الشراكة التركية الأفريقية.. وسعي أردوغان إلى عالم أكثر عدلا

This handout picture released on December 18, 2021 by the Turkish Presidential Office shows Turkish President Recep Tayyip Erdogan making a speech as he attends the official opening session of the 3rd Turkey-Africa Partnership Summit in Istanbul. (Photo by Murat CETIN MUHURDAR / TURKISH PRESIDENTIAL PRESS SERVICE / AFP) / RESTRICTED TO EDITORIAL USE - MANDATORY CREDIT "AFP PHOTO /MURAT CETIN MUHURDAR /TURKISH PRESIDENTIAL OFFICE " - NO MARKETING - NO ADVERTISING CAMPAIGNS - DISTRIBUTED AS A SERVICE TO CLIENTS
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يلقي خطابا أثناء حضوره الجلسة الافتتاحية الرسمية لقمة الشراكة التركية الأفريقية الثالثة في إسطنبول (إيه إف بي)

اتخذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خطوة مهمة وجادة أخرى لتعزيز السياسة الخارجية التركية متعددة الأبعاد، وذلك من خلال استضافة قمة الشراكة التركية الأفريقية في إسطنبول، وفي الشهر الماضي استضافت تركيا قمة أخرى حضرتها 7 دول وانضمت إليها المجر كعضو مراقب.

تسمح القمة الأفريقية الحالية لتركيا بالتعبير عن رؤيتها وإيجاد حلفاء جدد على الساحة السياسية الدولية، وقد عبر الرئيس أردوغان -الذي يعتقد أن تركيبة الأمم المتحدة حاليا غير عادلة- عن رأيه بشكل صريح قائلا بصوت عال "إن العالم أكبر من 5 قوى فقط، العالم كبير ومتشعب على كل الأصعدة".

يمكن القول إن الرئيس التركي لا يعبر عن صوته فحسب، بل يشجع على تشكيل شراكات وهياكل بديلة، وعلى تفعيل أنشطة هذه الهياكل، وبالإضافة إلى قمة مجلس الدول الناطقة بالتركية استضافت تركيا قمة الشراكة مع أفريقيا سعيا إلى دعم إقامة نظام عالمي جديد يرتفع فيه صوت الدول غير الممثلة في مجلس الأمن الدولي.

عندما يتعلق الأمر بالاستثمار والعلاقات التجارية فقد لعبت العديد من المؤسسات دورا محوريا في زيادة حجم الاستثمارات والمبادلات، وقد تجاوز حجم التجارة بين الدول الأفريقية وتركيا 25 مليار دولار، ويهدف الرئيس أردوغان إلى الوصول إلى 50 أو 75 مليار دولار في أقرب الآجال

عُقدت قمة الشراكة التركية الأفريقية -التي استمرت 3 أيام- في إسطنبول تحت شعار "شراكة معززة من أجل التنمية المشتركة والازدهار" بمشاركة رؤساء الدول والحكومات، وتطرق الرئيس أردوغان إلى تاريخ الشراكة التركية الأفريقية التي بدأت عام 2005 واكتسبت زخما كبيرا بعد عام 2009، لتتحول إلى شراكة إستراتيجية.

في عام 2008 أعلن الاتحاد الأفريقي تركيا "شريكا إستراتيجيا"، وعُقدت أول قمة شراكة تركية أفريقية في إسطنبول عام 2008، فيما عُقدت القمة الثانية في مالابو عام 2014.

في الأثناء، تعززت علاقات تركيا مع دول القارة الأفريقية على جميع المستويات، وارتفع عدد السفارات التركية في القارة الأفريقية من 19 إلى 43 سفارة في السنوات الـ13 الأخيرة، وتضم 19 من هذه السفارات ملحقين عسكريين، وبكل تأكيد فإن هذا العدد من السفارات يشير إلى زيادة المبادلات التجارية والتعاون في مجالات النقل والاتصالات، وله أيضا جانب تنموي.

وتعد الخطوط الجوية التركية أحد أبرز معالم انفتاح تركيا على العالم، وهي توفر رحلات إلى 61 وجهة في قارة أفريقيا.

كما تدعم الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا" (TİKA) -وهي واحدة من المؤسسات المهمة التي تمثل القوة الناعمة لتركيا- مشاريع التنمية الاجتماعية في القارة الأفريقية، ولديها مكاتب في 22 بلدا أفريقيا.

كما تقدم مؤسسة معاريف التعليمية -التي تحظى بسمعة عالمية ولديها 175 مؤسسة تعليمية في 26 دولة- منحا دراسية للتعليم العالي لأكثر من 5 آلاف طالب، معظمهم من الدول الأفريقية، وفي العديد من دول القارة يعود طلاب الدراسات العليا من تركيا ليشغلوا مناصب مهمة في بلدانهم.

كما حظيت المسلسلات التاريخية التركية مؤخرا بجمهور كبير في العديد من دول أفريقيا، وهو ما عزز الصورة الإيجابية عن تركيا في هذه الدول.

بالإضافة إلى ذلك، اكتسبت العديد من المنظمات الإنسانية التركية خبرة واسعة في أعماق أفريقيا، من بينها "هيئة الإغاثة الإنسانية" و"أطباء حول الأرض"، وقد ساعدت المنظمات غير الحكومية التركية على بناء جسور الترابط بين الشعب التركي والشعوب الأفريقية من خلال حفر الآبار وجراحات العيون وغيرها من المساعدات الإنسانية.

وعندما يتعلق الأمر بالاستثمار والعلاقات التجارية فإن العديد من المؤسسات لعبت دورا محوريا في زيادة حجم الاستثمارات والمبادلات، وقد تجاوز حجم التجارة بين الدول الأفريقية وتركيا 25 مليار دولار، ويهدف الرئيس أردوغان إلى الوصول إلى 50 أو 75 مليار دولار في أقرب الآجال.

إن علاقة تركيا بأفريقيا لا تقوم في أي حال من الأحوال على الاستغلال، على عكس الدول الأوروبية، وفي كل شراكة لتركيا مع أي بلد أفريقي يكون كل طرف مستفيدا دون التأثير على استقرار هذه الدول.

ورغم الظروف الوبائية فإن القمة التي حضرها 16 رئيس دولة وحكومة إلى جانب 102 وزير أفريقي -بينهم 26 وزير خارجية- يمكن اعتبارها استجابة إيجابية لدعوة الرئيس التركي، وكرر أردوغان أطروحته التي ذكرها مرارا وتكرارا في القمة "نحن نؤيد زيادة وتعزيز تمثيل البلدان الأفريقية في مجلس الأمن في إطار شعارنا "العالم أكبر من 5 قوى".

وأضاف أردوغان "أريد أن أغتنم هذه الفرصة لأؤكد التزامنا بمواصلة التعاون مع أصدقائنا الأفارقة بشأن قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة ومكافحة المخدرات والحد من الفقر والتنمية والتعليم والأوبئة..".

وفي هذا الإطار، قدم أردوغان كتابه تحت عنوان "من الممكن إنشاء عالم أعدل"، والذي صدر بـ3 لغات، هي: الإنجليزية والعربية والفرنسية.

تدرك تركيا أن أفريقيا من بين المناطق الآخذة في النمو في القرن الـ21، ففي عام 2020 كانت 7 من بين 10 بلدان حققت أسرع نمو في العالم من أفريقيا، وهذا المعطى يجعل أفريقيا وجهة جذابة للدول المتقدمة ويزيد أيضا اهتمامنا بها.

وبطبيعة الحال، تغيرت أفريقيا عما كانت عليه في السابق، ولن تقبل أي دولة أفريقية العلاقات التي كانت تجمعها بالمستعمرين الأوروبيين في الماضي، وفي حين يتعين على البلدان الأخرى إظهار التزامها بإنشاء علاقة جديدة مع الدول الأفريقية ومواجهة ماضيها فإن تركيا في هذه المرحلة تتفوق عليها بميزة وهي أنه ليس لديها تجارب مؤلمة مع أي بلد في أفريقيا تمثل عائقا أمام التعاون معها، بل على العكس من ذلك تجمعها بتركيا علاقات وطيدة من خلال المنظمات الإنسانية الناشطة في المنطقة وغيرها من المؤسسات المنتشرة في البلدان الأفريقية.

وفي نهاية القمة أعلن أردوغان أنه سيرسل 15 مليون جرعة من لقاحات "كوفيد-19" إلى البلدان الأفريقية، مع اقتراح عقد هذه القمم بشكل أكثر تواترا، ومن خلال هذه الفعاليات يحاول الرئيس التركي تقديم مساهمته الخاصة في بناء عالم جديد، حيث تكتسي التجارة والتسوق والتعاون والتضامن في القيم المشتركة أهمية بالغة، وحيث يحقق كل فرد في المجتمع الدولي أكبر قدر ممكن من الاستفادة.