مقالات

من حكايات النخبة المصرية (٢) | حين رفضت العمل في ديوان رئيس الجمهورية

(الجزيرة)
(الجزيرة)

كان ذلك في مايو/أيار من عام 2003 حين بلغني خطاب من ديوان رئيس الجمهورية يطالبني بالحضور إلى مبنى مجاور لقصر الاتحادية بمنطقة مصر الجديدة (هليوبوليس)، وذلك فيما يشبه الاستدعاء الرسمي. أصابني القلق والتوتر في البداية من الاستدعاء، وترددت في الذهاب. كنت وقتئذ أعمل باحثًا مبتدئًا بالمكتب الفني لوزير التجارة الخارجية الأسبق، يوسف بطرس غالي، وقد اعتقدت لوهلة أن الاستدعاء يخص عملي بالوزارة أو شيء من هذا القبيل.

بينما أنا جالس لمحت 4 شبّان آخرين قريبين مني في السن، وقد بدوا وكأنّ على رؤوسهم الطير؛ فزاد القلق والتوتر من هذا الاستدعاء الذي جعلنا نشعر وكأننا نستعد لمغامرة غير محسوبة العواقب.

كذلك كنت قد شرعت في التعاون البحثي مع مجلة "السياسة الدولية"، ونشرت بها دراسة عن آثار الغزو الأميركي للعراق الذي كان قد وقع قبل ذلك التاريخ بشهرين تقريبًا؛ فقلت ربما يكون الاستدعاء بهدف مناقشة ما جاء في الدراسة، خاصة أنها قد لاقت استحسان كثير من الباحثين والكتّاب وقتئذ. وطافت في ذهني كل الاحتمالات والأسباب التي تجعل ديوان رئيس الجمهورية يستدعيني، بما في ذلك عملي بجامعة القاهرة الذي امتد 4 سنوات بين عامي 1996-2000، أو بسبب سفري إلى السعودية للعمل صحفيًا في جريدة الوطن التي كانت حينئذ تحت التأسيس وذلك في أغسطس/آب من عام 2000، وعودتي بعد 3 أسابيع عقب استقالتي التي قدمتها اعتراضًا على الطريقة التي تعامل بها معي رئيس تحرير الجريدة.

وعلى كال حال، وصلت إلى المكان المقصود في الموعد المحدد. وقد كان عبارة عن مبنى أقرب إلى منشأة عسكرية (عرفت لاحقًا أنه كان أحد القصور التي استخدمها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر)، والجميع يتحرك فيه بحساب وحذر، ولا يتحدث المارّة مع بعضهم بعضا. وبعد أن فتّشوني بشكل صارم عند بوابة الدخول، وتأكدوا من هويتي عن طريق أحد أعضاء الشرطة العسكرية الذين يقفون عند الباب الخارجي للمكان، اصطحبني أحد العسكريين إلى مبنى داخلي يبدو من شكله الخارجي أنه قد بُني حديثًا إذ تفوح رائحة الطلاء الجديد في المكان، وتعكس ألواح الزجاج الخارجية ضوء الشمس الساطع.

وصلت إلى قاعة لاستقبال الضيوف داخل المبنى حيث طلب مني مرافقي الانتظار. وبينما أنا جالس لمحت 4 شبّان آخرين قريبين مني في السن، وقد بدوا وكأن على رؤوسهم الطير؛ فزاد القلق والتوتر من هذا الاستدعاء الذي جعلنا نشعر وكأننا نستعد لمغامرة غير محسوبة العواقب. وبعد فترة من الصمت، آثرت أن أفتتح معهم الكلام لأكتشف بعد دقائق أنه قد بلغهم خطاب الاستدعاء نفسه الذي بلغني. وكان من بين هؤلاء الشبان اثنان يعملان معيدين في قسم المكتبات بجامعتين مصريتين، وآخران كانا زميلين يعملان في المجال البحثي، ومن خريجي كليّتي وجامعتي أيضا (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة).

وبعد دقائق اصطحبنا أحد الأشخاص إلى مكتب أحد لواءات الجيش المتقاعدين الذين كانوا قد تركوا الخدمة والتحقوا بالمجال البحثي خاصة البحوث العسكرية والأمنية. ورحّب بنا سعادة اللواء، وقد ظهر علينا القلق والتوتر حتى قال إنه قد تم استدعاؤنا من أجل العمل في "مشروع بحثي وطني كبير"، وإنه تم اختيارنا من بين مجموعة كبيرة من الباحثين الشباب، بعد عمل التحريات الأمنية والاستخباراتية اللازمة بشأننا، وذلك من أجل إنجاز هذه المهمة الوطنية العظيمة.

وقالها بفخر على طريقة الممثل يوسف شعبان (اللواء محسن ممتاز) مع الممثل محمود عبد العزيز في المسلسل الشهير "رأفت الهجان"، ولم يكن ينقصنا سوى سماع الموسيقى التصويرية للمسلسل في الخلفية. ثم دخل لاحقًا في التفاصيل قائلا "سوف تقومون بعمل توثيق لتاريخ مصر المعاصر منذ ثورة (انقلاب) 1952 حتى الآن" (كان ذلك عام 2003)، و"إن هذا المشروع الوطني العظيم سوف يبدأ بتأريخ مرحلة حكم الرئيس مبارك منذ أن كان نائبًا للرئيس السادات في منتصف السبعينيات".

وفي الوقت الذي تحمّس فيه الزملاء للمشروع وعدّوه نقلة مهنية، وربما سياسية بحكم أن العمل يتبع ديوان رئاسة الجمهورية، ساورني القلق من المشروع برّمته، وشعرت بأن ثمة شيئا ما خلفه يتجاوز ما قاله سيادة اللواء عن "المشروع البحثي الوطني الكبير". ولم يدم ظني طويلًا، فحين التقينا بسيادة اللواء في المرة الثانية دخل في تفاصيل "المشروع" قائلًا "نريد منكم أن توثّقوا رحلات الرئيس مبارك الخارجية وذلك بالعودة إلى قصاصات الجرائد الرسمية (الأهرام والأخبار والجمهورية) المحفوظة والمؤرشفة على آلاف الشرائح من الميكروفيلم". وقتئذ صدقت شكوكي بأن "المشروع الوطني الكبير" ما هو إلا مجرد "فنكوش" على طريقة عادل إمام في فيلم "الفنكوش"، وليس له أي علاقة بالوطنية من قريب أو بعيد.

وفي حين انتشى الزملاء بالبرستيج والمكانة الاجتماعية التي يمكن أن يضفيها عليهم عملهم بديوان رئيس الجمهورية، رغم أن سيادة اللواء كان قد أكدّ -في أول لقاء معه- أن الموضوع يجب أن يبقى سرًّا وأنه لا ينبغي أن يعلم أحد بطبيعة "المشروع الوطني الكبير" الذي سوف نعمل عليه، إلا أنني قد قررت ألا أشارك في هذه المهزلة الفنكوشية.

لذلك في اللقاء الثاني لتسلّم العمل، الذي كان هذه المرة في قصر عابدين، مع لواء آخر من لواءات الجيش المتقاعدين، وبينما كان بقية زملائي منهمكين في توقيع أوراق تسلّم العمل، طلبت الحديث مع سيادة اللواء منفردًا، وقلت له "عذرًا سيادة اللواء لكنني لن أوقع هذه الأوراق، ولن أتسلّم العمل". فوجئ الرجل بما قلته، وسألني مدهوشًا ومستنكرًا "لماذا؟"، فقلت بعد أن استجمعت كل ما استطعت من قوة ورباطة جأش "بصراحة لم أتعلم كل هذه السنين كي أعدّ في النهاية أرشيفًا لحسني مبارك!". وقعت كلماتي على سيادة اللواء وكأنها "دُش بارد" في ليلة شتوية، فلم يرد إلا بكلمة واحدة "براحتك!". خرجت من قصر عابدين وقدماي تسابقان الريح، وكأنني أركض من سجن كبير نحو باب الحرية، وكانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي أدخل فيها قصر عابدين، وللحديث بقية.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة