدى إذاً نستطيع، قبل التفكير في تحديد ملامح التيار الأساسي، أن نبلور أو نبعث نوعاً من أنواع الثقة والتوافق على القضايا الكبرى بعيداً عن الاستعراض الاستقطابي.

فالإنسان ما يزال مسجوناً باسم السياسة وما دامت السياسة وخطاباتها الفئوية قاصرة عن استقصاء واحتواء كينونة الإنسان واستقراء مواريث الهداية وحماية شمائل الفطرة عاجزة بقدرة القانون الفعال الموثوق به، فإن منطق السياسي الفئوي سيقبع في خانة لص وقاطع طريق مسلح بالبنادق يطوف العالم  كي يبني زنزانة وراء كل باب يفتحه العقلاء ويقف شرطي مسلح بعلامة مرور وأحياناً أيضاً بحبل مشنقة.

إن التفكير في بناء جسر يصل بين الناس و تحقيق مطالبهم وتجاوز الفئوية يعني صياغة مشروع وطني يرتكز على خلفية استقصائية تدرس التاريخ ومراحله والعوامل التي أثرت فيه سلباً أو إيجاباً ومن ثم تحديد القواسم المشتركة وكذلك المتفردة والمتداخلة زمانياً ومكانياً، وكذلك تجديد الفكر السياسي واعتماده على ثلاثية (مجتمعية متسامحة وتربوية قانونية وقيم صارمة) بحيث يعاد صياغة ثوابت التصورات الحزبية والفردية فالفئوية تشعل الفتن وتوقظ الدم وتحطم الهوية المجتمعية وينتهي المجتمع كله إلى الانهيار.

وعلى الرغم من كل ذلك ، أرى أن محاولة تحديد ملامح المشروع الوطني عن طريق فهم واستخلاص ماهو واقع وجار قد يفضي إلى أحكام غير دقيقة حيث يتم إضافة مالا يصح أن يكون في قائمة الأولويات  فمثلاً الحوار العلماني الإسلامي والإسلامي القومي والديني الديني وتجديد الخطاب الديني كلها نقاط مهمة لكنها غير ضرورية في مرحلة تحديد ملامح التيار الوطني الأكبر فلربما التركيز على تلك القضايا يفرز أزمة تبديد و تشتيت لقوى البلد المادية والمعنوية وقدرتها على التجمع وعلى التدبر.

إلى أي مدى إذاً نستطيع، قبل التفكير في تحديد ملامح التيار الأساسي، أن نبلور أو نبعث نوعاً من أنواع الثقة والتوافق على القضايا الكبرى بعيداً عن الاستعراض الاستقطابي.

في سبيل بناء الوطن المتوافق علينا تجاوز ظاهرة المفرقعات الإعلامية وكذلك الحروب الكلامية التي تفت الجبهة والعزلة التامة عن أي محرض يستنزف الدم.

فمشكلتنا ليست مع القوميات ولا الطوائف ولا التناحر العلماني ولا الديني مشكلتنا هي في غياب الوعي وفي بناء وعي عام بالقضايا المصيرية والتي منها وفي مقدمتها: سيادة القانون.

لا يمكن اختزال القومية بحزب ولا جعل سياسات خاطئة لحزب ما هو الحكم على قومية ما كما لا يمكن تحويل الخلاف بين سياسة قومية إلى محاربة القومية بأكملها.

فكرة التراشق التي نراها اليوم في بعض البلاد كسوريا حيث كل فئة بما لديها فرحة وعلى غيرها ناقمة حيث تنعت جهة ما بالانفصالية والالحاد وجهة أخرى بأنهم مرتزقة وتضيع العلاقات والتاريخ والقضايا الأصلية.

في الواقع ، لا نلمس وعياً حقيقياً لحجم الخلاف الاجتماعي الذي يبرز اليوم بين مكونات المجتمع الواحد ولا  في حجم الجرح والحساسية  داخل وجدان القوميات والطوائف وبين العلماني والديني.

نعم بصراحة لا يوجد وعي بحجم تلك المشاكل ولا بواعثها الحقيقية  فقبل أن ننشغل في مناقشة أي مشكلة لابد من معرفة حجمها  .

لن نضيق ذرعاً بطرح كل قضية للحوار بدل الشجار وأن كل الآراء مقدرة  وتنال اهتمامها لكن ذلك كله مرهون في الوصول إلى مشروع الجسد الواحد بألوان عديدة وأن كل الخطوات تلتزم ترتيب الأولويات .

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن غالب النشاطات السياسية والحزبية ليست مؤهلة للتفاعل بكفاءة مع الأحداث السياسية، مما يستدعي فك ارتباطها بالممول والميل التام لمطالب الشعب والقيام بإصلاح في التصورات إن العلاقات المجتمعية الهشة لا يتحمل وزرها فقط السياسي بل المتدين والنخب الثقافية والاقتصادية والفنية

يبقى السؤال المشروع  : هل تستحق هذه القضايا أن نفكر فيها قضية الحوار واستعادة الثقة وبناء مجتمع له قضاياه المحورية أليس غريباً أن نتحدث عن أمور من المفترض أنها متحققة ؟

الحقيقة أن شروط النهوض واستعادة الدور المفقود وتجاوز صورة المجتمع المأزوم لا يمكن أن يتم ذلك  من دون بيان واضح وذلك بجعل المصالح العليا مقدمة على المصالح الفئوية وحقوق الأفراد مقدمة على حقوق الجماعات ولماذا لا نكاد نسمع كلمة عن حق الشعب في الكرامة والحرية والعدالة ؟ أليس هذا غريباً ألا يشار إلى هذا المبادئ في واقع المجتمعات تحقيقاً لا شعارات تكتب على جدران الشوارع   المعادلة الفعلية مركبة من المكونات التالية :

مصالح الشعب العامة +الاقتصاد + سلطة سياسية منتخبة + مشروع وطني واضح = قوة دولية.

إلا أنه وقع استبدال هذه المعادلة بتغيير علامة الإضافة بأخرى سالبة من خلال إغراق البلاد في حروب داخلية وعلاقات متوترة بين الحاكم والمحكوم.

المجتمعات المسلمة والعربية بحاجة إلى حوار سياسي وطني حقيقي لا إلى حوار فئوي، وعلى السلطات أن تكون طرفاً في هذا الحوار الذي يجب أن يشمل نقاشاً معمقاً حول القضايا الرئيسية التي تهم الواقع  في مرحلة تطوره الراهنة الخطيرة والرياح المحتملة والألغام القالبة للتفجير في أي لحظة  للوصول إلى توافق سياسي قابل للبقاء، يستفيد من عِبر ما وقع في البلاد ، ويخرج من فكرة الأمن القومي القامع والمناخ المأزوم سياسياً وأمنياً، ويعيد للبلد عافيتها المفتقدة إلى فكرة المواطن الآمن القانع . لابد من إحياء فكرة المجتمع المدني وهي نقطة مهمة وأساسية لمعالجة المجتمع فجماعات المجتمع المدني ليس شغلها السياسة وإن كانت مواقفها توزن بالميزان السياسي بوصفها جماعات ضغط ولن تكون تلك الجماعات حكومة لأن وظائفها لا تتعلق بالحكم، بل تتعلق بإدارة وتنظيم الشؤون الذاتية لكل جماعة، ولذلك ليست السلطة أصلاً من شواغلها.

لابد من تقرير القاعدة أن من ضعف الداخل يتولد قهر الخارج وظلمه وأن سوء الأوضاع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية تحول وتعوق وتؤخر أي استجابة حقيقية لدعوات الإصلاح.

وجماعات المجتمع المدني تسهم في رفع أعباء ثقيلة جداً على الدولة وتحجيم التضخم البيروقراطي المتكون في جهاز الدولة، وتوضح صورة المجتمع في وحدات مشاهدة يمكن توقع سلوكها ومواقفها المختلفة.

لأن هناك مجموعة من التجمعات التي تتوضح تصوراتها واتجاهاتها على الأصعدة الاجتماعية والفكرية والاقتصادية والسياسية. ومن خلال مرجعيات وأجندة تلك الجماعات الأهلية، يستطيع المرء أن يعرف حجم كل مشكلة في المجتمع، مما يتيح رسم السياسة المناسبة لمعالجتها.

لابد من تقرير القاعدة أن من ضعف الداخل يتولد قهر الخارج وظلمه وأن سوء الأوضاع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية تحول وتعوق وتؤخر أي استجابة حقيقية لدعوات الإصلاح.

ولا تتقوى النخب على بناء عالم الفكر ونظم المفاهيم بل تنشغل في إصلاح الدولة أو المؤسسات وهو ما يدفع لصدام قد يقع بين الدولة وبين النخب والشعوب حيث لا تملك النخب قوة في مواجهة الاختلالات ولا تأطير الحلول فتنشغل بفكرة الإصلاح السياسي وهو مهم لكنه غير كاف أو هو في المرتبة الثانية كان من المفترض أن تعطى الأولوية لتجديد الفكر وبناء التصورات والمصالحات والتصورات الجماعية والقضايا المصيرية من حيث الفكرة والمنهج والتطبيق والممارسة قبل بذل الطاقات في عملية البناء، بيد أن ما حدث شيء آخر. لقد أملت علينا التداعيات السريعة الناتجة عن الصدام بين الحكومات والشعوب وتشطي النخب إلى ضياع فكرة الوطن الواحد وبروز المصالح الفئوية ولم يعد هناك تيار يجمع ويبتعد عن فكرة الطرح السلبي التي تحول عوامل التقدم إلى عوامل جمود أو جذب إلى الوراء.

إن المصالح الضيقة والخطاب الفئوي قد ينجح في تعميق حالات التشرذم الناجمة عن الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد لكن تلك الحالة المرضية تقتل الاستقطاب السياسي الموضوعي والمصالح الحقيقية لأطراف العمل السياسي.

الشعوب التي لا تفكر تطلق العنان لألسنتها لتكون نيران فتنة؛ يحترمون كل ما لايحترم ويهينون ما ينبغي أن يحترم.

علينا أن نعي  أن الغالب بقوة السلاح ليس بالضرورة أفضل الناس خلقاً، أو أخفهم دماً، أو أجملهم منظراً، ولكن شدة الجاذبية التي يتمتع بها بسبب قوته وغلبته قد تخدع البصر فيظن الناظر إليه أنه ليس فقط أقوى الناس، بل أيضا أفضلهم وأجملهم وأخفهم ظلاً إن الخديعة بانتصار الخطاب الفئوي وقوته لا يعني استقرار المجتمع إلا على نار قابلة للحرق في أي لحظة.

الفئوية لا تخدم إلا مصالح قوى طارئة، ليس لها من شرعية إلا شرعية القوة وقد استثمرت وتستثمر الأزمة في أهداف أبعد ما تكون عن مصالح البلد، وبالتالي يجب ألا تذهب أية حلول محتملة نحو الإقرار بالواقع الفئوي، بل وترسيخ آليات إعادة إنتاجه دورته الرديئة وبالتالي استمراريته، لأن ذلك سيكون تنويعاً على الأزمة ذاتها، ونقلها من صورة إلى صورة أخرى، بدلاً من معالجة جذورها الجوهرية، بالمضي في طريق الإصلاح وتطويره، لا التراجع عنه، وبعدم الانجرار إلى قولبة الموضوع في متقابلات فئوية الخطاب العام الجامع للتيار الوطني الأصيل من لا يعبأ بكرامة الإنسان فليس له أي دين ولاقومية….لا يختلف عبد البندقية حتى وإن رفع راية الحرية عن عبد السلطة  الاستبداية الفارق هو فقط من يمول ومن يأمر بالقتل…عبيد البندقيات يقاتلون اليوم وغدا قد يكونوا مقتولين.

عندما تتحرر من عبوديتك لأي جهة فئوية تنطلق وطنيتك في مجال أرحب وأوسع وأقدر.

الشعوب التي لا تفكر تطلق العنان لألسنتها لتكون نيران فتنة؛ يحترمون كل ما لايحترم ويهينون ما ينبغي أن يحترم.

المعارضة الرشيدة تجيش الجميع لهدف واحد (العدل) وهذا يعني رفض أي تعرض لأي مكون قومي أو طائفي بانتقاص كل معارضة لا تسهم في دمج الأقليات في خطابها تعمل مع النظام على تحويل الأقليات إلى مجموعات غير مندمجة في مجتمعها بل وفي لحظة تاريخية ستكون أول حربة ضد الجسد العام توجه من الأقليات.

الأخطار لا يمكن ردها بالجهل والخوف لا يدفع بالظلم.

الحل يكمن في العدل والعلم والدوامة الدموية التي تعيشها بلاد العرب والمسلمين وكلفتهم هجرات متتالية وتمزيق اللحوم وتهشيم العظام كان باعثها الأول والأخير الاستبداد والجهل وليس القومية أو الدين.

قد تكون صرخاتنا اليوم تحجبها سياط السياسة لكن مع هذا علينا أن نزاحم المجرمين والعابثين سيكتشف أبناء المجتمع الواحد يوماً أنهم كانوا يتقاتلون ويتشاتمون بمحرضات غير واعية فئوية المنشأ من السياسة والتحزب غير العاقل وأن الجرح في الوجدان صنعته السياسة وغذاه الجهال وليس هو المعنى الحقيقي للعلاقة.

فمنطق الخطاب الوطني الجامع يعتمد على أن الأفكار أولى من الرصاص والدمار بين وأن توليد الأفكار والتعليم الحر وبناء الروابط الاجتماعية العامة لا الفئوية الخاصة هو الحل الأنسب وأن أي تنمية مالم تكن مقرونة بإنسان حر كريم فهي عرضة للخراب وهذا ما يجعلنا وجهاً لوجه أمام مسؤولياتنا؛ فإما أن نكون تقدميین نتحرك نحو ما يجمعنا ويحقق لنا غاياتنا المشتركة على الأقل في عنوانها العريض، أو أن نستسلم للمنطق السلبي الذي يقودنا إلى الاستسلام لواقع التخلف والتجزئة والغيبوبة الحضارية.

إن الفيل السياسي الذي يدوس فوق المجتمع المدني وتحل الدولة الشمولية بدل كل المكونات المدنية لا يقدر هذا الفيل حجم الكوارث القادمة حيث يزداد الناس سلبية وبعداً عن الدولة وتزداد الدولة عزلة عن الناس، فلا يتحقق التوازن المطلوب بين سلطة الدولة وبين الجماعات الأخرى.

 

 

 

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة