الحرية الدينية بين المعتقد والسياسة.. مقاربات الرعيل الأول للنهضة العربية (2/3)

midan - الإمام محمد عبده
الإمام محمد عبده (الجزيرة)

عرفت المجتمعات العربية والإسلامية طوال مسيرة الحضارة الإسلامية -في السياقات التي كانت متسيدة فيها- غنى وثراء في نسيجها الاجتماعي، ولم يشكل ذلك حالات اضطراب واحتراب، ليس لأن وضعيتها الحضارية أبدعت في نظم تستوعب التنوع والاختلاف وحسب، من قبيل الآليات التي أُفرزت مع الدولة الأمة، أو تطور الرابطة من الهوية والمعتقد إلى المواطنة التي لا تقوم على تحيزات عقدية أو طائفية أو إثنية.

فساد السياسة ومرض السلطة، التي كانت تتحصل بالقوة والقهر، كانا ولا يزالا إلى اللحظة الراهنة عنصرين مغذيين للنزاع، وهو ما دفع أعلام النهضة في مجملهم -وهم يقاربون الردود بشأن التعددية والحرية الدينية- إلى الدوافع السياسية، وكذلك إلى محورية الإصلاح السياسي، إلى جانب باقي المجالات، لتحقيق التقدم وتجاوز واقع التخلف المنتج للتعصب.

وهذا مهم ومدخل ملح في السياقات المعاصرة لتجاوز الأزمات التي تفجرت مع توطين الأنساق السياسية الحديثة وما خلفته من تناقضات حادة في المجتمعات ذات الصبغة التقليدية التي لم تعرف المناخ الديني والفلسفي والسياسي العام الذي أفرز منظومة الحداثة، وكذلك لتجاوز أتون الانتماءات الهوياتية الضيقة، التي تعرف الذات في نفي الآخر وإلغائه، حينما يتضخم خطاب التعصب والتطييف تحت تأثير التسييس والتوظيف الداخلي والخارجي للهويات الفرعية. نقول إنه لم يكن هناك احتراب، لأن بواعث القبول بالتعددية مسألة مجتمعية ناشئة عن الوعي بالاختلاف، وهو وعي أسهمت فيه -بالإضافة إلى الوضعية الحضارية- الأصول التي تشكل منها ذلك الوعي، وانعكس في المعرفة والمجتمع على السواء؛ لذلك شكل الابتعاد عن تلك الأصول النظرية -تحت وقع سيادة مرض التعصب والجهل الذي يتغذى من التخلف- دافعا للنزاع، كما أن فساد السياسة ومرض السلطة، التي كانت تتحصل بالقوة والقهر، كانا ولا يزالا إلى اللحظة الراهنة عنصرين مغذيين للنزاع، وهو ما دفع أعلام النهضة في مجملهم -وهم يقاربون الردود بشأن التعددية والحرية الدينية- إلى الدوافع السياسية، وكذلك إلى محورية الإصلاح السياسي، إلى جانب باقي المجالات، لتحقيق التقدم وتجاوز واقع التخلف المنتج للتعصب.

  1. الإكراه سمة ملازمة للدين.. منظور فرح أنطون

على خلاف ما خلصنا بشأنه في المقالة السابقة، باعتبار أن "مسألة الاختلاف تتسع في دائرة الدين بالنظر إلى استناده إلى الحرية وعدم الإكراه، وتضيق في دائرة السياسة التي يتلبس فيها السلطان منطق القوة والقهر"، نجد فرح أنطون -عبر دواعي الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية- ينزع إلى القول بصبغة الإكراه الملازمة للدين، والاضطهاد للذكاء والتفكير الحر، ذلك أن الأديان في نظره تميل إلى إقرار الوحدة الدينية، التي سببت حروبا فتكت بمعظم أوربا في ما سمي بالحروب الدينية، ذلك المنظور -بحسبه- قائم على الحقيقة ذات السمة الدوغمائية المغلقة التي تلغي حق الآخر في التعبير والتفكير ومن ثم في الوجود أساسا.

فالحقيقة بطبعها في الأديان "مطلقة ولا حقيقة بعد حقيقتها"، هكذا يقول أنطون، وهو ما أنتج عبر التاريخ عدة اضطرابات، وإذا حدث وتولت "الأديان زمام الحكومات اضطرت بحكم طبيعتها إلى الضغط على الفكر الإنساني كما كان يحدث في أوربا وقاومت كل فكر جديد. ولذلك حدث في الإسلام والنصرانية ما حدث من اضطهاد العلماء والفلاسفة" (فرح أنطون، ابن رشد وفلسفته، ص: 151)، ذلك أن الأديان تنازع العقل استقلاله الذاتي، حيث إن الدين "يقوّم الذكاء في الأمة متى مال الذكاء إلى الاستقلال بنفسه ولو قليلا" هذا الاستقلال في النظر الذي كان عامل تحول كبير مع فجر الحداثة، سواء في أنماط التفكير أو على المستوى السياسي والاجتماعي، بحيث تم استيعاب سوسة الشقاق الديني الذي أكل أحشاء الأمة "فقضى عليها بالضعف والانحطاط" (فرح أنطون، ابن رشد وفلسفته).

نجد هنا مع أنطون نزوعا نقديا مهمًا أسس له المناخ العام الذي طبع الفترة التي جايلها رفقة عبده والأفغاني والبستاني والكواكبي وغيرهم، هذا النزوع النقدي قد يختلف بحسب المنطلقات المتنوعة التي تشربها الرعيل الأول للنهضة، وبالرغم من الاختلاف في الرؤي فإن آراءهم التي عبروا عنها تعكس مدى الوعي بالإشكالات التي كانت مطروحة وتحتاج إلى منفذ ضوء تمر منه رياح التحديث والنهضة، لكن ميل أنطون النقدي سيكون متلبسا بلبوس التبني للأطروحات النقدية الرائجة حينها في العلاقة بطبيعة السلطة بين الديني والسياسي، إذ يجسد الضعف الملازم للحكومة الدينية (المفهوم من صياغته) دافعا لها إلى استمالة عواطف العامة، "في سبيل بناء شرعيتها، إذ إن غرضها حفظ كيانها لا تقدم الشعب مما يدفعها إلى التوسل بمختلف السبل، ومنها إثارة التعصب الديني لتبقى مسنودة بالشعب" (أنطون، ابن رشد وفلسفته).

 2. اختلاف المرجعيات تعني اختلاف القراءات.. أو قراءة فرح أنطون في مرآة محمد عبده

تبقى تلك القراءة التي يقدمها أنطون لمشكلة الأقليات -التي برزت إلى السطح منتصف القرن التاسع عشر وحدثت بشأنها نزاعات ذات طابع ديني، وبينها وبين الباب العالي، أي السلطنة العثمانية- مهمة في سياقها، لكن التركيز على الجانب العقائدي وإغفال العوامل الأخرى المؤدية للاضطرابات في سياق صراع دولي استعماري يسعى إلى تفكيك أوصال الدولة العثمانية والإضرار بنسيجها الاجتماعي من خلال إقامة صراع على أرضية الهويات الفرعية، يجعل قراءته قاصرة -في نظرنا- عن الإحاطة بأصل المشكلة ومن ثم إيجاد مخرج لها.

كل من عبده وأنطون يرى أن الصراع على السلطة كان مؤداه إثارة القلاقل الاجتماعية والدينية، لكنهما يختلفان في البواعث والمنطلقات التي يركن إليها كل واحد منهم للدين والسياسة معا

يلاحظ أن مشكلة الأقليات والهويات الفرعية في المجتمعات ذات الصبغة التعددية، ما زالت مستمرة إلى الآن في لبنان وسوريا ومصر والعراق بفعل التدخل الخارجي الذي يسعى إلى الهيمنة وصياغة ولاءات تتجاوز الحدود الوطنية، بل إن الدولة الوطنية في نزوعها القومي في سياق النشأة والتأسيس وما بعد الاستقلال الوطني في ربوع الإقليم، قد كانت أكثر إضرارا بالتعددية في المجتمعات الشرقية من ذي قبل، وتلك إحدى إخفاقاتها.

نشير إلى ذلك بصيغة نقدية من خلال قراءتنا لماجريات الفكر النهضوي وإشكالاته النظرية والاجتماعية والسياقات التي أفرزت مقولاته بحكم المسافة الزمنية التي تفصلنا عن ذلك الواقع وما أضحت عليه تلك الإشكاليات على ضوء المقاربات المتنوعة حينها وفي اللحظة الراهنة، من دون إغفال التأكيد على أهمية إشارة أنطون لعامل السلطة وتوظيفه للتعصب الديني وغيره من أشكال الطائفية، الذي لا يزال حاضرا إلى الآن، ونضيف له عامل التدخل الخارجي وإثارة التناقضات بين مختلف المكونات. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما طبيعة التقاطعات أو الاختلاف الذي نجده بين فرح أنطون ومحمد عبده من خلال ما سبق؟

في الواقع نجد تقاطعا ضمنيا في بعض التفسيرات للنزاع الذي تعمل السلطة السياسية على إثارته، لكن الإطار العام الذي يكتنفه يبقى مختلفا فيه بين مقاربة أنطون ومقاربة عبده، مما يؤشر على بروز الاختلاف بين مرجعيتين فكريتين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين سيمتد إلى اللحظة الراهنة، وهو الاختلاف الذي عبر عنه منير شفيق بعبارة توصيفية دقيقة للانقسام الذي حصل على مستوى الوعي وانتقل إلى المجتمع "مجتمعان تحت سقف واحد" (منير شفيق، قضايا التنمية والاستقلال في الصراع الحضاري).

كل من عبده وأنطون يرى أن الصراع على السلطة كان مؤداه إثارة القلاقل الاجتماعية والدينية، لكنهما يختلفان في البواعث والمنطلقات التي يركن إليها كل واحد منهم للدين والسياسة معا؛ ذلك أن محمد عبده يعمل على التمييز بين الجانب المعياري للدين والجانب التاريخي، ويحدد دوائر التداخل والتمايز بينهما، بل إن الجانب التاريخي نفسه ظل فيه الاعتقاد والمعرفة والتعددية في المجتمع مصونة بسياج الحرية الذي يتأسس على أصول في الوعي والمعرفة المتداولة، التي تحولت إلى نظم وقوانين تمنع السلطة من ممارسة الإكراه في العقائد، إذ إن السلطة في نظره هي سلطة سياسية تأخذ شرعيتها من الأمة التي لها حق الرقابة على الحاكم، وليست سلطة دينية تنزع إلى أن الحاكم ظل الله في الأرض، مما تم توارثه في الأدبيات السلطانية أو في الصراع الديني والسياسي في السياق التاريخي الأوربي.

هذا التمييز بين المعياري والتاريخي يغيب عند فرح أنطون بشكل ما؛ إذ ينظر للمجسد تاريخيا في العلاقة بالتعددية والحريات الدينية، كونه من خلال الممارسات التي اتصلت به، تعبر عن نزعة تجد جذورها في جوهر الدين، وليس في التاريخ والمصالح والأهواء، بالإضافة إلى المطابقة بين التجربتين العربية الإسلامية والأوربية في ما تبدى من أشكال الإكراه الذي ينزل من أعلى، وعنده -على خلاف ما ذكرنا- أن العنصر الديني يستبطن نزوعا إقصائيا من خلال الإكراه، بينما تستبطن السياسة فضاء رحبا لأشكال التعددية المختلفة.

ختاما، إن صوغ الآراء النظرية بشأن القضايا التي كانت مطروحة للجدل الفكري لدى أعلام الفكر النهضوي العربي لم يكن مفصولا عن المناخ الفكري العام لما خلفته النقلة النوعية للحداثة الأوربية، ومن ثم فقد ألقت بظلالها على الوعي النهضوي العربي والإسلامي، وقد ظهر ذلك جليا في مقاربة فرح أنطون، الذي سلك مسلكا مخالفا لمحمد عبده وقبله الطهطاوي وخير الدين التونسي والأفغاني، بحيث ظل ينظرون للتحديث بمنظار التوفيق بين مقومات المدنية الحديثة وما يكتنزه التراث من جوانب مضيئة.

بل إن أنطون في رؤيته لإشكالية التعددية والحريات الدينية داخل المجال الحضاري العربي والإسلامي، لم يكن محيطا بمختلف الجوانب المنتجة للإكراه الديني وإحداث النزاع بين المكونات المختلفة للنسيج المجتمعي الشرقي، وذلك يعود إلى نوع من التعميم للحالة الأوربية التي مارست مختلف أشكال الإكراه والاضطهاد على الأفكار المخالفة للطابع الشمولي الذي نزعت إليه الكنيسة تاريخيا من خلال احتكار قراءة وتفسير النص الديني، ومصادرة الآراء المخالفة الفلسفية والعلمية والسياسية واتهامها بالهرطقة، وهو النمط الذي لم تشهده الحضارة العربية والإسلامي، أو لنقل إن الاعتقاد لم يؤسس على الإكراه، سواء الديني أو السياسي من طرف صاحب سلطة رمزية أو مادية، كما أن التعددية والاختلاف، أو الآخر بصيغة أخرى، يعد من صميم الذات ومعبرا عن كينونتها، فالمسيحيون أو غيرهم من أصحاب الملل والنحل، هم مسيحيون -أو بما يدينون- ثقافةً، مسلمون حضارةً.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة