أصل الحكاية| التغيرات المناخية وتحويل العالم (2)

يحذر العلماء ونشطاء البيئة من أزمة أكثر خطورة تفرضها التغيرات المناخية (غيتي إيميجز)

انتهت أول أمس السبت قمة المناخ الـ26 التي انطلقت في مدينة غلاسكو البريطانية نهاية الشهر الماضي.

بدأت القمة بالولولة والعويل والشجب والندب، وانتهت بمزيد من الأسف والأماني المعلقة قصيرة الأجل والوعود الاستثمارية الضخمة، ورغم التغطية الإعلامية الواسعة التي حظيت بها القمة في المنصات المختلفة فإنها لم تصل إلى مستوى التغطية التي حظيت بها جائحة كورونا العام الماضي لعدة شهور متواصلة تبث الفزع والرعب في صدور العالمين.

انتهت القمة وباتت الدول الفقيرة أفواهها فاغرة، وعيونها جاحظة، في انتظار أن تتساقط عليها زخات المليارات التي ذكرت في ثنايا قرارات القمة، متجاهلة أو متناسية أن القمة هي قمة الكبار، وأن هذه المليارات ما هي إلا الاستثمارات التي سيضخها الكبار في عملية تحويل العالم التي تشهد تسارعا كبيرا باتجاه تحقيق أهدافها بحلول عام 2030، فكيف بدأت قصة المناخ؟ وأين ستنتهي؟

الحديث عن تغيرات المناخ جزء لا يتجزأ من خطة تحويل العالم التي تعمل تحت شعار التنمية المستدامة من أجل الانتقال إلى مرحلة جديدة تفتح المجال لاستثمارات هائلة تزيد على 4 إلى 5 تريليونات دولار سنويا تشارك فيها الدول الكبرى والقطاع الخاص، وتعمل على إعادة تشكيل المجتمع البشري وأنماط حياته في المجالات المختلفة

المناخ.. الهدف رقم 13

اكتسبت قمة المناخ هذا العام أهمية خاصة لـ3 عوامل رئيسية:

الأول: وجود تغيرات المناخ ومعالجتها ضمن خطة أهداف التنمية المستدامة 2030، والتي تشهد حاليا عملية تسريع كبيرة اتفقت عليها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2019، لتتمكن من تحقيق الأهداف مع نهاية المدة عام 2030.

الثاني: تبنّي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن أهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها التصدي لتغيرات المناخ، ودعوته الصريحة لدول العالم للعمل المشترك من أجل ذلك.

أما الثالث فهو مجيء قمة المناخ بعد جائحة كورونا، حيث ما زالت خيالات الرعب والفزع تخيم على قادة العالم واستعدادهم للتجاوب والعمل المشترك أكثر من ذي قبل.

والحديث عن المناخ ليس وليد اليوم أو البارحة شأنه في ذلك شأن الحديث عن الفقر والأمراض والتنمية وحقوق الإنسان وغيرها من الموضوعات التي تقتات عليها الأمم المتحدة، ولا تحقق من أهدافها إلا النزر اليسير، وتذهب الحصة الكبرى إلى الدول والمنظمات المتحكمة في قيادة الأمم المتحدة.

ظهرت العلاقة بين التنمية الاقتصادية والتدهور البيئي لأول مرة في مؤتمر ستوكهولم عام 1972، وفي أعقابه تم إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة الذي تحول في 2007 إلى منظمة الأمم المتحدة للبيئة، وفي عام 1987 دعت الأمم المتحدة إلى عقد مؤتمر دولي يعنى بالبيئة والتنمية يدعو إلى إرساء شراكة بين الدول المتقدمة والدول النامية تنطلق من المصالح المشتركة، وتساعد على تأمين مستقبل كوكب الأرض، فقامت الأمم المتحدة عام 1992 بتنظيم مؤتمر دولي في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية تحت اسم "قمة الأرض"، حيث تبنت الأمم المتحدة اتفاقية إطارية وقعت عليها 197 دولة، كان من بين أهدافها العمل على تثبيت معدلات انبعاث غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي لمنع تأثيرها في النظام المناخي.

في عام 1994 دخلت المعاهدة حيز التنفيذ لتطلق الأمم المتحدة بعد ذلك قمة سنوية تجتمع فيها الدول الأعضاء حول المناخ تحت اسم مؤتمر الأطراف (Conference of Parties) والمعروف اختصارا بـ"كوب" (COP)، وكانت القمة الأولى "COP 1" في مدينة برلين عام 1995، وتوالت القمم بعد ذلك سنويا باستثناء العام الماضي 2020 بسبب جائحة كورونا، وصولا إلى قمة غلاسكو 2021.

في عام 2000 أطلقت الأمم المتحدة خطتها المعروفة بأهداف الألفية والتي انتهت عام 2015، لتحل محلها خطة أهداف التنمية المستدامة التي تنتهي في 2030، واشتملت خطة الألفية على 8 أهداف إستراتيجية لم تكن من بينها تغيرات المناخ، مكتفية بالإشارة إليها في الهدف السابع "هدف الاستدامة البيئية".

وفي عام 2015 أدرجت الأمم المتحدة تغيرات المناخ كهدف مستقل بذاته ضمن خطة أهداف التنمية المستدامة هو الهدف رقم 13، والتزمت فيه الدول الأعضاء بتقديم 100 مليار دولار سنويا لمواجهة تداعيات تغيرات المناخ على الدول الفقيرة وذلك اعتبارا من عام 2020.

وهكذا، ومنذ سبعينيات القرن الماضي ونحن نرى أن الأمم المتحدة منشغلة بموضوع التنمية المستدامة للإنسان والمجتمع والأرض، دراسات وتقارير وبيانات ومؤتمرات وبرامج عمل ومنظمات متخصصة.

لكن، من يعد الدراسات والتقارير؟ ومن يشهد بمدى دقة معلوماتها أو سلامة استنتاجاتها التي كثيرا ما تكون مرتبطة بعبارة "من المتوقع" أو "قد تؤدي" أو "ربما تؤدي إلى"، وهي عبارات احتمالية غير قطعية الحدوث والدلالة، فكما أن من المتوقع حدوث كارثة مناخية فإن من المتوقع عدم حدوث هذه الكارثة؟!

اتفاقية باريس تضع النقاط على الحروف

في العام نفسه الذي انطلقت فيه هذه خطة تحويل العالم عام 2015 عقدت الأمم المتحدة قمتها "كوب 21" (COP 21) في العاصمة باريس، حيث وقعت 196 دولة على ما تعرف باتفاقية باريس التي دخلت حيز التنفيذ في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وتعتبر المرجعية الأساسية لقمة "كوب 26" في غلاسكو، وتهدف اتفاقية باريس إلى الحد من الاحتباس الحراري إلى أقل من درجتين مئويتين مما كان عليه قبل الثورة الصناعية عن طريق إحداث تحول اقتصادي واجتماعي يقوم على أفضل العلوم المتاحة، وتعمل الاتفاقية على دورة مدتها 5 سنوات من العمل المناخي الطموح المتزايد تقوم به الدول الموقعة على الاتفاقية، حيث تقدم الدول بحلول عام 2020 خططها الوطنية للعمل المناخي المعروفة باسم "المساهمات المحددة وطنيا" والتي تقضي بأن تقوم الدول بالإبلاغ عن الإجراءات التي ستتخذها لتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

انتهت قمة المناخ، وباتت الدول الفقيرة تنتظر المليارات التي ذكرت في ثنايا قرارات القمة متناسية أن القمة هي قمة الكبار، وأن هذه المليارات ما هي إلا الاستثمارات التي سيضخها الكبار في عملية تحويل العالم التي تشهد تسارعا كبيرا باتجاه تحقيق أهدافها بحلول عام 2030

وكما توفر اتفاقية باريس إطارا للدعم المالي والتقني وبناء القدرات للدول التي تحتاجها فإنها تؤكد على ضرورة ضخ استثمارات واسعة النطاق للحد بشكل كبير من الانبعاثات، وكما أن التمويل المناخي مهم للتكيف فإن هناك حاجة إلى موارد مالية كبيرة للتكيف مع الآثار الضارة والحد من آثار تغير المناخ.

كما تحدث اتفاق باريس عن رؤية التحقيق الكامل لتطوير التكنولوجيا ونقلها من أجل تحسين المرونة في مواجهة تغير المناخ وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، ويضع إطارا تقنيا لتقديم إرشادات شاملة تعمل على تسريع تطوير التكنولوجيا ونقلها.

لكن عام 2020 كان يقترب عاما بعد عام دون أن تحقق اتفاقية باريس ما كانت تتمناه، تماما مثلما حدث مع بقية أهداف التنمية المستدامة، مما حدا بالأمين العام للأمم المتحدة في 2019 إلى إعلان أن العقد القادم 2020-2030 يجب أن يكون عقد التسريع في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولم يلبث العالم أن باغتته جائحة كورونا لأسباب مجهولة حتى الآن على الأقل محدثة هزة إنسانية واجتماعية وصحية واقتصادية هائلة كان من أبرز نتائجها تسريع العمل المشترك بين دول العالم، ورفع مستوى التجاوب مع طلبات الأمم المتحدة المتعلقة بأهداف التنمية المستدامة.

المناخ سوق اقتصادي مفتوح

انتهى عام 2020 الذي عصفت به جائحة كورونا، انتهى دون أن يدخل خزينة الأمم المتحدة شيء من الـ100 مليار دولار التي التزمت بها الدول الأعضاء لمواجهة تغيرات المناخ عام 2015، مما زاد مستوى المناشدة والاستغاثة في افتتاح قمة غلاسكو لتفزيع الدول الأعضاء والشركاء وحثهم على الوفاء بالتعهدات التي سبق أن قطعوها على أنفسهم، وبعد أسبوعين من الجلسات والنقاشات والمداولات قال الأمين العام "لم نحقق الأهداف في هذا المؤتمر، ولكن لدينا بعض اللبنات الأساسية اللازمة للتقدم".

ومع ذلك، فقد التزمت العديد من دول العالم -وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين- التزامات "أدبية" بتخفيض معدلات انبعاث الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري، والتحول إلى الطاقة النظيفة وإزالة الكربون، والتوقف عن قطع الغابات، وتخفيض الاعتماد على الفحم كمصدر للطاقة.

لكن، وكما انتهت جائحة كورونا بسباق اقتصادي بين شركات الأدوية استثمرت فيه مليارات الدولارات وتدفقت عليها مليارات مضاعفة فقد وافقت نحو 500 شركة خدمات مالية عالمية من القطاع الخاص على مواءمة 130 تريليون دولار -أي حوالي 40% من الأصول المالية العالمية- مع الأهداف المنصوص عليها في اتفاق باريس، بما في ذلك الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية، ووقعت أكثر من 100 حكومة ومدينة ودولة وشركات كبرى على إعلان غلاسكو بشأن السيارات والشاحنات الصغيرة عديمة الانبعاثات بهدف وقف بيع محركات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2035 في الأسواق الرائدة وحول العالم بحلول عام 2040.

كما التزمت 13 دولة على الأقل بإنهاء بيع المركبات الثقيلة التي تعمل بالوقود الأحفوري بحلول عام 2040، وقد أنشأت 11 دولة -من بينها أيرلندا وفرنسا والدانمارك وكوستاريكا- ما يعرف بـ"تحالف ما وراء النفط والغاز" وهو الأول من نوعه، لتحديد موعد نهائي لوقف التنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما، وهذا التحالف سيحث دولا أخرى على الدخول فيه أو تشكيل تحالفات مماثلة، كما سيفتح المجال واسعا لاستثمارات جديدة في مجالات الطاقة البديلة النظيفة.

إن الحديث عن تغيرات المناخ هو جزء لا يتجزأ من خطة تحويل العالم التي تعمل تحت شعار التنمية المستدامة من أجل الانتقال إلى مرحلة جديدة تفتح المجال لاستثمارات هائلة تزيد على 4 إلى 5 تريليونات دولار سنويا تشارك فيها الدول الكبرى والقطاع الخاص، وتعمل على إعادة تشكيل المجتمع البشري وأنماط حياته في المجالات المختلفة، وستتسارع الفعاليات الدولية والإقليمية والمحلية في السنوات القادمة، والتي يبلغ عددها 3110 فعاليات تغطي المجالات المختلفة لعملية التحول حسب الأهداف الـ17 المعلنة للتنمية المستدامة.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة