نيو أورلينز.. وزيارة لإرث العبودية الموسيقي

NEW ORLEANS - APRIL 28: The downtown area of New Orleans is seen at sunset near the Mississippi river from the Gulf of Mexico on April 28, 2010 in New Orleans, Louisiana. An estimated leak of 1,000-5,000 barrels of oil a day are still leaking into the gulf from the Deepwater
غروب الشمس في مدينة نيو أورلينز الأميركية (الفرنسية)

للجنوب الأميركي حكاياته، الإيجابية منها والسلبية، خصوصا في ولاية لويزيانا ومدينتها الأشهر نيو أورليانز التي يعبرها نهر المسيسيبي قبل تمازجه مع مياه خليج المكسيك. مدينة متماهية مع بحيرتي بونتشارتراين وبورني، تدرك منذ اللحظة الأولى لوصولك إلى مطارها أنك أمام مدينة وولاية مختلفتين.

لا يقل عدد الأفارقة الأميركيين اليوم في ولاية لويزيانا عن ثلث عدد السكان البالغ 4.6 ملايين شخص، من هنا يظهر بوضوح تراث العبودية الذي لم تشهد ولاية أخرى مثيلا له في القسوة والتطرف. وبسبب طبيعة نيو أورليانز، كانت المدينة واحدة من أهم مراكز استقبال العبيد عند وصولهم لأميركا الشمالية، وكانت فيها لسنوات أكبر صالة مزادات لبيع وشراء العبيد في شمال أميركا

فقد أطلق على المطار اسم مغني الجاز الأسطوري لويس أرمسترونغ الذي ولد في المدينة لأسرة من أصول أفريقية فقيرة في بدايات القرن الماضي، وتعلّم عزف الموسيقى في شوارع المدينة، وصعد نجمه ليصبح ملك موسيقى الجاز، وهو الذي نجح في نقل هذا النوع من الموسيقى والغناء لما وراء مجتمع الأميركيين الأفارقة، ليصبح لونا موسيقيا أميركيا خالصا. وعلى الرغم من عدم كون أرمسترونغ ناشطا حقوقيا أو داعية سياسيا، فإن موسيقاه دعمت النظرة الإيجابية تجاه الأميركيين الأفارقة، وأثّرت إيجابيا على دحض مقولات العنصرية والاستعلاء الأبيض التي لا تزال تسيطر على عقول الكثيرين في ولايته الأم.

ويرجع اسم ولاية لويزيانا إلى ملك فرنسا لويس الرابع عشر، فقد كانت الولاية لعقود طويلة إحدى أهم المستعمرات الفرنسية في أميركا الشمالية. لكن بدايات لويزيانا الحديثة جاءت عام 1528، عندما اكتشفها الإسبان وأصبحت جزءا من المستعمرات الإسبانية قبل أن تقع في يد الفرنسيين عام 1682، ثم خسرها الفرنسيون لصالح بريطانيا عقب الهزيمة في حرب السنوات السبع عام 1763، وذلك قبل أن يستعيدها نابليون بونابرت لفرنسا عام 1800، ثم يبيعها بـ3 ملايين دولار للدولة الأميركية الوليدة عام 1812.

وتتميز الولاية اليوم بتزاوج فريد بين حقب تاريخية مختلفة ذات مزيج إسباني فرنسي بريطاني، أُضيف إليه استقدام مئات الآلاف من الأفارقة، ممن كانوا عبيدا في الماضي. وشكّل هذا الأمر نكهة وطبيعة خاصة لا يوجد لها مثيل في بقية الولايات المتحدة، سواء كان ذلك في نوعية المأكولات المحلية المتوافرة أو الطبيعة الموسيقية، ناهيك عن طريقة ونوعية وطراز البناء والمعمار.

ويبلغ عدد الأفارقة الأميركيين في الولاية اليوم ما لا يقل عن ثلث عدد سكانها البالغ 4.6 ملايين شخص. من هنا يظهر بوضوح تراث العبودية الذي لم تشهد ولاية أخرى مثيلا له في القسوة والتطرف، ويدل ذلك على أن التفرقة العنصرية ما زالت حاضرة بقوة في لويزيانا. وبسبب طبيعة نيو أورليانز، كانت المدينة واحدة من أهم مراكز استقبال العبيد عند وصولهم إلى أميركا الشمالية، وكانت فيها لسنوات أكبر صالة مزادات لبيع وشراء العبيد في شمال أميركا.

وشهدت لويزيانا -ولا تزال- جدلا كبيرا حول النصب التذكارية لرموز الجنوبيين في الحرب الأهلية التي شهدتها الولايات المتحدة، بين الولايات الشمالية بقيادة الرئيس أبراهام لينكولن والولايات الكونفدرالية الجنوبية. وبالفعل أزالت الولاية عددا من التماثيل الكبيرة لقادة جنوبيين من أنصار استمرار العبودية أو من أنصار "سمو الجنس الأبيض"، مثل الجنرال روبرت لي، أو السياسي الجنوبي الشهير رئيس الكونفدرالية الجنوبية جيفرسون ديفيز، أو الجنرال بي جي بيرغراد. وتم تحريم العبودية بموجب التعديل الـ13 للدستور، وهو ما لم يكن له صدى إيجابي ضمن سكان ولاية لويزيانا من البيض. لكن تبقى هناك عشرات المدارس والمؤسسات الحكومية التي تتخذ من أسماء قادة الحرب الأهلية الجنوبيين أسماء لها. ويدور الجدل حول أهمية الاحتفاظ بالتاريخ، لكن من الناحية الأخرى يكون من الصعب على التلاميذ الأميركيين الأفارقة الجلوس في مدارس تحمل أسماء دعاة استمرار العبودية والمتاجرة بهم.

وتقع الولاية ضمن الحزام الإنجيلي الجنوبي، من هنا لم يكن مفاجئا فوز الرئيس دونالد ترامب بها في انتخابات 2016، ثم انتخابات 2020.

ويمثل الولاية سيناتوران جمهوريان في مجلس الشيوخ: بيل كاسيدي وجون كينيدي، في انعكاس لهوية الولاية المحافظة. أما ممثلو الولاية في مجلس النواب، فمن بين الأعضاء الستة لا يوجد إلا عضو ديمقراطي واحد. ويدل ذلك على سيطرة الحزب الجمهوري على الشأن السياسي في الولاية.

في عام 1724، صدر قانون عرف باسم "كود نوار"، ونظّم علاقة فرنسا بمستعمراتها وعلاقة مستعمراتها بالعبيد، وفُرض فيه تخصيص يوم الأحد من كل أسبوع عطلة من العمل للعبيد، إضافة لذلك طالب القانون ملّاك العبيد بتوفير ساحة أو مكان واسع ليلتقي فيه العبيد بعضهم ببعض. وبالفعل خُصصت ساحة واسعة تجاور الحي الفرنسي بالمدينة، وسمي هذا المكان بميدان الكونغو، وهو اليوم جزء هام ومزار تاريخي داخل حديقة لويس أرمسترونغ بقلب مدينة نيو أورليانز. ولعقود طويلة تجمّع الأفارقة صباح يوم الأحد للصلاة وللرقص والغناء الحزين والشكوى لبعضهم بعضا مما يعانونه من ويلات استعبادهم.

يرى بعض المؤرخين أن ميدان الكونغو هو مهد موسيقى الجاز والبلوز التي تعكس الموسيقى التقليدية التي جلبها العبيد معهم من غرب أفريقيا. واستمر تجمّع الأفارقة السود حتى بعد انتهاء العبودية، وأصبحت الساحة مكانا جذابا لمن يريد ممارسة الغناء أو العزف على الآلات الموسيقية الأفريقية، خاصة آلات النفخ والطبول. ولن يفوت الزائر للمدينة سيطرة نمط الحياة البطيء الذي يتميز به جنوب الولايات المتحدة بصفة عامة مقارنة بولايات الشمال.

وتشتهر نيو أورليانز أيضا بوجود حانات عديدة في حيها الأقدم "الحي الفرنسي" الذي يقع قبالة حديقة أرمسترونغ. وتعد السياحة من أعمدة اقتصاد المدينة لدرجة كبيرة، خاصة مع تنوع الحي الفرنسي بنوع وطراز مَبانٍ فرنسية تماما، وتزدحم شوارع الحي بالحانات التي لا تغلق أبوابها إلا مع سطوع شمس اليوم التالي، وتعج بالفنادق والمطاعم. ويتوسط الحي الفرنسي جاكسون سكوير، الذي سُمّي على اسم الرئيس السابق أندرو جاكسون الذي قاد بلاده للانتصار في معركة نيو أورليانز ضد القوات البريطانية إبان حرب الاستقلال. ويعد شارع بوبون القلب النابض للحي الفرنسي، حيث تكثر فيه المطاعم والبارات، وهو شارع الاحتفالات الرئيسية في المدينة، لكن يحذر من زيارته ليلا لكثرة المشرّدين والسكارى. لذا تفضل زيارته قبل ساعات الليل الأخيرة، ولا يفوتكم تناول الحلوى الشهيرة بالمدينة والتي يطلق عليها "البينيه".