عندما هدد العقاد بكسر رأس الملك دفاعا عن الدستور

عباس محمود العقاد
عباس محمود العقاد (الجزيرة)

كان دستور 1923 أهم الإنجازات التي حققتها ثورة 1919، فقد نص هذا الدستور على أن الأمة هي مصدر السلطات، وكان يمكن لهذا النص أن يفتح الأبواب أمام شعب مصر لتقرير مصيره وبناء مستقبله.

وقد كافحت الحركة الوطنية المصرية قبل الحرب العالمية الأولى من أجل حصول مصر على دستور يضمن إرادة الشعب المصري في اختيار حكامه ونوّابه وانتخاب مجلس نيابي يحمي حق مصر في الاستقلال والحرية.

وكان ذلك يوضح وعي الحركة الوطنية المصرية بالارتباط بين الدستور والاستقلال والحريات العامة، فالمجلس النيابي الذي يعبّر عن إرادة الشعب لا بد أن يطالب بتحقيق الاستقلال الشامل، وجلاء الإنجليز عن مصر.

وقف عباس محمود العقاد قائلا "إن الأزمة ليست أزمة مجلس الوزراء، ولكنها أزمة مجلس النواب والدستور المصري .. وليعلم الجميع أننا مستعدون لسحق أكبر رأس في البلاد في سبيل صيانة الدستور وحمايته".

 

وكان من أهم النصوص التي تضمّنها دستور 1923 حماية حرية الصحافة، وكفالة حق المصريين في إصدار الصحف، وكان هذا النص يمكن أن يتيح لمصر زيادة قوتها الإعلامية والثقافية.

لكن الملك لم يحترم الدستور، ودفعه الإنجليز إلى حلّ مجالس النواب المنتخبة، وحاول إلغاء الدستور لكنه لم يتمكن من ذلك.

عندما شكل مصطفى النحاس وزارته عام 1930 تعهد في برنامجها بحماية الدستور، وإصدار قانون لمحاكمة أي وزير يعتدي على الدستور، أو يقبل المشاركة في وزارة غير دستورية لا تحصل على ثقة مجلس نواب منتخب انتخابا حرا.. وكان الهدف منع الشخصيات المصرية السياسية من المشاركة في وزارات تُشكّل خلافا للدستور.

أكبر رأس في الدولة!

حاولت وزارة مصطفى النحاس إصدار القانون، لكن الملك تنبّه لخطورته، وأنه يمكن أن يقيّد سلطته في حلّ المجالس النيابية المنتخبة وتشكيل الوزارات، فرفض إرسال القانون إلى المجلس، لذلك توجه مصطفى النحاس ووزارته إلى مجلس النواب، وأعلن استقالة الوزارة لأنها لا تستطيع تنفيذ برنامجها.

لكن عباس محمود العقاد وقف قائلا "إن الأزمة ليست أزمة مجلس الوزراء، ولكنها أزمة مجلس النواب والدستور المصري.. وليعلم الجميع أننا مستعدون لسحق أكبر رأس في البلاد في سبيل صيانة الدستور وحمايته".

وصفّق النواب للعقاد، وهذا يعني موافقتهم على ما قاله.. لكن رئيس المجلس اعترض على العبارة، وطلب حذفها من المضبطة.

وفي اليوم التالي نشرت الصحف عبارة العقاد، فانفجر الملك فؤاد غضبا، وأمر باعتقال العقاد وتقديمه للنيابة بتهمة "العيب في الذات الملكية".

في المحاكمة دافع عدد كبير من المحامين عن العقاد، وكان من أشهرهم مكرم عبيد الذي وصف المحاكمة بأنها معركة بين الرجعية والدستور، وبين التأخر والتقدم، لكن المحكمة حكمت على عباس محمود العقاد بالسجن 9 أشهر .

"في الجحيم"

كتب العقاد عن تجربته في السجن كتابا بعنوان "عالم السدود والقيود" وصف فيه السجن بالجحيم، فالإنسان عندما يدخله ينتقل من نعيم الحرية إلى جحيم الاعتقال.

يضيف العقاد أنه كان يحتاج إلى دليل مثل "فرجيل" الذي صاحب الشاعر الإيطالي دانتي في طبقات الجحيم، وهي إشارة تحمل كثيرا من المعاني عن العذاب الذي وصفه دانتي في روايته وأنه عذاب لا يستطيع الإنسان أن يتحمله.

وقد وجد عباس محمود العقاد "فرجيل" أو الدليل الذي يصاحبه في طبقات الجحيم في شخص صحفي مسجون اسمه علي أفندي شاهين الذي ابتكر وسيلة لإغلاق النافذة الوحيدة في زنزانة العقاد الانفرادية التي كان يدخل منها الهواء البارد، وأصوات السجانين التي تذكره بأنه يبيت في صحراء يسمع فيها صياح الذئاب.

يقول العقاد في كتابه "إن كل شيء في السجن ممنوع حتى يصدر الأمر بإباحته.. فالأصل في السجن المنع لغير سبب وبغير تفسير، فإذا أبيح عمل من الأعمال، وأجيز أمر من الأمور، فذاك الذي يحتاج إلى سبب، ويحتاج إلي ترخيص واستئذان".

في طابق الشرف

وعلى الرغم من أن زنزانة العقاد كانت في الطابق الخامس من سجن "قره ميدان" (يعني الميدان الأسود)، وهذا الطابق يعرف بأنه طابق الشرف والوجاهة المرموقة، فإن هذا الطابق كان مركزا لعمليات التهريب التي يصفها العقاد بأنها الدفاع الوحيد الذي ينتقم به المسجونون من الأسوار والقيود والحراس، وهو فسحة الحرية الباقية لمن فقدوا الحرية، وهذا العالم له تجارة واسعة النطاق تجري على معاملات خاصة ولغة خاصة ومواصلات خاصة، ومعظم السلع المهربة من التبغ والحلوى.

لكن المؤكد أن العقاد لم يشهد سوى عالم التهريب في طابق الشرف والوجاهة في سجن قره ميدان وهو أفضل سجون مصر في ذلك الوقت باعتراف العقاد رغم أنه يصفه بالجحيم. ففي سجون مصر الأخرى اتسع عالم التهريب، وأصبح يشكل ما يمكن أن يطلق عليه "بزنس السجون".

كل شيء ممنوع

يقول العقاد في كتابه "إن كل شيء في السجن ممنوع حتى يصدر الأمر بإباحته.. فالأصل في السجن المنع لغير سبب وبغير تفسير، فإذا أبيح عمل من الأعمال، وأجيز أمر من الأمور، فذاك الذي يحتاج إلى سبب، ويحتاج إلى ترخيص واستئذان".

يضيف العقاد أن هذه القاعدة وحدها كافية لأن تجعل السجن سجونا كثيرة بعضها أضيق وأثقل من بعض.

ويصف العقاد أحوال السجناء وأساليبهم، فكثيرا ما يقوم السجين بإيذاء نفسه لكي يتمكن من الذهاب إلى المستشفى ليستريح قليلا من عذاب السجن.

لكن إدارة السجن قررت أن لا يذهب العقاد إلى المستشفى، فكتبت على زنزانته "ملحق بالمستشفى"، تماما مثل التاجر الذي أراد أن يتخلص من النمل فكتب على وعاء السكر كلمة "ملح".

فرض الصمت

يقول العقاد "لو تمت تعليمات السجن بحرفها في معاملتنا نحن المحكوم علينا في قضايا النشر والصحافة، لكان معنى ذلك أنني قضيت 9 أشهر صامتا لا أنبس بكلمة واحدة، إلا أن تكون هذه الكلمة سؤالا أو جوابا لموظف من موظفي السجن".

"إن إدارة السجن أوصدت على كل مسجون في قضية صحفية، أو قضية من قضايا النشر باب حجرة منفردة، وأمرت أن ينفرد كل منا في أوقات الرياضة، فلا نتلاقى بمكان واحد، ولا يمر أحدنا على حجرة الآخر، بل أمرت أن يكون ذهاب كل منا إلى المستشفى لمقابلة الطبيب أو اللجنة الطبية في موعد غير زملائه".

ويتابع العقاد "وعلى هذا كنا في سجن انفرادي كالذي يعاقبون به السجناء الأشقياء، وكنا أسوأ حالا من شرّ المجرمين، وهذه نقيضة من نقائض السجن، فهو كمصر في رأي هيرودوت موطن النقائض والأعاجيب".

يضيف العقاد "ومهما يكن من زهادة الإنسان في اللغو والكلام، وفي إخلاده إلى العزلة والسكون، فليس السكوت 9 أشهر بالأمر المعقول، ولا بالأمر الهين، وهذا ليس أي سكوت".

"إنه السكوت لغير عبادة يتعزى العابد بسلامها وثوابها.. لكنه السكوت من الفراغ من العمل، ومن النظر إلى الدنيا، ومن السلوة جميعا إلا القراءة ومراقبة النمل على الجدران".

عذاب العزلة

يضيف العقاد جانبا مهما يكشف عن خطورة السجن الانفرادي وقسوته، وحرمان الإنسان من الاتصال بالآخرين، فيقول "لقد كنا نرى بعض المحبوسين من الموسرين القادرين على استئجار الحجرات المفروشة يهجرون تلك الحجرات لانفرادها وعزلتها، ليشتركوا مع غيرهم في غرفة واحدة ينامون فيها على الأرض بغير فراش، ويعملون بأيديهم في تنظيف الأرض وغسل الآنية كل صباح، ويؤثرون ذلك على السرير، وحشايا القطن، والراحة من الخدمة، وامتهان النفس في الغسل والتنظيف، لأنهم يستطيعون الكلام بغير عقوبة، ولكنهم يعاقبون إذا سمعهم الحارس يكلّمون جارا لهم من النافذة، أو فتحات الباب حين ينفردون في حجرة معزولة".

إلغاء الزيارات

يقول العقاد إن المسجون يتشوف للزيارة ويحسب دوره فيها باليوم والساعة، لأنه ينفذ بالرؤية إلى العالم الخارجي، ولو بعض النفاذ.

ويلاحظ أنه "على هذا الشوق من المسجونين إلي أيام الزيارات، لا تجد مصلحة السجون سريعة إلى شيء كسرعتها إلى انتحال الأعذار لإلغاء الزيارات عامة بحجة المرض تارة، وبحجة الوباء تارة أخرى، فما هو إلا أن يشاع أن مرضا معديا ظهر في ناحية من أنحاء القطر حتى ينتهي خبر هذه الإشاعة إلى كل مسجون في كل زاوية من زوايا السجون لأنها ستمنع عنهم الزيارة".

والوقت -كما يصفه العقاد- أعدى أعداء السجين، فلو اهتدى إلى طريقة يخلص بها من وقته لاهتدى إلى طريقة يخلص بها من سجنه.

يضيف العقاد أن الوقت في كل مكان من ذهب إلا في السجن "فإنه من رصاص إن أردت ثقله وبشاعة اسمه، ومن تراب إن أردت رخصه ومضايقته، والرغبة في كنسه".

ويتابع وصف الوقت في السجن "الوقت أثقل شيء على وجدان السجين، وأخف شيء على لسانه، كل دقيقة فيه محسوبة، وكل دقيقة فيه حسبة يراد إسقاطها من الحساب، وما هكذا يكون الوقت في غير السجون".

"لذلك يتوجه كل مسجون بالدعاء إلى الله أن يغزر تراب السجن، ويحلي طعامه، ويقصر أيامه"، وينسب العقاد هذا الدعاء لنبي الله يوسف عليه السلام!

وأنا أرى أن العقاد قد سبق علماء الاتصال في توضيح خطورة حرمان الإنسان من الاتصال بالآخرين، وأن هذا الحرمان يشكل ضررا نفسيا وتعذيبا يمكن أن يؤدي إلى أن يفقد الإنسان حياته.

يوم الحرية

مرّت الأشهر التسعة في حياة العقاد بكل ثقلها وقسوتها، وجاء يوم الإفراج الذي وصفه بأنه يوم البعث والنشور، أو يوم الحرية.. فهو اليوم الذي ينتظره كل مسجون، وهو يوم ينطبع في الذاكرة، وينطبع معه ما يلازمه من المناظر والمسامع والأحاسيس.

وخرج العقاد من سجنه إلى قبر سعد زغلول، ووقف عليه ينشد:

وكنت جنين السجن تسعة أشهر .. وها أنذا في ساحة الخلد أولد

ففي كل يوم يولد المرء ذو الحجى .. وفي كل يوم ذو الجهالة يلحد

وما أفقدتني ظلمة السجن عزمة .. فما كل ليل حين يغشاك مرقد

عداتي وصحبي لا اختلاف عليهم .. سيعهدني كل كما كان يعهد

خرج عباس محمود العقاد ليواصل كفاحه قائدا للمعرفة، وأنجز كثيرا من الأعمال الأدبية والفكرية، في حين توفي الملك فؤاد عام 1936.

وسيظل التاريخ يذكر عباس محمود العقاد الذي دافع عن دستور مصر وعن إرادة الشعب، وهدد بكسر رأس الملك فؤاد إذا اعتدى على الدستور، كدليل على أهمية شجاعة المفكر والمثقف الذي يدافع عن مبادئه، ويتحدى القوة الغاشمة.

ولقد أثبت العقاد أن السجن مع قسوته لا يمنع تدفق المعرفة والفكر إلى المجتمع، وأن الأفكار تشكل النهضة، وتضيء الطريق للشعوب في كفاحها لانتزاع حريتها وتحقيق استقلالها.