عن نخبة مصر والدرس السوداني

Sudanese general blames politicians for military coups in Sudan
جل النخب الإسلامية المصرية ممن يعيشون في الخارج قد حسموا موقفهم مما جرى في السودان من أول لحظة، حيث نعتوه بالانقلاب العسكري (الجزيرة)

كان ولا يزال الانقلاب العسكري الأخير بالسودان -في أكتوبر/تشرين الأول 2021- حاضرا بقوة في المشهد المصري من جوانب متعددة ومستويات مختلفة؛ فمع نخبة التغيير -تلك التي تنتمي إلى "ثورة يناير"- تم استحضار أجواء انقلاب 2013 في مصر وتداعياته على مسار الربيع العربي ككل وما يرتبط بذلك من حديث عن الثورة المضادة ودروس الفترات الانتقالية والتحول الديمقراطي، كما تم التطرق إلى حقيقة الدور المصري في دعم الانقلاب، بالإضافة إلى تداعياته الإستراتيجية على مجمل المنطقة ككل والموقف التفاوضي المصري في سد النهضة.

في هذا المقال نحاول أن نلتقط بعض قضايا الجدل العام في مصر، والتي أثارها الحدث السوداني الأخير الذي كان لحظة كاشفة تضاف إلى لحظات أخرى في المنطقة العربية؛ كان آخرها الانقلاب التونسي في يوليو/تموز 2021؛ لتظهر معها طبيعة التفكير السياسي المصري تجاه القضايا العربية وتطوره والمراجعات التي استخلصها والدروس التي تعلمها.

طارق الزمر -أحد القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية ورئيس حزبها- يعلق على أنباء الجزيرة عن اعتقال محمد الفكي سليمان عضو مجلس السيادة السوداني ووزير الإعلام ووزير الاتصالات بقوله "على ما يبدو فإن السودان في طريقه للانقلاب".

يلاحظ أن جل النخب الإسلامية المصرية ممن يعيشون في الخارج قد حسموا موقفهم مما جرى في السودان من أول لحظة، حيث نعتوه بالانقلاب العسكري، وبالرغم من انتقادهم لبعض ممارسات النخب السياسية السودانية المدنية أو المكون المدني الذي أقصى الإسلاميين من المشهد؛ فإن هذا لم يمنعهم من الوقوف ضد الانقلاب العسكري وتأييد التحركات الشعبية في مواجهته.

ففي 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي -يوم الانقلاب- يعلن الكاتب الصحفي قطب العربي المحسوب على الإخوان -على صفحته في فيسبوك- موقفه من قرارات الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي، فيقول "انفراد العسكر بالحكم في السودان هو انقلاب مهما كانت مقدماته، ومهما كانت رعونة قوى الحرية والتغيير والتي تتحمل جانبا من المسؤولية عما وصلت إليه الأوضاع في السودان برغبتها القاتلة في الاستئثار بالحكم دون انتخابات لأطول فترة ممكنة".

ويضيف في نفس التدوينة "هذا انقلاب مرفوض، ولو كانت نوايا البرهان ورفاقه مخلصة للشعب أو لثورته لدعا لانتخابات عاجلة لينقل الحكم إلى ممثلي الشعب الحقيقيين الذين تفرزهم الانتخابات".

ويسير أسامة رشدي -المحسوب على الجماعة الإسلامية- على نفس المنوال، فيقول في تويتر "في ⁧‫السودان⁩ صدر البيان الأول بحل مجلس السيادة والوزراء وإقالة حكام الولايات وإعلان حالة الطوارئ. ‏ووعد بتسليم السلطة لحكومة منتخبة، (إنه) انقلاب..".

أما طارق الزمر -أحد القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية ورئيس حزبها – فيعلق على أنباء الجزيرة عن اعتقال محمد الفكي سليمان عضو مجلس السيادة السوداني ووزير الإعلام ووزير الاتصالات بقوله "على ما يبدو فإن السودان في طريقه للانقلاب".

ولا يمنعه موقفه الواضح من توصيف ما جرى في السودان باعتباره انقلابا من أن ينتقد في اليوم التالي موقف النخب المدنية السودانية من جهة سلوكهم السياسي أو قراراتهم ضد ثقافة الشعب السوداني الإسلامية، ويقول "خطيئة المدنيين أكبر من خطيئة العسكريين حين يتصوروا أن المدنية صك غفران ويحاولوا من خلالها تقليد العسكريين فالعبرة بمدى تمكين الشعوب وتحكيم إرادتها وليس استغفالها والسطو على ثقافتها وثوابتها.. ورغم ذلك فلا يأس مع الحياة" ‏⁧‫#انقلاب_السودان⁩".

أما محمد محسوب -نائب رئيس حزب الوسط والوزير في حكومة الإخوان سابقا- فيعتبر ما يجري في السودان معركة بين الحرية والاستبداد، فيقول "قلوبنا وعقولنا مع كل الذين يدافعون عن الحرية والديمقراطية والمدنية في ⁧‫#السودان⁩ الغالي، ‏طريقها صعب لكن ثمارها مؤكدة، أما الاستبداد فطريقه مر وعاقبته أمر".

أما سيف الإسلام عيد -أحد القيادات الشابة الإخوانية- فبعد تذكيرنا بأحد شعارات الثورة المصرية "يسقط يسقط حكم العسكر" يعود ليبرز أوجه الشبه بين انقلابي مصر 2013 والسودان 2021، فيقول "أنا سمعت نفس المضامين الخطابية في يوليو (تموز) 2013 مفيش أي تجديد؟". إلا أن الجديد بالنسبة له والذي لم يأخذ حظه حتى الآن من الخطابات الإسلامية هو استخلاص الدروس مما جرى سابقا ويجري الآن، فقد قام عيد بمشاركة تدوينة على صفحته بعنوان "الوصايا العسكرية العشر لاحتواء الثورات الشعبية عربيا".

وتتوالى دروس الإسلاميين المستخلصة من الانقلاب السوداني فيرى الإعلامي الإخواني حمزة زوبع أن الشيوعيين واليساريين "قاموا بإقصاء الإسلاميين في السودان وقد يقول قائل إن ذلك ردا على إقصائهم زمن البشير وكلا الأمرين كارثي فالجنرالات لعبوا بعقول ومشاعر الجميع"، ولكنه في نفس الوقت لا يشير إلى ما جرى في مصر من تلاعب بالاثنين معا. ويضيف "والحكمة المستفادة "لا تثق بجنرال ولا تشتريه بدرهم أو دينار" ولكل قاعدة استثناء نادر. ‏⁧‫#انقلاب_البرهان⁩ ‏⁧‫#انقلاب_عسكري".

أما الكاتب الإسلامي المستقل جمال سلطان فيلفت النظر إلى أخطاء السياسيين من كل صنف في مصر والسودان على السواء، فيقول "كانت جبهة الإنقاذ بمصر من ليبراليين ويسار تعتقد أن الخطر عليها وعلى مصر هم الإخوان وليس العسكر، وكان الإخوان يعتقدون أن الخطر على مرسي ونظامه هم جبهة الإنقاذ وليس العسكر، اليسار في السودان ارتكب الحماقة نفسها، والإسلاميون هناك في طريقهم إلى الحماقة عينها، ويبدو أن الجميع لا يتعلم".

وبرغم وضوح خطابات الإسلاميين من رفض انقلاب السودان، فإن هذا لم يمنع البعض من اتخاذه ذريعة لتبرئة الإخوان من أنهم كانوا سببا رئيسيا لانقلاب 2013؛ حيث كتبت شيرين عرفة -أحد الأخوات- ترد على من يتهم الإخوان والإسلاميين بالسذاجة في الحكم حين لم يستطيعوا أن يمنعوا الانقلاب، فتقول "عزيزي المدني في بلادنا العربية المنكوبة.. كفاية هُراء وأكاذيب عن سذاجة الإخوان وأخطاء الإسلاميين، ‏فالحكم لدينا لا يأت عبر صناديق الانتخابات، بل الذخيرة ‏وحضرتك لو عملت عجين الفلاحة، أو لبست طاقية الاخفا، أيضا سينقلبوا عليك. ‏فالحل هو اتحاد الشعوب، لمواجهة وكيل الاحتلال، من العسكريين".

انقلاب السودان لم تتخذه هذه النخب فرصة لمراجعة موقفها من انقلاب 2013، حيث كانوا الغطاء المدني لانقلاب عسكري "كامل الدسم" بتعبير إخواننا السودانيين، ويُستثنى من ذلك "عز الدين شكري فشير" الروائي وأستاذ العلوم السياسية الذي قارن بين بحث عسكر السودان عن رئيس وزراء مدني بدلا من حمدوك المُقال وبين تعيين الببلاوي رئيسا لوزراء مصر بعد الثالث من يوليو/تموز 2013 لمدة 6 أشهر فقط، حيث كتب فشير "بس كده؟ سيادة الفريق عبد الفتاح البرهان يعملهم حكومة مدنية حتى د. حازم الببلاوي متاح!"

كما كانت فرصة عند البعض -وإن لم يكونوا التيار السائد- لتصفية الحسابات مع التيارات الأيديولوجية الأخرى، فأشرف دوابة -أحد رموز الإخوان- يكتب في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فيقول "السودان انقلاب في انقلاب.. عسكر لا عهد لهم .. وشيوعيون لا أخلاق لهم .. وهم معا يوم اتفقا أعلنوا الحرب على كل ما هو إسلامي وسعوا لرضا الصهاينة.. (وكذلكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰالِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)".

وخلافا لموقف النخب المدنية من انقلاب تونس الذي غلب عليه الصمت؛ (راجع مقال "حمدين صباحي.. الشوبكي وفشير.. عن النخبة السياسية المصرية والأزمة التونسية")، فإن النخب المدنية المصرية كان موقفها واضحا مما جرى في السودان، فقد اعتبرته من أول يوم انقلاب، ولعل ذلك يجد تفسيره فيما أطلق عليه أحد الباحثين "الهوس بالإسلامية" (راجع مقال "تونس وأفغانستان: ميداليات المحجبات وسياسة الكلمات").

والهوس بالإسلامية، معناه اختزال الظواهر المركبة وتبسيطها في البحث عن مدى حضور الإسلامية فيها، وعلاقتها بالإسلاميين أو علاقة الإسلاميين بها. ففي تونس كانت قرارات رئيسها -عند هذه النخب- ضد حركة النهضة التي تنعت بالإسلامية والتي تتحمل العبء الأكبر في إخفاقات الثورة، أما في السودان فقد كان انقلاب العسكر على نخب مدنية لا إسلامية؛ لذا ففي السودان كان انقلابا وبتونس لاذ أغلب النخب من المدنيين المصريين بالصمت.

ويلاحظ أيضا أن انقلاب السودان لم يتخذه هؤلاء النخب فرصة لمراجعة موقفهم من انقلاب 2013، حيث كانوا الغطاء المدني لانقلاب عسكري "كامل الدسم" بتعبير إخواننا السودانيين، ويُستثنى من ذلك "عز الدين شكري فشير" الروائي وأستاذ العلوم السياسية الذي قارن بين بحث عسكر السودان عن رئيس وزراء مدني بدلا من حمدوك المُقال وبين تعيين الببلاوي رئيسا لوزراء مصر بعد الثالث من يوليو/تموز 2013 لمدة 6 أشهر فقط، حيث كتب فشير "بس كده؟ سيادة الفريق عبد الفتاح البرهان يعملهم حكومة مدنية حتى د. حازم الببلاوي متاح!".

ويضع فشير الحدث في بعده الأعمق، فيقول "انقلاب السودان يلخص أبعاد تحلل النظم العربية ومؤسساتها، والدور الحقيقي لجيوشها وتحالفاتها الخارجية. كون الانقلاب متوقع الحدوث لا يخفف من وطأة معناه؛ مأساة متكررة ومعروفة فصولها مقدما، كسرد أحداث موت معلن".

أما الكاتب الصحفي خالد داود -رئيس حزب الدستور السابق والذي صمت إزاء انقلاب تونس فقد أعلن موقفه سريعا منذ ورود الأخبار عن قرارات البرهان، فقال "اعتقالات في السودان لوزراء في حكومة الحمدوك وشخصيات بارزة في قوى الحرية والتغيير. لم يتم إعلان الانقلاب العسكري رسميا بعد. الشارع السوداني حي وصاحي ولن يقبل عودة البشير".

وفي تدوينة أخرى، نرى قدرا من التناقض في الموقف بين ما جرى في مصر وما يجري في السودان؛ حيث لا يرى مبررا لانقلاب البرهان برغم أخطاء قوى الحرية والتغيير ولكن نفس هذه المقولة لا تنطبق بالضرورة على موقف إخوان مصر، إذ قال "مفهوم تماما ومفروض يكون متوقع كل الكلام اللي بيتقال عن أخطاء ارتكبتها قوى الحرية والتغيير في السودان بعد الإطاحة بالديكتاتور عمر البشير. ولكن لا شيء يبرر القرارات التي اتخذها الفريق أول البرهان اليوم والتي لا يمكن وصفها سوى بالانقلاب العسكري".

أما حمدين صباحي -المرشح الرئاسي السابق الذي أخذ موقفا رافضا لانقلاب سعيد في تونس- فيستمر في تأكيد موقفه مما جرى في السودان، فيقول "الانقلاب العسكري جريمة ضد السودان وإجهاض لثورته ومستقبله قلوبنا مع شعب السودان وقواه المدنية"، ويلاحظ أنه اكتفى بهذه التدوينة (في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي) ليعلن بها موقفه، ولم يتابع تطورات الحدث السوداني خاصة الحراك الشعبي في 30 أكتوبر/تشرين الأول، وربما يجد ذلك تفسيره في حساسية موقف بعض السياسيين الذين لا يزالون مقيمين في مصر؛ فأبو العلا ماضي -رئيس حزب الوسط- لم يعلن موقفه حتى الآن من انقلاب السودان برغم مرور أكثر من 10 أيام عليه.

وتنطبق هذه الملاحظة على كلا من عبد الله السناوي وعمرو الشوبكي اللذين يسعيان لاستخلاص الدروس من الحدث السوداني دون وصمه بالانقلاب العسكري مراعاة للموقف الرسمي المصري الذي لم يطلق عليه وصف انقلاب.

وأخيرا وليس آخرا، فإن القيادي اليساري الذي اعتبر قرارات سعيّد في تونس انقلابا، يلفت النظر إلى العلاقة بين انقلاب السودان والتطبيع مع إسرائيل "انقلاب عسكري بالسودان وإعلان حالة الطوارئ عقب زيارة وفد عسكري سوداني للكيان الصهيوني".

إذا كانت مصر قد حضرت بقوة في أزمة تونس السياسية أو بالأحرى "انقلابها اللادستوري"، فإنها حاضرة وبأشد في انقلاب السودان ليس بحكم القرب الجغرافي والترابط التاريخي والتداخل السكاني فحسب، ولكن أيضا بحكم التشابه والاختلاف بين الانقلابين. وأظن أن ما آلت إليه أوضاع مصر من استبداد وتسلطية كان أمام نظر ثوار السودان، كما كان إدراك نخب التغيير في مصر أن ما ستؤول إليه الأحداث في السودان له تأثير مباشر على الوضع السياسي في مصر، والأهم أنه كان فيه استعادة لحلم التغيير الذي لا يزال يداعب قلوبهم وأفئدتهم حتى الآن برغم صعوبة وضغوط الواقع واختلاف بين النموذجين. إن "أي فعل تغييري في المنطقة هو زلزال في بيوت حكم الدول العائلية. الانقلاب على الديمقراطية في مصر وتحويل الثورة إلى حرب أهلية في ليبيا وسوريا واليمن والاستثمار في الخراب كانت مشاريع حماية متقدمة من موجات تغيير التي ستصل لهم حتما في يوم ما". هكذا يرى إسلام لطفي أحد القيادات الشابة لـ"ثورة يناير 2011″.