سينما اللاجئين ودراما الأوطان

ينافس الفيلم التركي "آفاق بنفسجية" الذي يجسد معاناة اللاجئين السوريين الهاربين من الحرب في بلادهم، على أربعة فروع من جوائز مهرجان مدريد السينمائي. وقال منتج الفيلم عثمان سوباشي في مقابلة مع الأناضول، "أملي أن يساهم الفيلم في تحريك أوروبا فيما يتعلق بالأزمة الإنسانية التي يعاني منها اللاجئون السوريون". وينافس الفيلم في مهرجان مدريد الذي يقام في الفترة من 8 و15 يوليو/ تموز المقبل، على جائزة أفضل إخراج لمخرجه أولغون أوزدمير، وأفضل ممثلة لبطلته زينب سفي يلماز، وأفضل ممثلة م
الفيلم التركي "آفاق بنفسجية" الذي يجسد معاناة اللاجئين السوريين الهاربين من الحرب في بلادهم (وكالة الأناضول)

كان شكل الخيمة المنصوبة في حديقة ماكسمليان عجيبا للمارين بجوار المكان في وسط العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2015، تدخل وتخرج أشكال وألوان من البشر من مختلف الأعمار، وتنساب خيوط الضوء من بين ثنايا الخيمة كاشفة عن أمر غير مألوف يحدث في مكان عام على قارعة الطريق، أمر يصفه كثير من اللاجئين هناك بأنه الشعور الأول بالإحساس بالوطن في بلجيكا.

ولم يكن المكان أكثر من مجرد شاشة ومجموعة كراسٍ يجلس عليها عدد من اللاجئين والوافدين الجدد في بلجيكا في ما ستعرف بعدئذ بـ"سينما ماكسمليان"، وهي مبادرة للثنائي مخرجة الأفلام الوثائقية جويندولين لوتينز والمؤرخ السينمائي غوان فان غارد، والتي كُتب لها أن تغادر الخيمة وتستمر حتى الآن لأكثر من 7 سنوات وتتوسع وتنتشر في كافة أنحاء بلجيكا لتصل إلى دور السينما وبيوت الوافدين.

وتشمل المبادرة عروضا موسيقية وجلسات نقاش ومحاضرات وورش عمل، وهي أيضا تعبير عن ظاهرة الاهتمام بقضايا اللاجئين والنظر إليها سينمائيا والتي اجتاحت الإنتاج السينمائي والمهرجانات المحلية والدولية في السنوات الأخيرة.

هذه المبادرة وغيرها هي أحد تجليات علاقة اللاجئين بالسينما، والتي تجاوزت حدود تجسيد المعاناة على الشاشة الفضية لتقفز إلى الارتماء في أحضان الشاشة بحثا عن الوطن داخل قاعة سينما مهما بدت بسيطة الإمكانيات.

يستوي الأمر أن تكون لاجئا في عاصمة أوروبية مثل بروكسل أو أن تكون لاجئا في مخيم داداب بكينيا أحد أقدم وأكبر وأخطر مخيمات اللاجئين في العالم، ستحتاج كلاجئ في كل الأحوال إلى فضاء ثقافي فني جماعي تشترك فيه مع آخرين في مشاهدة شاشة كبيرة كما فعل المتطوعون أيضا في مخيم داداب حين أقاموا سينما خاصة بهم هناك يلوذون بها من عذابات الحرمان.

يحتاج اللاجئون للسينما لأهداف مختلفة، منها ما هو توعوي، ومنها ما هو نفسي، وآخر اجتماعي بعد أن تجاوز أهمية السينما للاجئ فكرة الترفيه إلى مرحلة الحاجة والضرورة.

وعلاقة اللاجئ بالشاشة الفضية تختلف عن علاقته بالتلفزيون، فالأخير ليس متاحا على الدوام، وإن أتيح فإنه يحصر المشاهدة وسط فضاء منزلي ضيق، أما الشاشة الكبيرة والمشاهدة الجماعية مع الآخرين فهما فعل ثقافي جماعي يختصر جوهر الفارق بين الشاشتين الصغيرة والكبيرة، خاصة إذا أضيف إلى هذه المشاهدة السينمائية الجماعية نقاش وحوار في أعقاب الفيلم.

ونحن هنا لا نتحدث عن مضامين الأفلام المعروضة بقدر ما نتحدث عن آلية المشاهدة كفعل ثقافي جماعي وأهميته بالنسبة للاجئ وحتى المغترب المفتقد لآلية التواصل الاجتماعي الفعال خارج الدوائر التقليدية من عمل ودراسة وأكل وشرب، وهي حاجة تلبيها معظم الأوطان ولا يدرك أهميتها الناس سوى بعد تجربة اللجوء أو الاغتراب.

زخم الإنتاج السينمائي عن اللاجئين -خاصة السوريين- في مجال الأفلام الروائية ليس بأقل من الأفلام الوثائقية، فقد حصد فيلم "ليمبو" جائزة بافتا في أسكتلندا لأفضل فيلم روائي طويل هذا العام، كما حصل بطل الفيلم الممثل البريطاني من أصول مصرية أمير المصري على جائزة أفضل ممثل

الإنتاج السينمائي عن اللاجئين

لا تنفصل أهمية السينما للاجئ كمشاهد عن أهميتها له كمخرج وعن أهمية هذه الوسيلة الفنية بالنسبة لقضيته ومعاناته، فالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مثلا رفعت شعار "سينما من أجل الإنسانية"، ومؤخرا قامت بالمشاركة في إنتاج سينمائي من أجل أن يرى الناس مآسي اللاجئين بطريقة جديدة، ومولت الفيلم الوثائقي "كباتن الزعتري" للمخرج المصري علي العربي الذي أمضى 8 سنوات في تصوير مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، وقد أنتج عام 2021 وتم عرضه في مهرجان "صندانس" السينمائي الدولي في الولايات المتحدة، واختير ليكون ثاني أفضل فيلم في المهرجان.

ويروي الفيلم قصة شابين هربا من جحيم الحرب في درعا بسوريا إلى مخيم الزعتري ويحلمان بأن يكونا أبطالا في كرة القدم.

"السادة الحاضرون، اخلقوا الفرص لجميع اللاجئين حول العالم، كل ما يحتاجه اللاجئ هو الفرصة وليس الشفقة"

من فيلم "كباتن الزعتري" 2021

 

ينتمي فيلم "كباتن الزعتري" إلى فئة الأفلام الوثائقية الجمالية، مثل فيلم "إلى سما" للمخرجة السورية وعد الخطيب، والذي وصل إلى ترشيحات جائزة الأوسكار العام الماضي 2020، ويتناول ملخصا لـ5 سنوات من التصوير لتوثيق أهوال الحصار والقصف لمدينة حلب السورية.

لكن الاختلاف بين الفيلمين هو أن الفيلم الأول مصنوع بأيادٍ خارجية لمخرج غير لاجئ، لذلك يبحر المشاهد فيه وسط لقطات شاعرية وجمالية تدخل إلى أعماق نفسيات الشباب وآمالهم وعيونهم التي ترنو إلى المستقبل، فيما يغوص فيلم "إلى سما" في أعماق الحاضر المؤلم بلقطات أكثر واقعية مأخوذة بكاميرا مهزوزة ترتعش مع الركض والقصف.

وهو أيضا تعبير عن ذاتية المخرجة المجروحة، بخلاف المسافة التي تفصل مخرج "كباتن الزعتري" عن أبطال فيلمه، فيراهم من زاوية أخرى خارجية.

وكلا الفيلمين يأخذك في رحلة زمنية طويلة نسبية على مدار سنوات الإعداد، فترى الشخصيات وقد تغيرت ملامحها وكيف طبعت السنون والأيام بصمتها على الأحداث الواقعية، لتكتشف دور التاريخ المنسي في زحمة التطورات المتعاقبة والمتسارعة في الحياة.

زخم الإنتاج السينمائي عن اللاجئين -خاصة السوريين- في مجال الأفلام الروائية ليس بأقل من الأفلام الوثائقية، فقد حصد فيلم "ليمبو" جائزة بافتا في أسكتلندا لأفضل فيلم روائي طويل هذا العام، كما حصل بطل الفيلم الممثل البريطاني من أصول مصرية أمير المصري على جائزة أفضل ممثل.

وتدور أحداث الفيلم حول الشاب عمر السوري الموسيقي الذي يحمل عود جده في رحلة اللجوء حتى وصوله إلى جزيرة في أسكتلندا، بانتظار البت في طلبه للجوء.

اللافت في الفيلم أن الإنتاج بريطاني، والأبطال العرب يتحدثون اللغة العربية مع وجود ترجمة مكتوبة، مما يضفي جوا من الواقعية على الأحداث، كما أن الحبكة القصصية لا تنحو نحو الإغراق في المأساة كما هو متوقع من فيلم يتناول قصة اللاجئين، ولكن الجانب الكوميدي مهم في الفيلم ويثبت أن القالب الكوميدي يمكن أن يتسع ليشمل قضية مأساوية مثل اللجوء.

وقد أضفى الجو الكوميدي طابعا إنسانيا على الفيلم زاد من جماله، إلى جانب اللقطات الشاعرية التي لجأ لها المخرج مستخدما الطبيعة الخلابة في أسكتلندا.