من لا يعرف أريثا فرانكلين وبي بي كينغ؟

Singer Aretha Franklin performs during the 10th Anniversary TV Land Awards in New York April 14, 2012. REUTERS/Eric Thayer (UNITED STATES - Tags: ENTERTAINMENT)
أريثا فرانكلين تغني خلال الحفل السنوي العاشر لتوزيع جوائز "تي في لاند" في نيويورك (رويترز)

قبل عامين من انتهاء القرن الماضي، وخلال فترة دراستي الجامعية في ولاية أوهايو، ذهبت لزيارة العاصمة الأميركية واشنطن ذات ليلة خريف دافئة. وفي أثناء التمشي خارج أسوار البيت الأبيض كانت الموسيقى تملأ المكان مخترقة كل الحواجز الأمنية، لتسمعني صوتا نسائيا قويا مصحوبا بموسيقى صاخبة بديعة ومحركة للشجون.

سألت أحد حراس البيت الأبيض عن الصخب والموسيقى القادمة من أهم مركز لصنع القرار في العالم، فرد قائلا "الرئيس وحرمه (بيل كلينتون وهيلاري حينها) دعوا أصدقاءهم من فترة الدراسة الجامعية لحفل خاص تحييه مطربتهم المفضلة أريثا فرانكلين". لم أكن أعرف أريثا من قبل سوى من خلال أغنية وحيدة أتذكرها من أيام المرحلة الثانوية غنتها دويتو مع جورج مايكل اسمها "أعرف أنك كنت تنتظرني"، إلا أنني قررت منذ تلك اللحظة التعرف على هذه المطربة، مدفوعا بما يكنه لها آل كلينتون من كل هذه المحبة. اشتريت لاحقا عددا من أسطواناتها الغنائية، وقرأت عنها وأصبحت أحد أعضاء نادي المعجبين بها، ونويت أن أذهب لمشاهدتها في أي حفلة غنائية يمكنني أن أشاهدها فيها وجها لوجه وهي تغني وتشدو بكلمات أغانيها، التي تخرج عن النمط المعروف وتطلق صيحات للتمرد النسائي والمساواة العرقية، وتدعو للاحترام المتبادل.

ولدت أريثا عام 1942 وترعرعت مع موسيقى التراتيل الإنجيلية، فقد كان والدها قسا في إحدى كنائس مدينة ديترويت. وتحتل أريثا فرانكلين مركزا مرموقا كمغنية استثنائية امتدت سيرتها الفنية على مدى 6 عقود. حملت أريثا معها خبرة غناء التراتيل الإنجيلية التي أثرت على أدائها، وطورت أسلوبا عاطفيا متألقا، وجريئا وقويا، وخاصا بها.

لاحقا، تعرفت على متشرد أميركي من أصول أفريقية اسمه بروس، ورغم تشرده يُعد بروس موسوعة تاريخية وموسيقية فريدة بالمعايير الأميركية، وجمعتني ببروس صداقة تبادلنا فيها المنفعة المعرفية، ولطالما التزمت بمناداته مستخدما لقب "أخ" (Brother) كما طلب. خلال لقاءات طويلة ممتدة، تعرف بروس على الشرق الأوسط كما أعرفه، وعرف مصر وأحبها بشدة من منطلق القومية الأفريقية بصورتها العميقة. عرفني بروس بأساطين الموسيقى الأميركية التي لم ير منها إلا موسيقى السود الأفارقة، واعتبر ما دون ذلك موسيقى أوروبية بيضاء منقحة.

وكثيرا ما عبر بروس عن امتعاضه من وصف البعض إلفيس بريسلي بملك الموسيقى والغناء في أميركا. وقال "بالمعايير الموسيقية، هناك ملك وحيد اسمه مايكل جاكسون"، وأضاف أما إذا أخذنا في الحسبان التاريخ والتأثير المجتمعي فلا يوجد إلا ملك واحد اسمه "بي بي كينغ" (B. B. King). كنت أعرف مايكل جاكسون وأعجب بما يمثله من ظاهرة فنية نادرة، إلا أن كلمات بروس دفعتني فورا للتعرف على ملك الموسيقى الأميركية التاريخي من خلال الاستماع لأغانيه والقراءة عنه. ثم حضرت عام 2005 حفلا موسيقيا للملك في ولاية فرجينيا، وغنى الملك جالسا طول الوقت بسبب حالته الصحية وشيخوخته الظاهرة؛ فعمره حينذاك كان يقترب من 80 عاما، إلا أنه لم يترك غيتاره ولو لوهلة.

ولدت أريثا عام 1942 وترعرعت مع موسيقى التراتيل الإنجيلية، فقد كان والدها قسا في إحدى كنائس مدينة ديترويت. وتحتل أريثا فرانكلين مركزا مرموقا كمغنية استثنائية امتدت سيرتها الفنية على مدى 6 عقود. حملت أريثا معها خبرة غناء التراتيل الإنجيلية التي أثرت على أدائهما الموسيقى، وطورت أسلوبا عاطفيا، متألقا، جريئا وقويا وخاصا بها. وكانت قوة أدائها تنقل أغانيها إلى مكان أبعد من عالم الحب والغرام، إلى المجالات السياسية والاجتماعية الأوسع، خاصة مع سياق أواخر الستينيات من القرن العشرين، عندما كانت حركات الحقوق المدنية والقوة السوداء والحركة النسائية في أوج نشاطها. من هنا كان من الصعب تجاهل أغنياتها الداعية للثورة والتمرد النسائي في محاولة للحصول على حقوق متساوية للنساء، خاصة السود منهم ممن واجهوا تحدي التهميش مرتين (كونهم نساء وذوات بشرة سوداء). رغم أن أريثا فرانكلين لم تصبح شخصية سياسية، فقد قدمت بيانات سياسية واجتماعية قوية عبر أدائها الغنائي، وأطلق عليها بلا منافسة "ملكة السول" (Queen of Soul).

أما كينغ، فقد ولد لأبوين مزارعين عام 1925، وعاش ليرى الموسيقى البكر التي ولدت في أحضان حقول القطن في مناطق الجنوب، والتي يتغنى بها المزارعون السود من العبيد المعزولين عن العالم، لتصل إلى جمهور لا يقتصر على الأميركيين البيض، بل لكل العالم. وذكر كينغ في سيرته الذاتية "أن تكون مغني بلوز فإن ذلك يشبه (أن تتحمل وطأة) كونك أسود مرتين"، في إشارة إلى التفرقة العنصرية ضد السود. وذكر كينغ أنه "في الوقت الذي كانت فيه حركة الحقوق المدنية تكافح من أجل المساواة للسود، كنت أشعر أنني أكافح من أجل كسب الاحترام للبلوز بوصفها موسيقى جديدة". وطور كينغ نغما وموسيقى بطرق مختلفة لم يسبقه إليه أحد. ويعد كينغ من أفضل من عزفوا على الغيتار في التاريخ الموسيقي.

وموسيقى البلوز، إضافة إلى الجاز، تعدان وثيقتي الارتباط بالتاريخ الأميركي وبحركة الحقوق المدنية، كما تعد هذه الموسيقى من أهم إسهامات الأميركيين في التراث الموسيقي العالمي. ويرجع أصل كلمة "بلوز" (Blues) إلى عبارة "ممسوس من العفاريت الزرق"، أو تعني الشخص الواقع تحت سيطرة العفاريت التي تسبب الإحباط واليأس والحزن. واستخدمت موسيقى البلوز والجاز كصور للتعبير عما يجيش في صدور من شعروا بالظلم والاضطهاد، خاصة في الأعوام الأولى التي عاش فيها السود عبيدا في أميركا بعد هجرتهم القسرية إليها.

بعد سنوات، حضرت حفلا موسيقيا صاخبا للملكة أريثا فرانكلين، وكانت المرة الثانية لمشاهدتها والاقتراب منها للمرة الأولى، خلال حفل تنصيب الرئيس باراك أوباما عام 2009. ثم توفيت أريثا عام 2018 عن عمر 76 عاما. وبعد حضور حفل لبي بي كينغ عام 2015 بعدة شهور، توفي ملك الموسيقى عن 89 عاما، ونعاه حينذاك الرئيس الأميركي باراك أوباما -في بيان رسمي- وقال "ربما رحل بي بي كينغ، ولكنه سيظل معنا إلى الأبد، وستشهد السماء الليلة معزوفة رائعة من موسيقى البلوز".