كيف تبني الدول قوتها الذكية؟

Ukrainian borderguards line up at the border with Belarus in Volyn region
القوة الذكية لا تعني مضاعفة القوة أو المحافظة على السيطرة، بل تعني استخدام موارد القوة في إستراتيجيات ناجحة (رويترز)

هل يمكن أن نتوصل إلى معايير جديدة لقياس القوة في القرن الحادي والعشرين؟! هناك الكثير من التحديات التي تواجه الدول، وتفرض عليها أن تبحث عن مصادر جديدة للقوة، وعن أساليب متميزة لاستخدامها بشكل رشيد.

لقد اعتمدت الدول في بناء قوتها على السكان والأرض والاقتصاد والجيش والأسلحة والتخطيط الإستراتيجي والإرادة. ولكن أثبتت الأحداث أن الدولة يمكن أن تمتلك كل تلك المصادر، ولكنها يمكن أن تنهار كما حدث للاتحاد السوفياتي الذي كان يملك من القوة ما يفوق الولايات المتحدة الأميركية.

انهيار الاتحاد السوفياتي كشف للعلماء ضرورة البحث عن مقاييس جديدة للقوة، وتناول الباحثون جوانب مختلفة مثل التكنولوجيا والموارد البشرية والبنية التحتية والأفكار.

مع ذلك ظلت هناك الكثير من موارد القوة تحتاج إلى دراسات لتوضيح دورها في زيادة قدرة الدولة على الاستمرار، وكفاءتها في تغيير الواقع.

تجربة كوريا الشمالية يمكن أن توضح لنا جانبا مهما هو كيف يمكن أن يتلاعب طرف بمخاوف الطرف الآخر فيضعفه، فمن المؤكد أن قوة كوريا الشمالية لا يمكن مقارنتها بقوة الصين أو الولايات المتحدة الأميركية، لكنها مع ذلك نجحت في إثارة مخاوف هاتين القوتين

أوهام القوة العسكرية

ولكي نتمكن من تطوير قدرات الدولة وبناء قوتها، يجب أن نتحرر من التركيز على القوة العسكرية، فهي مجرد وسيلة يمكن للدولة استخدامها في إدارة الصراعات على المستوى الدولي.

هناك أسئلة جديدة بدأت تطرح نفسها على الدول من أهمها: ماذا يمكن أن تفعل القوة العسكرية في مواجهة تغير المناخ أو الأوبئة أو الانهيار الاقتصادي؟

كما أن التركيز على بناء القوة العسكرية وامتلاك الأسلحة الحديثة وتراكمها يمكن أن يؤدي إلى الضعف الاقتصادي وتزايد الفقر نتيجة تزايد الإنفاق.

هناك أبعاد جديدة لاستخدام القوة العسكرية في العصر الحديث تفرض التفكير في جدوى استخدام تلك القوة في مواجهة الإرهاب الذي يهدف إلى دفع القوي إلى استخدام قوته العسكرية ضد نفسه، كيف يحدث ذلك؟

إن الطرف الضعيف يمكن أن يدفع الطرف القوي إلى الإفلاس عبر استنزافه في معارك صغيرة على مدى زمني طويل.

تجربة كوريا الشمالية يمكن أن توضح لنا جانبا مهما هو كيف يمكن أن يتلاعب طرف بمخاوف الطرف الآخر فيضعفه، فمن المؤكد أن قوة كوريا الشمالية لا يمكن مقارنتها بقوة الصين أو الولايات المتحدة الأميركية، لكنها مع ذلك نجحت في إثارة مخاوف هاتين القوتين.

في ضوء ذلك تتضح صعوبة حصر مصادر القوة، وتأثير هذه المصادر في المواقف المختلفة.

القوة وصنع التغيير

ولقد أصبح من الصعب أن نتوصل إلى تعريف محدد للقوة، على الرغم من كثرة المحاولات التي من أهمها أن القوة هي القدرة على تحقيق التغيير، والتأثير على الآخرين.

في ضوء ذلك، فإن قياس القوة يعتمد على العوامل التي تزيد التأثير، وتحقيق النتائج التي تريدها الدولة، وهذه العوامل متعددة، ويختلف تأثيرها طبقا للسياق الذي تستخدم فيه.

لذلك يفرق عالم السياسة بيتر كاتزينستين بين "قوة الحضارات" و"القوة في الحضارات"، فماذا يعني ذلك؟ إن قوة الحضارات تعني القدرة على بناء المجتمعات والنظم المعرفية. أي أن الدولة يمكن أن تمتلك قوة عسكرية تستخدمها في القتل والتدمير، لكن هل تمتلك تلك الدولة القدرة على الإقناع؟

هذا السؤال يمكن أن تكون إجابته هي المفتاح لفهم دور القوة الذاتية للحضارات، وقدرتها على التأثير بشكل يفوق ما تمتلكه من قدرات عسكرية.

يقدم جوزيف ناي مثالا مهما هو أن الدكتاتور يمكن أن يقتل معارضا لكنه لا يحقق ما يريده، لأن هذا المعارض يتحول إلى شهيد، وتصبح القضية التي يتبناها الشهيد عامة وتؤثر في الجماهير، فلا يحقق الدكتاتور ما يريده، بل يمكن أن يشكل ذلك خطرا عليه، ويطلق ناي على ذلك النتائج غير المقصودة لاستخدام القوة.

مفهوم القوة الذكية

لذلك ظهر مفهوم القوة الذكية ليصف إمكانيات استخدام مصادر القوة في سياق معين، وكيف يمكن التنسيق بين هذه المصادر لكي تحقق الأهداف.

إن الصين تمتلك الكثير من مصادر القوة مثل الجيش والأسلحة والاقتصاد والسكان.. لكن ما مدى قدرتها على بناء إستراتيجية لاستخدام هذه المصادر في تحقيق أهدافها وللتأثير على سلوك الآخرين؟

إن القوة لا تحقق التأثير وحدها، لذلك لا بد من استخدام القوة الصلبة والناعمة بكفاءة لتحقيق الأهداف في سياقات مختلفة. في ضوء ذلك يمكن تقديم تعريف جديد للقوة هو دفع الناس للقيام بالعمل الذي تريده من دون استخدام العصى والجزرة.

الوجه الثاني للقوة

هناك جانب مهم هو وضع الأجندة.. وهو كيف يمكن أن تؤثر على أولويات الجماهير والدول، والقضايا التي تهتم بها؟ وفي هذا السياق تستخدم قوة وسائل الإعلام لتحديد القضايا، فعلى سبيل المثال يتم التركيز على فرض الحجاب على المرأة الأفغانية، وتقديم تلك القضية باعتبارها تشكل اضطهادا للنساء، في حين يتم تجاهل حقوق النساء المسلمات في فرنسا في ارتداء الحجاب.

يوضح ذلك أن هناك وجها آخر للقوة هو التأثير على تفضيلات الجمهور، وتحديد القضايا التي يهتمون بها، وأساليب تقديم تلك القضايا. وفي القرن الحادي والعشرين تتزايد أهمية القوة الإعلامية والمعلوماتية والمعرفية، وهذه القوة تحتاج إلى أفكار تتميز بالجاذبية وتستخدم في إقناع الآخرين.

لكن من يستطيع أن يمتلك هذه القوة ويستخدمها بكفاءة خلال قرن يشهد صراعا يستخدم فيه طوفان من المضمون الذي يتم نشره عبر وسائل الإعلام وشبكة الإنترنت؟

فاعلية الدول

في ضوء ذلك، فإن الدولة لم تعد هي الفاعل الوحيد في هذا القرن الجديد، ولم تعد القوة الصلبة التي تمتلكها الدولة وتقوم بإدارتها هي الوسيلة التي يمكن استخدامها في تحقيق الأهداف.

كما أن الإستراتيجيات الاتصالية أصبحت أكثر أهمية من الجيوش، فالحروب لا يتم فيها تحقيق الانتصارات باستخدام الأسلحة، ولكن بكسب العقول والقلوب، وتحديد أولويات الشعوب، وتشكيل تفضيلات الجمهور.

لذلك تحتاج الدول إلى تطوير قوتها الذكية ببناء إستراتيجيات لاستخدام المعلومات والمعرفة والاتصال، وتوظيف ثقافتها وقيمها السياسية لجذب الشعوب.

إن الثقافة مصدر مهم للقوة، وهناك ثقافات عالمية تجذب الكثير من الناس من شعوب وأعراق مختلفة يمكن أن تقوم بدور فاعل خلال هذا القرن، وتؤثر على بناء التحالفات بين الدول.

تغيير موازين القوى

مهما اختلفنا حول مقاييس القوة، فإننا يمكن أن نتفق على أن السنوات القادمة سوف تشهد تغييرا في موازين القوى، وسيفتح ذلك المجال لدول غير غربية لزيادة قوتها عن طريق التوظيف الذكي لكل مصادر القوة، وبناء تحالفات على أسس ثقافية ودينية وحضارية، والتأثير على الرأي العام في دول أخرى باستخدام مبادئها وقيمها.

هناك أيضا الكثير من المؤشرات على أن قوة أميركا تتناقص، وأن الكثير من الشعوب فقدت إعجابها بالثقافة الأميركية، لذلك ستفقد أميركا السيطرة، على الرغم من احتفاظها بالتفوق في مجال القوة الصلبة.

لعنة القوة

لكن هل يمكن أن تكون القوة الصلبة لعنة أكثر منها فائدة؟ هذا السؤال طرحه جوزيف ناي، ثم أجاب بأن الإسراف في استخدام القوة العسكرية من أهم أسباب تدهور الولايات المتحدة، وكان ضررها أكثر من نفعها، فالقوة مفسدة، والقوة المطلقة مفسدة مطلقة، ولقد أصبحت الشعوب تحتاج إلى قادة يتمتعون بذكاء اجتماعي يتيح لهم أن يعرفوا النتائج الضارة لاستخدامهم القوة الصلبة، وأن يجنبوا الشعوب "لعنة القوة" التي يمكن أن تؤدي إلى الهزيمة والموت.

لذلك يري جوزيف ناي أن القوة الذكية لا تعني مضاعفة القوة، أو المحافظة على السيطرة، ولكنها استخدام موارد القوة في إستراتيجيات ناجحة، وفي سياق جديد لتحقيق أهداف عظيمة، وعدم استخدام القوة للتدمير والإبادة.

ولكن هل يمكن استخدام القوة الصلبة في الحرب؟ بالتأكيد، لكن الحرب يجب أن تكون عادلة ومشروعة وتهدف لتحرير الأرض والبشر، فلا تكون عدوانا على الشعوب لفرض السيطرة كما حدث في العراق وأفغانستان.

لذلك يعرف جوزيف ناي القوة الذكية بأنها تحقيق التكامل الذكي بين الدبلوماسية والدفاع والتنمية. لذلك لا بد أن تتخلى أميركا عن أهداف الهيمنة والسيطرة على الدول، وأن تدرك أن السياق العالمي يتغير حيث بدأت فترة "ما بعد الهيمنة "، التي يجب أن تبحث فيها الدول عن وسائل جديدة لتحقيق التعاون في مواجهة التحديات الجديدة مثل تغيير المناخ.. لكن هل تستمع أميركا لأصوات حكمائها وعلمائها؟



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة