لماذا قد يؤيد لاجئ ترحيل لاجئ آخر؟

اللاجئون السوريون على الحدود التركية السورية يعيشون ظروفا صعبة وقاسية
اللاجئون السوريون على الحدود التركية السورية يعيشون ظروفا قاسية (الجزيرة)

في آب/أغسطس الماضي وإثر مشاجرات بين سوريين وأتراك في العاصمة أنقرة تخللتها اعتداءات على بيوت بعض السوريين وممتلكاتهم زار نائب برلماني تركي إحدى هذه العائلات ونشر صورته مع أحد أطفالها على تويتر، ليُواجه بحملة شعواء من بعض الشعبويين والعنصريين.

على الطرف الآخر تماما، أيد كثير من السوريين وغيرهم من العرب قرارات ترحيل 7 من الشباب السوريين إلى شمال سوريا إثر فيديوهات وصور نشروها على مواقع التواصل الاجتماعي إثر ما سميت "فتنة الموز".

قررت السلطات التركية ترحيل 7 سوريين من تركيا نحو الشمال السوري بسبب ما سمته "التسبب بفتنة" والعمل على إذكاء الشقاق بين السوريين والأتراك، ولاحقا قررت السلطات ترحيل صحفي سوري بسبب تقرير صوّره تضمّن سخرية من الحدث "الموز".

فتنة الموز

مؤخرا، وخلال لقاء مع أحد ناشطي يوتيوب حصل نقاش بين شابة سورية ومجموعة من المواطنين الأتراك شهد حدة ملموسة منهم تجاهها، وختمها أحد المسنين قائلا إنه لا يستطيع شراء الموز في حين أن السوريين يشترونه "بالكيلو".

تسببت الجملة بموجة سخرية من الشباب والنشطاء السوريين بلسان حال من ضاق ذرعا بالمعلومات الخاطئة والإشاعات المنتشرة بخصوصهم، لكن البعض فسر أو صوّر هذه السخرية على أنها موجهة للمسن التركي.

من جهة أخرى، فقد تجاوز بعض الشباب السوريين حدود اللباقة والتعبير عن الرأي وصولا للاستهزاء ببعض الرموز التركية، وفي مقدمتها العلم، مما تسبب بردة فعل حادة لدى بعض وسائل الإعلام التركية ونفخ في الموضوع من بعضها الآخر.

إثر هذه التطورات قررت السلطات التركية ترحيل 7 سوريين من تركيا نحو الشمال السوري بسبب ما سمته "التسبب بفتنة" والعمل على إذكاء الشقاق بين السوريين والأتراك، ولاحقا قررت السلطات ترحيل صحفي سوري بسبب تقرير صوّره تضمّن سخرية من الحدث "الموز".

لا يحمل السوريون في تركيا صفة "لاجئ" بشكل قانوني، وإنما يوجدون تحت بند "الحماية المؤقتة" بسبب التحديد الجغرافي في توقيع أنقرة على اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، لكنه في النهاية تفريق قانوني لا يفترض أن يمس الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها عدم ترحيلهم إلى مناطق ما زالت رحى الحرب تدور فيها، فكامل الشمال السوري ما زال يشهد قصفا، وعمليات تفجير، واشتباكات وأعمالا إرهابية، مما يعني أنهم سيرحّلون إلى مكان قد يشكل خطرا على حياتهم.

ومن جهة ثانية، فالترحيل لم يأت بقرار قضائي، ولا يبدو أنه يتناسب مع حجم الخطأ "الجرم" الذي اقترفوه، ومن جهة ثالثة فالأمر -وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون- لن يمنع تصاعد الشعبوية والعنصرية لدى البعض ولن يمنع أحداثا مماثلة في المستقبل، بل لعله سيذكي بعضها.

في العادة، تتصرف الكتل البشرية -خصوصا الأقليات أو اللاجئين وأمثالهم- بشكل تضامني تلقائي دفاعي، متمثلين التفسير الظاهري الخاطئ لـ"انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، لكن في هذه الحالة كان هناك الكثير من السوريين وغيرهم من العرب الذي أيدوا قرارات الترحيل، بل إن بعضهم دعا إليها ووصل لحدود التحريض، وهي ظاهرة تستحق البحث في أسبابها.

لماذا؟

أول الأطر التفسيرية المحتملة لهذه الظاهرة هو تجربة "ملغرام" الشهيرة في ستينيات القرن الماضي، والتي أظهر فيها ستانلي ملغرام إلى أي مدى يمكن للفرد أن يذهب في إيذاء شخص آخر انصياعا لسلطة ما حتى لو تناقضت تعليماتها وتوجيهاتها مع ما يمليه عليه ضميره، من باب أنه يطيع الأوامر أو أن السلطة لا تخطئ وبالتأكيد لديها مبررات وجيهة لما تقوم أو تأمر به.

ونحن نطالع في هذه الحادثة وفي أخريات في عدد من الدول تأييد الكثيرين أي قرار وكل قرار تصدره سلطات ذلك البلد، وثقة عمياء يظهرونها بصوابية تلك القرارات، وأنها تصدر عن معلومات دقيقة وحقائق دامغة ومسوغات منطقية بطريقة لا تقبل الخطأ غير المقصود.

الإطار الثاني الممكن في فهم الظاهرة المذكورة هو اعتبار الأمر "قرارا سياديا" لتركيا رغم أنه لا يصنف ضمن القرارات السيادية، بل ولم يكن قرارا قضائيا كما يبدو وإنما هو تنفيذي إداري، وهنا من اللافت تطبُّع الكثيرين مع فكرة أن "المخطئ يستحق الترحيل" بغض النظر عن طبيعة خطئه وحدوده وخلفيته والموضوع المرتبط به وتبعاته وغيرها من التفاصيل، فضلا عن ظروف المرحَّل في تركيا وظروف المنطقة المرحل إليها، وكذلك بغض عن النظر عن مدى قانونية خطوة كهذه.

ولعل الإطار الثالث المهم في الفهم هو ما أعلنه الكثيرون تصريحا وتلميحا، وهو أن ترحيل هؤلاء -وغيرهم في حوادث أخرى- ضروري لتجنيب العلاقات بين السوريين والأتراك أزمات مستقبلية وكذلك -وهو الأهم- لحماية باقي السوريين على الأراضي التركية.

هذا التدرج من الرضا بالعقوبة إلى تبريرها إلى التحريض عليها إلى المشاركة فيها رغبة في حماية الذات من باب "الاختلاف في الموقف رغم التشابه في الموقع" -إن جاز لي التعبير- حدثنا عنه زيجمونت باومان في كتابه "الحداثة والهولوكوست"، ورغم التباعد الكبير بين المثلين من حيث الفعل والفاعل والمفعول به -بما لا يحتمل المقارنة فضلا عن التماثل- فإن الدرس البليغ كان أن التضحية بجزء لحماية البقية فكرة ساذجة لأن الكل في النهاية دفع الثمن.

الملايين من المقيمين السوريين لن يعودوا لسوريا اليوم ولا غدا، وهي حقيقة يدركها الجميع، كما أن شعبوية بعض السياسيين -ولا سيما في المعارضة التركية- وعنصرية بعض الأفراد هنا أو هناك مرشحة للاستمرار وربما الزيادة، وقرارات الترحيل هذه لا تكافح الظاهرة وإنما تغذيها من حيث لا تدري ولا تريد.

خاتمة

لم تنته الحادثة تماما حتى لحظة كتابة هذه السطور، وما زالت هناك جهود تبذل لعدم ترحيل السوريين الثمانية إلى شمال سوريا، لكن تبقى في القصة دروس ماثلة ينبغي الاستفادة منها حتى لو انتهت بشكلها الحالي دون ترحيل.

إن إعمال القانون وبشكل متساو على الجميع ضمانة لكافة الأطراف، وهم السلطة والمخطئ والسوريون والأتراك، حتى لا يفر أحد بجرم ولا يُجرّم أحد دون محاكمة ولا يعاقب شخص بأقل أو أكثر مما يستحقه جرمه أو خطؤه، وإلا فإن تبرير عقوبات تفوق ما يستلزمه حجم الخطأ ودون قرار قضائي ينبغي أن يثير المخاوف من قرارات شبيهة في حالات أقل من هذه بالآلية ذاتها.

كما أن معضلة الوجود السوري في تركيا بكل مظاهرها وارتداداتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية تحتاج إلى مقاربة مختلفة وشاملة تتضمن حلولا طويلة الأمد، فالملايين من المقيمين السوريين لن يعودوا إلى سوريا اليوم ولا غدا، وهي حقيقة يدركها الجميع، كما أن شعبوية بعض السياسيين -ولا سيما في المعارضة التركية- وعنصرية بعض الأفراد هنا أو هناك مرشحة للاستمرار وربما الزيادة، وقرارات الترحيل هذه لا تكافح الظاهرة وإنما تغذيها من حيث لا تدري ولا تريد.

وأخيرا، كان وسيبقى مطلوبا من السوريين في تركيا مؤسسات وأشخاصا وهيئات ونخبا -ولا سيما حاملي الجنسية التركية منهم- أن يعملوا بالتعاون مع الدولة التركية في مسارين:

الأول: موجه للسوريين، ويشمل رفع سوية وعيهم واطلاعهم على القوانين والثقافة والأعراف التركية، مما يساهم في تجنب الأخطاء والاستفزازات ويسهل الاندماج ويفوت الفرص على المصطادين في الماء العكر.

والثاني: موجه للأتراك، ويشمل بث الحقائق ونشر الإيجابيات ودحض الشائعات وتعزيز النماذج المشرقة من السوريين، بما يقلل حدة رفض الشارع لوجودهم، فضلا عن التحريض ضدهم أو التحرك الفعلي.

إن ملفا بهذه الحساسية والخطورة وكونه مرشحا للاستمرار على المدى المتوسط على أقل تقدير يحتاج الكثير من الهدوء والحكمة والتعقل والتفكير والتخطيط والعمل وإلا فإنه مرشح للعودة للانفجار بين يدي كل حادثة مشابهة، وهي انفجارات إذا ما تفاقمت قادرة على الإضرار بالجميع لا قدّر الله.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة