"العالم الإسلامي".. التضخم السياسي والقطيعة مع الخبرة التاريخية

التاريخ الإسلامي - تراث - التجارة في الحضارة الإسلامية - Stanisław_Chlebowski_-_Turecki_strażnik.jpg (608x899) - commons.wikimedia.org

نواصل تناول كتاب دكتور جميل أيدن "فكرة العالم الإسلامي: تاريخ فكري عالمي"، والذي يطرح فيه أن العالم الإسلامي مفهوم كولونيالي علماني، لم يستمد مفاهيميا وتاريخيا من مفهوم الأمة القرآني، وهو قائم على فكرة الإسلام المجرد الجامد المنزوع من سياقاته التاريخية والاجتماعية والثقافية.

وقد استند أيدن في الحجج الرئيسية والمحطات التاريخية التي توقف عندها، إلى أن مفهوم الوحدة الإسلامية كان مبتورا وجاء في سياق التوازن الإمبراطوري ولم تدفعه نظرية عالمية حول الخلافة، ولم يكن التاريخ المشترك ولا التقاليد الثابتة للمسلمين هي من أسس لفكرة العالم الإسلامي، كما تحدث عن الانقطاع مع خبرة المسلمين السياسية.

التضخم السياسي.. القطيعة مع خبرة المسلمين

إن الرؤى السياسية الإسلامية منذ منتصف القرن الـ19 فصاعدا، بما فيها الحراك الأممي الإٍسلامي، لا تعكس تقليدا مستقرا ومستمرا بل تعكس بالأحرى التشابك الخاص بالتاريخ الفكري الإسلامي وتحول النظام الدولي من عهد الإمبراطوريات إلى عهد الدول القومية المعاصر، ومن ثم، فإن الرؤى السياسية الإسلامية الحديثة مُنبتّة عما شهده المسلمون خلال تاريخهم.

إن خبرة المسلمين فيما قبل القرن الـ19 توضح أن الأسر الحاكمة المسلمة القوية يمكن أن تتحداها وتضعفها أسر حاكمة مسلمة أخرى. وبينما كانت تقنيات النقل والاتصال قد أتاحت الكثير من الترابط بين العلماء والنخب الإسلامية، فلم يكن هناك بعد حس بوجود رأي عام إسلامي عالمي، ناهيك عن وجود أية سردية مشتركة عن التاريخ والخبرة السياسية الإسلامية.

لم تسعَ الإمبراطورية العثمانية لتمثيل المسلمين في العالم لأنها يمكن أن تقوم بذلك على نحو لائق، ولكن لأن ذلك كان حكيما من الناحية الإستراتيجية. ولذلك فإن نفس الجهاز العصبي للحراك الأممي الإسلامي استمر في العمل بعد الخلافة

وفيما بين الحروب النابليونية وسبعينيات القرن الـ19، كانت طاقة المجتمعات الإسلامية السياسية موجهة أساسا لتقوية الأسر الحاكمة المسلمة وتمكين الرعايا المسلمين المحكومين بملوك غير مسلمين. وبينما كانت القوى الأوروبية تتوسع في آسيا وأفريقيا في النصف الأول من القرن الـ19، كان لا يزال أمام فكرة العالم الإسلامي طريق طويل. ولم يكن الحراك الأممي الإسلامي نابعا من تقليد عالمي مستمر، كما أن هذا الحراك لم يكن الرد الأول أو حتى الرد الطبيعي على الإمبريالية الجديدة.

لم تسعَ الإمبراطورية العثمانية لتمثيل المسلمين في العالم لأنها يمكن أن تقوم بذلك على نحو لائق، ولكن لأن ذلك كان حكيما من الناحية الإستراتيجية. ولذلك فإن نفس الجهاز العصبي للحراك الأممي الإسلامي استمر في العمل بعد الخلافة، خاصة لأنه كان يواجه مشاكل ما زالت مستمرة، فقد كان الخليفة هو مجرد رسول ورمز للوحدة المتخيلة، ولكن المسلمين الخاضعين للإمبراطوريات الغربية الذين يعانون من التمييز العنصري ظل القلب النابض والقوة الدافعة للحراك الأممي الإسلامي.

أزالت الظروف السياسية الجديدة السياق الإمبراطوري الأسبق من الذاكرة. واتخذ الحراك الأممي الإسلامي مسارات عدة مختلفة في فترة ما بين الحربين. ووجد المفكرون المسلمون في فترة ما بين الحربين أنفسهم مشتركين في نقاش عالمي حول فكرة العالم الإسلامي الذي كانت معانيه وأغراضه تتغير باستمرار بفعل الجغرافيا السياسية، والسياسة، والتاريخ المحلي، والضرورة الإستراتيجية.

كانت الجمهورية التركية منشغلة ببرامج التحديث والعلمنة، وظهرت في تلك الفترة شخصيات مثل شكيب أرسلان وأمين الحسيني، وبدأت المجتمعات المسلمة في استكشاف خيارات سياسية عديدة لم يحكمها نمط محدد. وكان يمكن لفكرة العالم الإسلامي أن تختفي إذ اتجهت المجتمعات المسلمة المختلفة نحو غايات متنوعة، ولكن هذا لم يحدث.

ألهم أتاتورك مشاريع تحديث إسلامية على المنوال الغربي، كما في إيران وألبانيا وأفغانستان. وكانت النزعة المضادة للتقاليد الدينية أحد أبرز الردود على الخطابات الاستشراقية والداروينية عن الدونية والتخلف الإسلامي. وبمنطق معكوس، فإن تركيا توضح بجلاء حقيقة أن فكرة العالم الإسلامي لم تختفِ بالضرورة وسط التغريب والقومية.

كان أحد الردود الأخرى على الاستشراق خطاب المظلومية، والتمييز العرقي، والخيانة من جانب الإمبراطوريات الأوروبية. وأصبح خطاب المظلومية سائدا بقوة.

وبعد إلغاء الخلافة، كان ثمة خلاف شديد حول تنصيب خليفة جديد، فمن ناحية كان هناك الشريف حسين الذي قضت الدولة السعودية على آماله، ولم يكن هناك من يمتلك المقومات اللازمة، ثم ظهر علي عبد الرازق محاولا نقض فكرة الخلافة كفريضة دينية، ولكن العائق الأهم كان غياب الضرورة السياسية…



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة