من سوريا.. تطبيق المعايير الأممية والإنسان هو الضحية

IDLIB, SYRIA - DECEMBER 30: Syrians are seen near the makeshift shelters where the Syrian families who have been forced to displace due to the attacks carried out by Assad regime and Russia, try to live under harsh winter conditions in Idlib, Syria on December 30, 2019. Refugees have difficulty in finding a living place due to the lack of camp sites, infrastructure and the excessive amount of refugees in the camps.
اللاجئون السوريون يعيشون في ظروف بالغة القسوة (وكالة الأناضول)

ربما حان الوقت لتفكيك الأبراج العاجية وإعادة ترتيب قطعها لنبني بها مساكن كريمة لأكثر من 6 ملايين إنسان انتهكت إنسانيتهم في الخيام على مدى السنوات الفائتة في الداخل السوري، فضلا عن حوالي مليونين في مخيمات دول الجوار.

يطل المجتمع الدولي من أعلى ذلك البرج رافعا راية "قاعدة عدم الضرر"، فيما نشهد رقعة الضرر تتسع متمددة رأسيا وأفقيا كما لم يحدث من قبل.

بداية، علينا الاعتراف بأن زمن النظرة التقليدية لعمليات التعافي وإعادة الإعمار -باعتبارها متلازمة مع انتهاء الحرب ومع وجود حكومة موحدة ورسمية بالضرورة- قد انتهى، وبدأت تظهر حالات متعددة خارج هذا النطاق، ومن شواهد ذلك ما رأيناه في غزة مثلا، حيث حكومة الأمر الواقع مستمرة لأكثر من عقد ونصف، فيما تقصف البنية المدنية بشكل دوري، وتتعهد الدول وتعد بالمليارات، لكن النتيجة تؤول إلى الصفر إلا قليلا.

وفي أفغانستان، يعاني الملايين منذ عقود فيما تستمر الحرب وتتبدل السلطات، لتنتهي أخيرا إلى حكومة أمر واقع جديدة يرفض المجتمع الدولي الاعتراف بها، ثم يبقى الحال على ما هو عليه: السياسة أولا ثم الإعمار، وأشياء أخرى، والإنسان في نهاية القائمة، وتساق مبررات ذلك تحت مظلة الإنسانية والأمن وحفظ حق العودة.

إن من الأولى لحفظ حق العودة وحماية التشكيل الديمغرافي وملكيات الأراضي أن تكون هناك مشروعات جادة لتوثيق ملكيات النازحين التي تركوها خلفهم، من أين أتوا؟ وماذا كانوا يملكون هناك؟ وماذا حدث له؟ فهذا ما يحفظ فعليا الحقوق ويدعم عودة النازح/ اللاجئ لا تدميره بإبقائه في ظروف غير إنسانية لسنوات أو عقود

اليوم، يمكن لزائر مخيمات النزوح في الشمال السوري أن يرى أثر تلك "المعايير" والممارسات المبنية عليها كما لم يكن قبلا، تقطع بالسيارة عشرات الكيلومترات تشاهد فيها الخيام على مد البصر، على السهول والسفوح وحتى الجبال الصخرية، وقد تظن لوهلة أنك في عالم افتراضي غير الذي نعرفه، ويظن الطفل في تلك الخيمة على اليمين وتلك الطفلة تحت السقف البلاستيكي المتشقق أمامك أن هذه هي طبيعة العالم.

لأكثر من 10 سنوات يقيم ملايين السوريين في الخيام وتتزايد أعدادهم يوميا، وما كان حلا مؤقتا يبدو أن توقيته المجهول قد يستمر بالتمديد، وهو يتفاقم ويتعزز عبر معايير إنسانية دولية، وحتى في حالات البلدان القليلة التي قدمت وتقدم دعما -ولو كان بسيطا- يمكن تصنيفه تحت أنشطة التعافي وإعادة الإعمار لتوفير بيئة مناسبة للعيش، ونجد أنها تعمل في الميدان بشكل خجول وغير مباشر، والسبب "القانون الدولي".

الخيام في معسكرات النزوح ليست حلا حقيقيا ولا تقترب حتى من الحل حين تطول المدة، مشاكل كثيرة تنشأ عن السكن في الخيام، تبدأ بمعاناة البرد القارس والحر الشديد والأمطار، والمشكلات النفسية والصحية، واختراق الخصوصية والحياة الشخصية -بالذات في ما يخص النساء- والنزاعات الاجتماعية الناشئة عنها، ولا تنتهي بالمعضلات طويلة الأمد، لنشهد ضياع جيل بالكامل كان من الممكن أن يستثمر لتعمير وطنه.

ولا يتوقف الأمر هنا، فعادة ما تكون صلاحية الخيمة 6 أشهر، تغطي فترة الشتاء أو الصيف، ثم يتم تبديلها، وهو ما قد يحدث أو لا يحدث، تكلفة تلك الخيمة حوالي 600-800 دولار، لا تجد المنظمات الإنسانية غضاضة في تكرار إنفاقها مرات ومرات، فيما ترفض إنفاق حوالي 1700 دولار مرة واحدة مقابل إنشاء مسكن كريم من "الكونكريت" يخفف معاناة النازح/ اللاجئ، فضلا عن التكاليف الكبيرة المنفقة سنويا لمعالجة مشكلات السكن في الخيام والبرد القارس مع حلول فصل الشتاء.

كل تلك التكاليف المتكررة كان من الممكن استثمارها في مسكن كريم يدوم لسنوات ويوفر مبالغ طائلة، كان من الممكن توظيفها في أغراض أخرى لتحسين ظروف الحياة، وربما أيضا في توفير مأوى لنسبة أكبر من النازحين/ اللاجئين، وحيثما سألت المنظمات الإنسانية والمانحين عن ذلك تكون الإجابة: الالتزام بمعايير الأوتشا (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية)، صدى تطبيق تلك المعايير في كل قاعة ومكتب وميدان.

خيام اللاجئين (الجزيرة)

تساق أسباب متعددة للتشبث بتلك المعايير، بدءا بالإشكالية السياسية الدولية المتمركزة حول قضية "حق العودة" والمدعومة من المعارضة السورية، والتي تعتقد بوجود ارتباط -خاطئ برأيي- ما بين ضرورة العيش في مأوى واهٍ ومؤقت وبين حفظ هذا الحق، وكأنهم لم يشهدوا ما جرى سابقا مع الفلسطينيين في لبنان حين أضافت حجة العودة -وما نتج عنها من محددات- معاناة إلى معاناة اللاجئين دون التوصل إلى حل أو العودة فعليا، وذلك رغم عدم وجود أي مؤشر على أن انتماءهم الفلسطيني ومطالبتهم بالعودة يرتبطان بأي شكل مع اضطرارهم للعيش في تلك الأوضاع المزرية.

أيضا من الأسباب التي تُبَرّر بها تلك المعايير مشكلة التغيير الديمغرافي والإشكاليات المتعلقة بملكيات الأراضي التي تبنى عليها المساكن الكريمة، وهي كلها مشكلات قابلة للمعالجة، ولا تحتاج أكثر من التفكير خارج الصندوق قليلا، وبما يضع كرامة الإنسان أولا، فمثلا، يمكن التعامل مع قضية ملكية الأراضي عبر عقود استئجار موثقة بحيث تستأجر أرض المخيم لسنوات عدة تكفل حق المؤجر، وهي مبادرة قام بالفعل بعض الأهالي بتنفيذها حين توفرت لديهم الإمكانيات المادية والقيادة المجتمعية، وتكاليفها بسيطة إلى حد كبير في تلك المناطق، وبالتالي ممكنة التطبيق على مستوى المنظمات.

من ناحية أخرى، تقوم بعض المنظمات بتقديم "حل وسط" للتعامل مع منع بناء مأوى "دائم" من "الكونكريت"، وذلك عبر استخدامه فقط في بناء الجدران على نفس رقعة الخيمة دون بناء السقف، حيث يستعاض فيه بالقماش أو البلاستيك، وهذا في الواقع رغم توفيره للنازح ما يسند إليه ظهره فإنه فشل للأسف بالمحافظة على كرامة الناس، فيما توجد له بدائل متوفرة وسهلة، كاستخدام الصفائح المعدنية المموجة (ألواح الزينكو)، فهي وإن كانت أعلى تكلفة من تلك الخامات لكنها على الأقل تتسم باستدامة أطول، كما يمكن إعادة تدويرها وتوظيفها باستمرار لاستخدامات مختلفة لصالح اللاجئ/ النازح.

إن من الأولى -لحفظ حق العودة وحماية التشكيل الديمغرافي وملكيات الأراضي- أن تكون هناك مشروعات جادة لتوثيق ملكيات النازحين التي تركوها خلفهم، من أين أتوا؟ وماذا كانوا يملكون هناك؟ وماذا حدث له؟ فهذا ما يحفظ فعليا الحقوق ويدعم عودة النازح/ اللاجئ لا تدميره بإبقائه في ظروف غير إنسانية لسنوات أو عقود.

وفي كل الأحوال، أن يعيش الإنسان تحت سقف يحميه ويحفظ كرامته لا يعني أنه سيحتل هذه الأرض، وأن يعيش تحت قطعة قماش تجعل الرطوبة والبرد ينهش عظامه والحرارة تقتل فلذة كبده لا يضمن عودته غدا، ومسكن الطين لا يعني أن الوجود مؤقت، فلطالما أقام فيه سكان الأرياف لعقود، وهنا أتذكر جملة يكررها كل لاجئ تقابله "قصر برا حارتي ما بنبسط فيه ولا بعوضني عن بيتي، لكن بوضعنا السكنة بالبيوت أهون من الخيم".

أما في ما يخص إعمار البنية التحتية والطرقات والأسواق فهي في نهاية المطاف لا تؤول ملكيتها للنازح، وستبقى استثمارا لصالح المجتمع المضيف على المدى الطويل، خاصة إذا ما خطط للمخيمات لتصبح امتدادا لمدن قائمة بالفعل، فضلا عن أن ذلك يخفض تكلفة مختلف أنشطة التعافي والإعمار.

باختصار، يمكن تفهُّم الخيمة كحل مؤقت للأشهر الستة الأولى من النزوح، لكن إذا ما طالت الأزمة عن ذلك ينبغي البدء بالتفكير بحلول بديلة مناسبة للإنسان والسياق، ولا يكون الحل فقط عبر بناء مأوى من "الكونكريت" بدلا من الخيمة، فالمتطلبات والمعايير الدنيا المتعارف عليها إنسانيا -كمعايير إسفير- (SPHERE) لا تكفي في الحالات طويلة الأمد، إذ لا بد من التوقف عن التعامل مع النازح/ اللاجئ ككائن بيولوجي فقط يأكل ويشرب وينام، وتوفير مأوى يتناسب مع الطبيعة والخصوصية الاجتماعية والثقافية للشعوب، وهذا يتطلب إعادة النظر في كل المعايير بحيث تأخذ بعين الاعتبار هذه الأبعاد، إضافة إلى تفاصيل أخرى مثل اختيار مكان المخيم بعيدا عن السهول المعرضة للسيول أو الأراضي الزراعية الطينية.

لا يمكن تقبل استمرار الأمر على ما هو عليه، فعلى المجتمع الدولي ومنظماته وحتى تشريعاته أن تتحلى بالمرونة لتواكب متغيرات السياقات الإنسانية وسياقات الحرب، نحن بحاجة إلى خلق نموذج جديد للعمل في مشاريع المأوى والإسكان في السياقات والمناطق المشابهة لما هو الحال عليه في سوريا، وفي شمالها تحديدا، فقد باتت هذه السياقات اتجاها متصاعدا، وطول أمدها كفيل بإنتاج أجيال بالملايين تعيش حالة من الضياع على كافة الأصعدة نتيجة الانتهاكات الفجة و"المقننة" لإنسانيتها طوال سنوات نشأتها.

وإن لم تتم معالجة هذه المشكلة فلا لوم إلا على أنفسنا يوم لا تجد سوريا يوم الإعمار كفايتها من الكوادر، أو إذا التحق الشبان بمجموعات راديكالية -أيا كانت انتماءاتها- أو مجموعات إرهابية أو حتى إجرامية.

ببساطة، على المجتمع والمنظمات الدولية أن يضعا الإنسان اليوم وغدا على رأس خططهما للمرحلة المقبلة، ولا ننسى هنا المسؤولية الكبرى التي تقع على عاتق المفكرين العرب والمسلمين بالدرجة الأولى لتغيير هذا الواقع الذي لم يعد استثناء في منطقتنا مع وجود 70% من لاجئي العالم في الدول المسلمة والعربية يعيشون في ظروف تنتهك إنسانيتهم يوميا، كما لا ننسى توجيه رسالتنا إلى مؤسسات الإغاثة الإسلامية والتشديد على ضرورة وضع معايير خاصة تلائم منطقتنا بدلا من المسارعة لإرضاء المعايير الدولية.

المأوى ذو السقف البلاستيكي (الجزيرة)