كايل ريتنهاوس يغيّر وجه أميركا

كايل ريتنهاوس (رويترز)

داخل قاعة محكمة في مدينة كينوشا بولاية ويسكونسن، وقف الشاب البالغ من العمر 18 عاما يرتجف بشكل واضح عندما سمع قرار هيئة المحلفين بتبرئته من جميع التهم الخمس الموجهة إليه بما في ذلك تهمة القتل العمد.

كايل ريتنهاوس الشاب البالغ 17 عاما قتل رجلين وأصاب ثالثا في خضمّ اضطرابات عنصرية في ولاية ويسكونسن، اندلعت عقب مقتل جاكوب بليك، الرجل الأسود، إثر إطلاق النار عليه 7 مرات على يد ضابط شرطة أبيض في المدينة العام الماضي، وكان إطلاق النار هذا بمنزلة الشعلة التي أوقدت شرارة الاحتجاجات العنيفة في المقام الأول.

كانت القضية متشابكة بشدة، وأضاف الاستقطاب السياسي حولها بين الجمهوريين الداعمين لريتنهاوس والديمقراطيين المعادين له تعقيدًا كبيرا جدا، على الرغم من أن ريتنهاوس شاب أبيض وكذلك كل ضحاياه كانوا من الرجال البيض.

وبعد مداولات قام بها 12 شخصا يمثلون هيئة المحلفين، واستمرت 4 أيام، قبلت الهيئة تفسير ريتنهاوس ومحاميه أن القتل كان ببساطة دفاعا عن النفس وخشية على حياته.

قد تدفع نتيجة المحاكمة إلى إعادة النظر الجاد في قوانين الدفاع عن النفس في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وما إذا كانت تزن بما فيه الكفاية مجمل الظروف التي تنطوي على استخدام القوة المميتة، لا سيما في مجتمع مسموح فيه حيازة الأسلحة النارية.

عقب إصدار الحكم في بث حي يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي على كل شبكات الأخبار الرئيسة في الولايات المتحدة، عمّ الذهول كثيرا من الدوائر الأميركية، وكرر كثير من المعلقين القول "إنه لو كان السيد ريتنهاوس رجلا أسود اللون، وحمل السلاح بهذه الطريقة في شوارع المدنية لكان قتل رميا بالرصاص على الفور على يد رجال الشرطة الذين كانوا على بُعد أمتار قليلة منه في أغلب الأوقات".

اشتملت قضية ريتنهاوس على أبعاد عدة ومتداخلة سواء في ما يتعلق بمبدأ "الدفاع عن النفس"، أو الحق الدستوري "في حمل السلاح الناري"، أو ما تشهده الولايات المتحدة من "حوادث عنصرية لا تتوقف"، وبين كل ما سبق "حالة استثنائية من الاستقطاب السياسي والإعلامي الحاد".

اعتمدت تبرئة ريتنهاوس على مبدأ الحق في الدفاع عن النفس في ولاية ويسكونسن، مع الأخذ في الاعتبار الحالة الذهنية له لحظة إطلاق النار أول مرة، حدث ذلك عندما حاول جوزيف روزنباوم الاستيلاء على بندقية ريتنهاوس. وتم الاعتماد على المبدأ ذاته في تبرير إطلاقه النار مرة أخرى بعد دقائق حينما واجه ريتنهاوس رجلين حاولا الفتك به، أحدهما كان مسلحا بمسدس.

واقتنع فريق المحلّفين (مواطنون من الولاية يتم اختيارهم بصورة عشوائية للحكم على الحدث بمساعدة قانونية من القاضي ومساعديه) بأن ريتنهاوس اعتقد أنه في خطر وشيك على حياته، خاصة مع الأخذ في الاعتبار الفوضى وأعمال العنف التي شهدتها المدنية في الساعات والأيام السابقة.

وقد تدفع نتيجة المحاكمة إلى إعادة النظر الجاد في قوانين الدفاع عن النفس في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وما إذا كانت تزن بما فيه الكفاية مجمل الظروف التي تنطوي على استخدام القوة المميتة، لا سيما في مجتمع مسموح فيه حيازة الأسلحة النارية.

قبل هذه الحادثة، كان هناك توجه عام لتوسيع نطاق حق الدفاع عن النفس في العديد من الولايات من خلال قوانين تعطي الأفراد حق استخدام القوة المميتة لحماية منازلهم وأنفسهم وعائلاتهم، بدلا من التراجع عن المواجهة. ودفعت نتائج محاكمة ريتنهاوس إلى تأجيج النقاش بشأن ما إذا كانت تلك القوانين تذهب بعيدا جدا إلى حدّ التشجيع على القتل، أم إنها ليست بعيدة بما فيه الكفاية.

لم تتعامل قضية ريتنهاوس بصورة مباشرة مع مسألة العنصرية في الولايات المتحدة حيث الجاني والضحايا كلهم من الرجال البيض، ويقول المعلقون السود إن ريتنهاوس حصل على "امتياز الأبيض" الذي سمح له بالحرية أثناء المحاكمة وعدم حجزه في الأشهر الأخيرة. وأشار مارك ريتشاردز، محامي ريتنهاوس، إلى إطلاق النار على بليك (الرجل الأسود) بالقول "أطلق أشخاص آخرون في هذا المجتمع النار على بليك 7 مرات وتبيّن أن الأمر على ما يرام، وموكلي فعل ذلك 4 مرات في 3 أرباع الثانية لحماية حياته".

من جانب آخر، جدّدت المحاكمة تسليط الضوء مرة أخرى على القوانين التي تنظم حيازة الأسلحة واستخدامها في الولايات المتحدة، وتشهد تباينا كبيرا في قوانين الولايات الـ50 من حيث تسهيلات شراء أنواع الأسلحة النارية المختلفة، والظروف التي تنطبق عليها القوانين.

واتهم بعض المعلقين القاضي بروس شرودر بالتعاطف مع ريتنهاوس بسبب إقدامه على إسقاط إحدى التهم، وهي أن ريتنهاوس انتهك قانون الولاية الذي يحظر على شخص دون سن 18 عاما حيازة سلاح خطر، وذلك لأن طول البندقية النصف الآلية التي استخدمها كان أقل بسنتيمتر من البنادق المحظورة على القُصّر.

وقد استشهد ناشطو مراقبة الأسلحة النارية بهذه الحالة كمثال آخر على هذا النوع من الثغرات التي يمكن علاجها من خلال قوانين وطنية أكثر اتّساقا بشأن الأسلحة النارية. وفي حين أن قانون ولاية ويسكونسن الذي يعود إلى 30 عاما يحتوي على حكم يسمح لمن تراوح أعمارهم بين 16 و17 عاما بالذهاب إلى الصيد، إلا أنهم يرون أن السلاح الذي كان يحمله ريتنهاوس "خطِر" بشكل واضح في الظروف التي استخدمها.

ومن ناحية أخرى، احتفل ناشطو حقوق السلاح بحق ريتنهاوس في امتلاك هذه الأسلحة واستخدامها للدفاع عن نفسه.

وكتب المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو جوش ماندل في تغريدة على تويتر "لولا الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 17 عاما الذين يحملون أسلحة لكنا لا نزال رعايا بريطانيين".

لم يجادل أحد في جلسات المحكمة في حقيقة أن ريتنهاوس قتل رجلين وجرح ثالثا، وبدلا من ذلك كان على هيئة المحلفين أن تبحث في دوافعه للقتل، هل كان يتصرف دفاعا عن النفس؟ أم إنه كان متهورا خطيرا بالحضور مسلّحا في مدينة لا ينتمي إليها بالأساس؟

مجّد كثير من الأميركيين ريتنهاوس، وعدّه بعضهم بطلا سيئ الحظ اضطر إلى القتل دفاعا عن النفس، في حين رآه آخرون شابًّا متهورًا يعشق العنف سلّح نفسه ببندقية نصف آلية ما كان ينبغي أن تكون بحوزته، وانتهى به الأمر بإحداث ضرر جسيم لا يمكن إصلاحه.

ولفتت المحاكمة إلى قضايا مجتمعية أميركية عميقة، من الظلم العنصري إلى حق امتلاك الأسلحة. وأثار ريتنهاوس بشكله الصبياني وهو يبكي تعاطف كثيرين، وفي الوقت ذاته هناك حزن وغضب واسع من نتيجة هذه المحاكمة التي يتوقع البعض أن تصل بعض موادها إلى المحكمة الدستورية العليا.

في النهاية، عُدّ ريتنهاوس بريئا في نظر القانون، لكن الحقيقة تظل قائمة وهي أنه لو لم يذهب إلى مدينة كينوشا لكان الشخصان اللذان قتلهما على قيد الحياة اليوم.